روح الأثر الجمالي

الثلاثاء 2017/04/04

كتب الفيلسوف الألماني إمانويل كانط في كتابه “نقد ملكة الحكم” ترجمة سعيد الغنامي في فقرة بعنوان “في ملكات الذهن التي تشكل العبقرية” يقول “يقول المرء عن بعض النتاجات، التي يتوقع منها أن تكشف جزئيا في الأقل عن نفسها، بوصفها فنا جميلا، إنها من دون روح… يمكن لقصيدة معينة أن تكون حسنة السبك وأنيقة المظهر ولكنها من دون روح. يمكن لقصة معينة أن تكون دقيقة البناء ومتقنة التنظيم، لكنها من دون روح. يمكن لخطبة رزينة أن تكون عميقة ومناسبة في الوقت نفسه، ولكنها من دون روح… إذا ما المقصود بهذه الروح؟ تعني الروح، في دلالتها الجمالية، المبدأ الذي يبث الحياة في الذهن”.

لا أريد أن أعرض لفلسفة كانط الجمالية ولا رأيه في العبقرية بل التوقف عند هذه اللمعة الكانطية روح الأثر الجمالي الفني والأدب من الفنون الذي يبث الحياة في الذهن. يقوم كانط في الصفحات اللاحقة بشرح فكرته هذه بتأكيد قوة الخيال من حيث هو ملكة معرفية منتجة يتخطى حدود التجربة. هنا يبرز كانط مكانة الشاعر التي تكشف عن مملكة الأفكار الجمالية.

قل إن الشعر هو الذي يبث الحياة في الأفكار العقلية، الخيال هنا يمنح الحياة للفكرة، يلبسها الزي الجمالي الذي يطير به إلى الوجدان.

إذا الجمالي في الشعر هو الروح التي تمنح الحياة للعقلي.

وعلينا أن لا ننس بأن الخيال هو ظهور للعقل، العقل يظهر بقوة خياله، فالعقل لا يستعير الخيال من خارجه لأنه هو ذاته ينطوي على قوة تخيله.

وعلينا أن نتذكر بأن كانط ينظر إلى العبقرية بوصفها موهبة ولا انفصال بين هذه الموهبة وبين قوة الخيال. ولهذا لا يمكن للإنسان أن يتعلم العبقرية، العبقرية بوصفها تنتمي إلى الطبيعة كما يقول كانط. بل الفنون الجميلة هي فنون للعبقرية وحدها. والعبقرية إذ تنتج الجميل فإنها لا تنتجه وفق قواعد لإنتاج الجميل بل إن العبقرية تعطي القاعدة للفن.

ولهذا يخلص كانت إلى القول “إن الفن الجميل لا يكون ممكنا إلا بوصفه نتاجا للعبقرية”.

لهذا فكما أن الإنسان لا يستطيع أن يتعلم كيف يكون عبقريا فإنه لا يستطيع أن يتعلم كيف يكون شاعرا أو روائيا أو فنانا. يمكنه أن يعرف القواعد التي أنتجتها عبقرية المبدع لكنه لن ينتقل من المعرفة هذه إلى الإبداع.

العبقرية عند كانط تقف على النقيض من التقليد، والتعليم هو التقليد أصلا. وليس هذا ذما للتعليم بل وضع الحدود بين التعلم والعبقرية التي تحتاج بدورها إلى التعلم.

وهنا تستحضرني جملة قالها عبدالقادر الجزائري في كتابه “تذكرة العاقل وتنبيه الغافل”، “إن دابة تقلد خير من إنسان يقلد”.

إني لأتساءل من وحي ما سبق: كم من النصوص التي تنطوي على الروح التي تمنح الذهن الحياة؟ هل يمكن للذوق أن يكون دائما معيارا للحكم على الجميل؟ هل الذوق قادر دائما على اكتشاف الحياة في الأثر الفني والأدبي؟

إذا رجعنا إلى كانط نفسه الذي يقول “الذوق حكم فيما المبدع عبقري” فإن الذوق لا يندرج في سمات العبقرية، لكن الذوق قادر على الإحساس بخلو النص من الروح.

بقي أن نقول إن الجميل قد يكون نصا عن القبيح يكون فيه العقل قادرا على التقاط روح الجميل فيه، لكن تمجيد القبح حالة لا يستطيع فيه الذوق أن يرى فيه الجميل. وأضيف إلى هذا قائلا: إن تمجيد القبح لا يحتاج أبدا إلى عبقرية، فالتمجيد غير الوصف، بل ممجد القبح هو أقرب إلى حال الأحمق. فكيف إذا مجّد شاعر الشر الذي أودى بأرواح البشر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

14