روحاني يلقي بمسؤولية الاتفاق النووي على عاتق خامنئي

السبت 2015/08/22
قاعدة السياسة الإيرانية: المرشد الأعلى يسطر والرؤساء مهمتهم التنفيذ

طهران - أصبح النقاش حول الاتفاق النووي، في الآونة الأخيرة، موضوعا ساخنا في الداخل الإيراني، يثير الكثير من الجدل بين الجماعات المتنافسة والتي يقدم كلّ منها سرديته الخاصة للحيثيات التي سبقت الاتفاق ورافقته، ومدى المسؤولية التي يتحمّلها المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي عن المفاوضات ونتائجها، رغم إنكاره القيام بأي دور فيها، وفق دراسة للباحث مهدي خلجي، صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.

وقد أشار تحليل صدر عن المرصد السياسي 2460 بعنوان “مخاوف إيران الأمنية والجدل القانوني حول الاتفاق النووي”، إلى أنّ خامنئي كان حذراً بشأن موقفه من الاتفاق النووي. ففي 9 أبريل الماضي، قلّل من أهمية اتفاق جنيف وردّ على ادّعاء فريق روحاني بأنّه كان قد وافق على تفاصيل المفاوضات بقوله “لستُ غير مبالٍ بالمفاوضات لكنّني لم ولن أتدخل فيها، لا في الماضي ولا في المستقبل”.

وبالمقابل يحاول فريق روحاني جاهداً إظهار أنّ خامنئي يتحمّل مسؤولية كاملة عن المفاوضات ونتائجها، وذلك كوسيلة لإجباره على التعبير عن موقفه علانية. وقد أدّى ذلك إلى حالة من التناقض في التصريحات، إذ أشار فريق روحاني إلى أنّ المبادرة من أجل إطلاق المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة لم تصدر عن الرئيس روحاني، بل عن المرشد الأعلى.

وحتى وقت قريب، كانت السردية السائدة تقول إنّ روحاني كان أكثر المرشحين اعتدالاً ومهارةً من الناحية الدبلوماسية في الانتخابات الرئاسية عام 2013، وإنّ فوزه غيّر موقف البلاد تجاه المسألة النووية والمفاوضات مع واشنطن. وفي هذه السردية، صُوِّر روحاني على أنّه شخصية معتدلة تقدّر النتائج الاقتصادية والأمنية التي تمخّضت عنها السياسة النووية الإيرانية إبّان حكم أحمدي نجاد. وعلى الجانب المقابل، تمّ تصوير خامنئي بوصفه شخصاً متعنّتاً في موقفه من المفاوضات مع الولايات المتحدة والسياسة النووية على حدٍ سواء. لكن في الآونة الأخيرة، قرّر فريق روحاني تغيير هذه السردية من أجل أن يردّ على منتقدي الاتفاق النووي، الذين يلومون أعضاء الفريق على سذاجتهم في الوثوق بواشنطن بما يكفي للدخول في محادثات معها.

ومن المفارقة أنّ مفاوضَيْن بارزَيْن، قد تولّيا مهمة تغيير السردية، كانا قد شاركا في المفاوضات إبّان حكم أحمدي نجاد أيضاً، الأمر الذي يتم تجاهله من قبل معظم الذين يشيرون إلى أنّ انتخاب روحاني شكّل نقطة تحوّل في سياسة إيران الخارجية.

وكخطوة أولى كشف عباس عراقجي، وهو مفاوض نووي بارزٌ في عهد الحكومتين، عن أنّ “هذه المفاوضات بدأت في عهد حكومة أحمدي نجاد السابقة، لافتا إلى أنّ جون كيري، عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، كان يبعث برسائل لإيران عن طريق عُمان. وأضاف أنّ خامنئي أمر في ذلك الوقت (حوالي عام 2011) بإطلاق المفاوضات، مشيرا إلى “أنّ المفاوضات كانت تجري في السرّ إلى أن علمت بأمرها بعض العناصر داخل النظام وبدأت تضغط على المفاوضين”. وأصرّ مراراً وتكراراً على أنّ خامنئي كان على علمٍ كامل بتفاصيل المفاوضات والاتفاق.

وبعد بضعة أيام، أجرت الصحيفة الرسمية التابعة للحكومة مقابلةً مع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، الذي شغل مناصب في عهد حكومتي أحمدي نجاد وروحاني، بما في ذلك عضوً في فريق التفاوض الحالي وممثّل إيران السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أكّد صالحي خلال المقابلة كذلك ما ذهب إليه عراقجي من أنّ خامنئي كان على علم بكل شاردة وواردة عن المفاوضات منذ بدايتها.

ويكشف تصريحا عراقجي وصالحي على السواء حقائق جديدة عن المفاوضات ويحوّلا التصوّر السائد حول المفاوضين الإيرانيين. ولم تكن وسائل الإعلام وحدها من جعلت من هذا التصوّر هو السردية المقبولة الوحيدة، فقد أدّى الرئيسان الإيراني والأميركي دوراً كذلك عبر الإيحاء بفكرة أنّ انتخاب روحاني كان بمثابة العامل الذي شكّل فرصةً للتفاوض مع إيران، وأنّه إذا فشلت المفاوضات معه، سيهزمه المتشددون في الانتخابات المقبلة ويغلقون أبواب التفاوض. وتُضعف السردية الجديدة التي طرحها صالحي وعراقجي التقارير عن الشخصية الاستثنائية والعقلية “المعتدلة” اللتين يتّسم بهما روحاني أو ظريف في وسائل الإعلام.

وليست سرديّتهما إلّا دليلاً إضافياً على أنّ تغيير الرئيس في إيران قد يؤشر على تغيير في السياسة، لكنّه ليس بالضرورة السبب الذي تتغيّر بفعله السياسة، فالسلطة الفعلية لا تزال في قبضة خامنئي. كما تطمس السردية الجديدة الخط السابق الذي رسمه كثيرون ليظهروا الشرخ بين حكومتي أحمدي نجاد وروحاني، والتي أثبت مسار المفاوضات أنّ الثانية هي امتداد وتواصل للأولى.

6