روح الإبداع

الأحد 2015/11/01

كانت صدفة مدهشة بغرابتها أنني كنت بجوار شاعرة فرنسية في القطار الذاهب من باريس إلى فيشي، من بين مئات المسافرين جلسنا صدفة متجاورتين، وتبادلنا الأحاديث عن الحرية التي يتمتع بها الغرباء، وعرفت أنها شاعرة معروفة لها أربعة دواوين شعرية آخرها بعنوان “الزهايمر” لأن أمها عانت كثيرا من هذا المرض حتى وفاتها.

وقفزت إلى ذهني للتو الصديقة الشاعرة المبدعة التي تسكن في اللاذقية هنادي زرقة التي تعاني والدتها من الزهايمر وقد أصدرت هنادي ديوانا بعنوان “الزهايمر” تصف فيه معاناتها ومعاناة أمها مع هذا المرض المذل، حيث يفقد المصاب به ذاكرته وبالتالي شخصيته وينسى أقرب المقربين له حتى أولاده.

الشاعرة الفرنسية اسمها إليزابيت لوناي دولي، وأسعدها أنها التقت كاتبة سورية، وكم كانت مهتمة بالمأساة السورية إلى درجة أنها بكت تأثرا خاصة على أطفال سوريا، لم ينقطع الحديث بيننا طوال ثلاث ساعات، حديث ليس مجرد كلام بل حديث روح لروح وفكر لفكر وقلب لقلب، وقبل أن أحكي لها عن الغالية هنادي زرقة والديوان الذي أصدرته بنفس العنوان “الزهايمر” والذي قرأته وأعجبني جدا، للنفحة الإنسانية العالية فيه وللموهبة التي تطوع الكلمات وتجعلها تتغلغل في صميم الوجدان، وترتقي بالإحساس، طلبت من إليزابيت، إن لم يكن لديها مانع، أن تقرأ لي مقاطع من ديوانها الزهايمر، وبكل سرور استجابت لطلبي وفتحت الآيباد وبدأت تقرأ لي مقاطع بديعة من معاناة أمها ومعاناتها مع مرض الزهايمر، لم أكن أسمعها بل كنت أسمع شعر هنادي زرقة، وهزت جسدي رعشة، كما لو أن الوجود يكشف لي سرا من أسراره، وابتلعت دموعي تأثرا – ربما من المفاجأة وتلك الصدفة الغريبة– وكانت هنادي حاضرة بقوة حتى أنني شعرت أنني أسمع صوتها ورجاءها لي أن أعذرها عن زيارتي لأنها متفرغة بالكامل للعناية بأمها، وعكس خيالي دفقا من الصور كأن يتم اللقاء بين إليزابيت وهنادي، ترى كيف سيكون شعور كل منهما وهما تدركان أنهما عاشتا نفس المعاناة مع مرض والدتيهما بالزهايمر. كانت الروح واحدة، إلى درجة أن عبارات تكاد تكون متطابقة تكررت في الديوانين ( لا أزال أذكر جيدا ديوان هنادي زرقة).

وللوهلة الأولى سكنتني الدهشة وتلك الصدفة الغريبة، وتساءلت ما الذي يجمع شاعرة فرنسية بشاعرة سورية وتكتبان ديوانا يكاد يكون واحدا عن مرض الزهايمر، وبالإبداع العالي نفسه والمشاعر المتألمة والمكابرة نفسها؟! ثم بدأت دهشتي تتقلص ويحل مكانها يقين بأن الروح الإبداعية هي ذاتها عند الموهوبين مهما كانت جنسيتهم وانتماءاتهم، ولو أن هذه الصدفة حدثت في عالمنا العربي بين مبدعين عربيين لقامت الدنيا ولم تقعد وكل منهما يتهم الآخر بأنه سرق له ديوانه. بعد أن استمعت مطولا لشعر الشاعرة الفرنسية إليزابيت لوناري حدثتها عن صديقتي هنادي زرقة الشاعرة المبدعة وحكيت لها عن ديوانها الذي يحمل المعاناة ذاتها والعنوان ذاته، فتأثرت كثيرا وتلعثمت في الكلام ثم قالت لي: أتمنى لو تجمعنا ندوة مشتركة أنا وصديقتك الشاعرة وأن نقرأ مقاطع من ديوانينا الزهايمر، أطرقت متألمة ولم أستطع أن أقول لها أن حصول السوري على فيزا صار ضربا من المستحيل، وبأنني –وكثير من الكتاب السوريين– لا نستطيع أن نشارك في نشاطات ثقافية في دول الخليج أو في أوروبا وأميركا بسبب الحظر علينا للحصول على الفيزا.

ترى من يهتم أو يبالي بهكذا صدفة أو ظاهرة أن توجد مبدعة تعيش في باريس تتمتع بالروح الإبداعية ذاتها لمبدعة سورية تعيش في قرية قرب اللاذقية تعتني طوال الوقت بأمها المصابة بالزهايمر! ألا تستحق الشاعرتين أن تلتقيا وأن تقرآ شعريهما على جمهور سوف يرى بما يشبه الإثبات أن الروح الإبداعية واحدة مهما اختلفت الظروف، وأن المبدعين هم السفراء الحقيقيون لبلدانهم وهم الذين يزيلون الحواجز ويرتقون بمشاعر الناس ويقربونهم من بعضهم.

يا ليت الأدباء والفنانين يكونون السفراء الحقيقيين لبلدانهم بدل أصحاب ربطات العنق المُلمعة والذين لا يحكون إلا في السياسة ويزيدون الشرخ بين الناس عن طريق الاصطفافات الطائفية.

وأخيرا أحب أن أذكر تلك الحادثة التي أعتقد أنها تعطي الدلالة ذاتها على أن يكون المبدعين السفراء الحقيقيين لبلدانهم، فحين شاركت في المؤتمر العالمي للكتابة في أميركا حيث تقوم وزارة الثقافة الأميركية بدعوة حوالي ثلاثين كاتبا من كل أنحاء العالم، تعرفت على كاتب من جنوب أفريقيا وحزنت أنه لم يعرف أين تقع سوريا ولا يعرف شيئا عنها وبدوري لم أعرف أي بلد يسكن في جنوب أفريقيا حتى قال صدفة إنه يسكن مدينة اسمها كاب تاون، وأطلقت صرخة فرح وأنا أقول له إنها مدينة كويتزي الحاصل على نوبل، وكما لو أن جدارا انهار بيننا، إذ أحسست أن كويتزي قام بتعارفنا، وتدفق الحديث بيننا بعد ذكر اسم كويتزي.

ترى من يتذكر اسم الحاكم أو الإمبراطور في زمن دوستويفسكي؟! لا أحد كما أفترض، لكن العالم كله يعرف دوستويفسكي. الأدب هو الذي يخلد حياة الشعوب وهو أصدق من يعبر عنها وليس السياسيون. ثم التقيت بكاتب صيني وحين عرف أنني عربية قال لي، كما لو أنه يقول كلمة السر: نجيب محفوظ. وقال إنه قرأ عدة أعمال لمحفوظ مترجمة إلى اللغة الصينية، كم فرحت وأحسست بالفخر وكأن الحواجز انهارت بيني وبين زميلي المبدع الصيني.

أخيرا أتمنى –وأنا بكامل قواي العقلية– أن يتسلم الأدباء قيادة العالم. لأنهم السفراء الحقيقيون لشعوبهم وهم أصدق من يعبر عن آلام الإنسان وطموحاته.

21