روح أسامة ابن منقذ روح سوريا الجريحة

السبت 2014/07/26

يا سوريا التعيسة كعظمة بين أسنان كلب

(رياض الصالح الحسين *)

بالفعل، هذا الكتاب الموسوعي من المختارات الشعريّة العربيّة على غرار الحماسات لأبي تمام وغيره، تصدق عليه مقولة أبي ذر الغفاري حين سأله ولده «يا أبت مالك إن تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم؟» فقال: «يا بنيّ ليست النائحة المستأجرة كالثكلى». فالأمير الأديب والفارس، أسامة ابن منقذ، كانت حياته الملحميّة بكل ما لهذه الكلمة من دلالات مأساويّة، ذاتيّة وموضوعيّة عامة، تجعل من تلك الحياة المليئة بالأخطار والأهوال والحروب حياة فريدة على نمط الشعراء الفرسان الذين وحّدوا بين القول والسلوك واستضاؤوا بقلق الأخطار وقيم البطولة، بحيث أن التاريخ لم يبخل عليهم بكل ما هو فاجعي وطاهر ونبيل، وما أحاق أيضا من دناءة البشر المحيطين وخسّتهم وانحطاطهم. أسامة ابن منقذ المولود في “شزر” من نواحي حلب من أسرة عربيّة عريقة المحتد. كانت فترته فترة تشظّي الدولة العربيّة الكبرى إلى إمارات ودويلات مبعثرة على أنقاض الإمبراطوريّة المترامية المنعة والأطراف. كان الروم والصليبيون من جهة والفتن الداخلية والمؤامرات. كان منقذ يخوض حروبه الكثيرة على كل الجهات من فلسطين والموصل إلى مصر وغيرها.

مما يجعل حياته الموشومة بالغيابات الكثيرة والانفصال عن الديار والأهل، جديرة بتأليف مثل هذا الكتاب الذي اختار أن يتأسّى بشعر السابقين في مجال الرثاء والفجيعة وقصف الأقدار العاتية. على ما لديه من إنجاز شعري وأدبي خاص في هذا السياق. فيبدو أن حجم مأساوية الروح الثكلى عنده تحتاج إلى أكثر من ذريعة تعبيريّة ومجال. فهو بجانب الإشارة الآنفة إلى حياته في الحروب والأهوال، ضرب زلزال مدمّر في غيابه، منازله ودياره فمزّق أيما مُمزّق شمل الأهل والأحبة والديار، وتركها قاعا تصفر فيه رياح الكارثة والغياب والعويل.. وحسب ابن الجوزي فإن الزلزال (حوالي سنة 552هـ) هدم حلب وحماة، والمعرّة وحمص وأنطاكية ودمشق وطرابلس.. أما شزر موطن الولادة والطفولة فلم تنجُ منها إلا امرأة واحدة.. أمام أهوال هذه الفاجعة، فليس أمام أسامة ابن منقذ، إلا بعض العزاء الذي نجده في مرآة الآخرين ممن أصيبوا بمسّ نكبته وحزنه.. على طريقة الخنساء «ولولا كثرة الباكين حولي/ على إخوانهم لقتلتُ نفسي». كتاب غني، وُجدت نسخته الأصليّة في “المتحف الآسيوي بلنينغراد” بخط أسامة نفسه وبمقدمة للمستعرب أنس خالدوف.. وحققه لاحقا مصطفى حجازي.

رغم تلك الحياة التي عاشها أسامة ابن منقذ والتي كان الموت يتحيَّنها دائما، كان رفيقها الحميم، عاش حتى التسعينات من عمره حيث ضجر الشيخوخة ووهنها وانهيار الأحوال، من غير أي سند على مواجهة الزمن والصيرورة. «الموت لا يقدمه ركوب الخطر ولا يؤخره شدة الحذر؟».

في هذه اللحظة الفاصلة من التاريخ، نفكّر أن زلزال بلاد الشام يترحّل من مهاد الطبيعة وأركانها إلى أرض البشر ومنظومة علاقاتها نزوعا وحلما إلى “الحرّية والكرامة والعدالة”. وأن روح أسامة ابن منقذ وأمثاله من الأبطال الأسطوريين، في بلاد الشام ، تحلّ في أعماق البلاد طولا وعرضا، أفرادا وجماعات، لا تخشى ركوب الخطر وأشباح الموت الجاثمة في كل الأزقة والجهات..

بلاد الشام يمكن أن تكون رافعة حضاريّة وأخلاقيّة ضمن الروافع الأخرى لنهضة عربيّة شاملة، لكن الأعداء يريدون لها أن تدخل في دورة خراب متناسلة..

***

يا شجر السنديان/ ويا سموّ الصفصاف/ حنوّك على الموتى/ حنوّ المرضعات على الفطيم/ وأعمق منه:

حنوّ الأم السوريّة/ على ابنها القتيل..

***

* أتذكر هذه العبارة الشعريّة من نص طويل للصديق الراحل رياض الصالح الحسين، في هذا المنعطف التراجيدي الذي يشبه المنعطفات الثوريّة الكبرى في تاريخ البشريّة قاطبة. ورياض لمن لا يعرفه أو نسيه في زحمة غبار الزمن والمذابح الوحشيّة، شاعر سوري من جيلنا، غيّبه الموت باكرا جدا، وبشكل ملتبس، إذ كان لا يعاني إلا من وعكة بسيطة، التهاب الزائدة الدوديّة حينما رحل على إثر العملية الجراحيّة. أتذكر كان الصديق الشاعر العراقي هاشم شفيق وآخرون معه في المستشفى لحظة رحيله الصاعق، له عدة دواوين منها “خراب الدورة الدمويّة”. أتذكر في مطلع الثمانينات ، الفترة التي رحل فيها رياض، كتبتُ هذا المقطع الذي نُشر لاحقا على ما أظن، في ديوان “مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور”.

دائما.. في غرفتك المكفهرة/ بالتعب/ تبحث عن ربوة الخيال/ عن مشاجرات جديدة تحت المخدّة/ عن ذكرى خبأنها “الفتيات” بين الجدائل.

الضيوف المزعجون يزورونك/ في نعاس عابر/ ولا تستيقظ إلا بعد حقبة من النوم،/ في غرفتك الضيقة التي أعرفها جيدا،/ لتبحث عن أشيائك الصغيرة.


شاعر من سلطنة عمان

16