روحي الخماش الفلسطيني الذي دوّن الموسيقى العراقية

السبت 2015/01/10
روحي الخماش فنان موهوب صاحب إنجازات خلاقة

إذا كان الموسيقيون قد غيّروا من تطوراتنا العميقة، وتنبؤوا بالأحداث المأساوية للقرن العشرين، فإن روحي الخماش يجمع، إضافة إلى قواهم الخلفية، شعورا غريبا يربط الهلع باللعبة الوجودية بين الإنسان والموت؛ فالإحساس بشكل متناقض لا يدفعنا إلى الهاوية، بل إنه ينفتح بالتأكيد على وجوه تؤدّي إلى عالم قد شوهد في السابق، على طريق أشعلته أهوال الأرض، حيث هناك يأس ضمن هذا الرعب، ويحتاج الموسيقي إلى برودة الدم للتعرف عليه وكشف مظاهر العاطفة التي تطبع على جسم البشر في تلك اللحظة.

صدرت الطبعة الأولى من كتاب الشاعر والصحفي هشام عودة الذي جاء تحت عنوان “الموسيقار روحي الخماش: سيرة وإنجازات” عن دار أمواج بعمان (2015). في هذا الكتاب رصد عودة أهم مراحل الموسيقار الفلسطيني العراقي روحي الخماش، الذي عاش في بغداد منذ النكبة الفلسطينية، والتي استقبلته وفتحت تاريخها الموسيقي له لينهل منه ويطوره.

منذ البداية يتحدث عودة عن مسألة غاية في الأهمية، وهي “نزوح” الفنان الفلسطيني عن وطنه إلى خارج وطنه، وهذا الأمر يعود إلى بداية القرن الماضي، وربما قبل ذلك، وكان البعض من هؤلاء قد أطلقوا مواهبهم خارج فلسطين، فأجاد وأبدع، ولفت الانتباه إليه.


الدور التوثيقي


في نظرة بانورامية على مشهد الغناء والموسيقى في العراق، منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى الثلث الأول من القرن الماضي، يركز عودة على اهتمام الخماش بالأغاني الوطنية، كأحد ورثة الرواد الذين بحثوا في المدرسة البغدادية، التي حافظت على المقام العراقي، وسحرتنا بأنواع جديدة، وقبست من الموسيقار روحي الخماش بعض فنونه، وهو القادم من مدينة نابلس الفلسطينية جراء نكبة هزت ضمير البشرية، فقد عثر الخماش على تراث غنائي وثقافي عراقي يتجاوز عمره 1200 سنة، من هذا الإرث القصيّ والموغل في القدم شهدت بغداد حراكا موسيقيا يمشي مصارعا بلا هوادة إرثا جاهليا فرضه استعمار شديد التخلف، لم يتخلص منه هذا الحراك إلا بعد أن انقضى أكثر من نصف القرن العشرين.

الخماش دوّن المقام العراقي، وهذا أهم حدث في تاريخ الموسيقى العراقية لما يقدمه من خدمة إلى الأجيال اللاحقة

وفي فصل لافت يتحدث عودة عن روحي الخماش فيصفه الباحث العباس على أنه من قام بتدوين المقام العراقي بأهم حدث في تاريخ الموسيقى العراقية لما قدمه من خدمة جليلة إلى الأجيال اللاحقة. كما يقدمه قارئ المقام العراقي المعروف الفنان حسين الأعظمي على أنه واحد من أبرز الذين دعوا إلى تنويط المقام العراقي وتدوينه.

وفي هذا يقول على عبدالله إن الموسيقار روحي الخماش لم يتوقف عن مشروعه في تنويط المقام العراقي، بل ظل مستمرا عليه حتى وفاته، وكان الخماش جريئا في إقدامه على هذه الخطوة، وقد سبقه إليها الفنان جميل بشير، إلا أن حجم الإنجاز الذي قدمه الفنان جميل بشير هو أقل من حجم الإنجاز الذي قدمه الفنان روحي الخماش.

يفرد هشام عودة صفحات للدور الذي لعبه روحي الخماش في تطوير الموسيقى ببغداد، وكما ذكرها الباحث حبيب ظاهر العباس: “بعد دخوله إلى دار الإذاعة العراقية سنة 1948، أثار ذلك ثورة في مجال الموسيقى وعلومها”، وتتمثل في قراءة وكتابة النوط ومعرفة نظرياتها، إذ التف حوله أغلب العاملين في حقل الموسيقى، وهم مذهولون من قدراته ومؤهلاته الكبيرة وسعة مداركه، إذ كان أغلب الملحنين آنذاك يحفظون ألحانهم شفاهيا بسبب جهلهم لكتابة وقراءة النوطة الموسيقية، ومن هنا ازدهرت الحركة الموسيقية.

ويستحضر عودة دور روحي الخماش فيقول إنه كان من أبرز الذين لحنوا ونشروا الأناشيد الوطنية في أرجاء العراق، فضلا عن جهوده المشهودة التي بذلها في تدوين الأناشيد، حيث أصدر عدة مطبوعات بالتعاون مع وزارة التربية، وبقي أثرها واضحا كمناهج للمدارس، ويعد الفنان من أنضج وأدق الذين دونوا المقام العراقي والغناء الريفي بالنوطة الموسيقية، ويذكر عودة أن الموسيقار الخماش، وبعد جهود مضنية امتدّت على ثلاث سنوات حقق مع الباحث ثامر العامري كتاب “المقام العراقي والغناء الريفي”، قام من خلاله بأعظم حدث في التاريخ الموسيقي والغناء العراقي، إذ ثبت ووثق للأجيال اللاحقة طريقة قراءة المقام العراقي والغناء الريفي.

سيرة فنان موهوب أنجز أعظم حدث في تاريخ موسيقى الرافدين

بمزاج مهني وصحفي يرصد عودة أهمية الخماش في نشر الثقافة الموسيقية ودوره في صياغة ثقافة فنية تقيم علاقة وثيقة بذائقة الجمهور، بحيث أن نباهة الخماش تكمن في استدراكه لتحقيق الثقافة الموسيقية في واقع المجتمع العربي، يتمّ عند التقاء غايات تتساوى فيها أهداف الفنان مع ذائقة الجمهور وخبرة العمل الفني، رسخت هذه الأفكار في عمل الخماش حتى أضحت عنصرا ملازما في بنائية الرؤية الموسيقية لديه.


إنجاز فريد


من هنا رأى في الفرق الفنية والموسيقية والإنشادية الرافعة التي تخدم مشروعه الفني، وهي القادرة على نقل هذا الفن للمجتمع من جهة، وعلى إنتاج فنانين وعازفين وموهوبين يمكن لهم الإسهام في تطوير الموسيقى وإغنائها بمواهبهم وتجاربهم، لذلك حرص الموسيقار الخماش على القيام بتأسيس الفرق الفنية والإنشادية في كل المواقع التي عمل فيها، سواء كانت مواقع فنية أو موسيقية متخصصة أو غير متخصصة.

ويسجل للموسيقار الخماش إنجازاته الخلاقة في هذا المجال، فقد قام بتأسيس فرق فنية أسهمت بدور كبير في حفظ التراث الفني العراقي وتطويره، ومن الفرق الفنية والموسيقية والإنشادية التي أسسها في العراق، أو كان له دور رئيس في تأسيسها : فرقة الموشحات عام 1948، التي تحوّل اسمها عام 1961 إلى فرقة أبناء دجلة، فرقة الموشحات الثانية، أو فرقة الإنشاد العراقية، وغيرها من الفرق التي تركت بصمة واضحة في مسيرة الفن والغناء والموسيقى بالعراق في النصف الثاني من القرن العشرين.

وقد ذكر المؤلف علاقة الخماش بآلة العود إذ أنها علاقة قديمة تعود إلى سنوات طفولته الأولى، وقد درس العزف على العود أكاديميا ثم أصبح أستاذا في تعليم العزف عليه، وكثيرا ما كان يفكر في تطوير أداء هذه الآلة الموسيقية التي رافقته طوال عمره،.

وعن هذا الإنجاز الكبير تقول الباحثة فاطمة ظاهر: “كان هدفه من إضافة الوتر السابع الحصول على الأصوات الكاملة التي تشرعها آلة العود لتسهل عليه أسلوب العزف والتكنيك وارتجال الأنغام”.

وقد وصف الموسيقار علي عبدالله إضافة الوتر السابع للعود بأنه إنجاز موسيقي كبير، تفرّد به الخماش، وأهمية هذا الإنجاز أنه يفسح المجال أمام العازفين في استثمار قدر كبير من المساحة الموسيقية، ولإظهار الجمل الموسيقية بأبهى صورها، والوتر السابع يعني إضافة صوت جديد، فهو سوف يأخذ درجة من الغلظة أو الرفعة.

17