روح العمارة الأندلسية تسكن جدران غرناطة في وجه تغيرات الأزمنة

مضت على سقوط غرناطة 523 سنة، آخر الممالك الإسلامية في الأندلس، ومع أنّ الأسبان بنوا مدينة حديثة بجوارها، فإنّ أحياءها القديمة ما زالت تحافظ على عظمة ما تبقى من آثارها وفخامة عمارتها ودروبها الضيّقة ورونق شرفاتها الأندلسية التي تسلب العقول.
الأربعاء 2015/05/06
العرب سلموا مفاتيح غرناطة، لكن معمارها الفريد صمد أمام غوائل الدهر

لم تفقد عمارة غرناطة الأندلسية بريقها بعد سقوط آخر مملكة إسلامية حكمها العرب جنوب شرق أوروبا، ولا تزال مزهرة مثل حبات الرمّان التي اتخذت منها اسمها. فعلى الباب الرئيسي لقصر الحمراء الشهير ترتسم “الرمانة” شعارا تاريخيا لهذه المدينة الخلاّبة.

يعتبر حي البيازين من أكبر أحياء “غرناطة”، وهو أكثر أحيائها احتفاظا بطابعه الأندلسي، كما أنه ما زال محتفظا بسائر خططه ودروبه الأندلسية الضيقة، ولم يطرأ عليه سوى تحويل ضئيل.

ويقع حي البيازين في شمال شرقي غرناطة تجاه هضبة الحمراء، ويفصله عنها نهر حددة، ويمتدّ صاعده على سفح التلال حتى أسوار المدينة القديمة، وشوارعه ضيقة متقاطعة، وما زال كثير من منازله محتفظا بطرازه الأندلسي.

وتتميّز بيوت الحي التاريخي بأفنيتها الداخلية ونوافذها ذات الطراز العربي المطلة عليها، ويوجد بالحي حمّام كبير على الطراز العثماني، ومنزل أندلسي ما زال يحتفظ بنوافذه ونعوشه وزخارفه العربية كاملة، نقشت على مشارفه عبارة “الحمد لله على نعمة الإسلام”، وهو اليوم مركز لأحد مراكز الشرطة.

وتقع “الكاتدرائية” على مقربة من ميدان باب الرملة والقيسرية، وقد بنيت فوق موقع جامع غرناطة طبقا لسياسة الأسبان آنذاك القاضية بتحويل المسجد الجامع في كل مدينة أندلسية إلى كاتدرائية أو كنيسة.

1802 تاريخ نسف جيوش بونابرت برجين من أبراج قصر الحمراء عند انسحابها من غرناطة

بنيت الكاتدرائية في عهد الإمبراطور شارلكان، خلال عام 1529، تخليدا لذكرى الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا فاتحي غرناطة، وفيها هيكل به تماثيل صغيرة للرسل، وعلى جانبي الهيكل صور بارزة تعود إلى القرن السادس عشر، ظهرت في إحداها صور نساء موريسكيات يرتدين أثوابا طويلة، والقس يباركهن بالماء المقدس، وأخرى لامرأة ترتدي ملابس عربية.

كما توجد صورتان أخريان إحداهما لأبي عبدالله، آخر ملوك الأندلس، سائرا ومن ورائه فرسه، ومعه مفاتيح الحمراء ليسلّمها إلى الملك فرديناند، والصورة الأخرى لملكي قشتالة فرديناند وإيزابيلا ومن ورائهما الفرسان.

ويعد “قصر الحمراء” درّة الآثار الأندلسية الفريدة، ثمّ حرّف الأسبان اسمه، فأصبح يعرف في العالم الغربي باسم “الهمبرا”، وتعرّض هذا القصر للتشويه على مدى قرون، فبعد خروج أبي عبدالله آخر ملوك غرناطة، حاملا معه رفات أجداده، اتخذ ملوك أسبانيا القصر مقرّا لهم، لكن كان من الصعب عليهم العيش في ظلال العمارة الإسلامية بما فيها من زخارف وآيات قرآنية، وهو ما دفعهم إلى تحويل أجزاء منه إلى كنائس، فضلا عن محو الزخارف الإسلامية الموجودة على الجدران واستبدالها بأخرى إيطالية.

وعندما انتقلت عاصمة الأسبان إلى مدريد تحوّل قصر الحمراء إلى ثكنة عسكرية للجنود يمارسون فيه ما تراءى لهم من تدمير. وخلّف ذلك انفجار مخزن للبارود أشعل في القصر حريقا ضخما، ليتحوّل القصر بعد ذلك إلى مأوى للصوص وقطَّاع الطرق.

الزخارف الإسلامية بقصر الحمراء عوضت بأخرى إيطالية

وعندما جاء الاحتلال الفرنسي مع جيوش نابليون بونابرت عام 1802، اتخذه الفرنسيون حامية لهم، ورغم اعتنائهم بالقصر، إلا أنهم عند انسحابهم من غرناطة نسفوا برجين من أبراجه.

لم يكن قصر الحمراء سوى جزء صغير فقط من مدينة الحمراء، أو كما تسميها الرواية الإسلامية “قصبة الحمراء”، التي أنشأها الخليفة الأموي عبدالرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر في أواسط القرن الرابع الهجري.

وتقع مدينة الحمراء فوق هضبة مرتفعة، يحيط بها سور ضخم بقيت منه أجزاء كبرى، ويتخلل السور عدة أبراج وأبواب لا يزال معظمها قائما بشموخ إلى اليوم، وأهم أبراجه الباقية هو “برج الحراسة” و“برج قمارش” و“برج المتزين” و“برج العقائل” و“برج الآكام”، و“برج الأسيرة” و“برج الأميرات” و“برج الماء”، أما أهم أبواب الحمراء الباقية فهي “باب الغندور” و“باب الطباق السبع” و“باب الشريعة” و“باب السلاح” و“باب النبيذ”.

ويعدّ قصر الحمراء أعظم الآثار الأندلسية التي أبقت عليها حوادث الزمن، إذ لا يزال محافظا على سقوفه ذات الزخارف البديعة وأعمدته الأثرية في أبهى صورها، وقد أطلق الأسبان عليه اسم “القصر العربي”.

ويقول أحمد منصور، أستاذ التاريخ الإسلامي، منذ أن هرب عبدالرحمن الداخل، الملقب بصقر قريش، من سيوف العباسيين وكوّن جيشا قويا غزا به بلاد الأندلس، يمكن أن نقول إنّه كانت تلك بداية العصر الإسلامي الذهبي، ولكن قصة سقوط الأندلس بدأت عندما اضطرّ المسلمون للرحيل من مدينة غرناطة، بعد أن قام الأسبان بتدمير كل ما يمتّ للإسلام بصلة.

سور مدينة الحمراء لا يزال محافظا على معظم أبراجه مثل برج قمارش والمتزين والعقائل والأسيرة والأميرات

يذكر أنّه صدرت آنذاك أوامر السلطات الأسبانية بمنع اللغة العربية، وبفتح بيوت المورسيكيين الذين تحوّلوا من الإسلام إلى النصرانية على مصراعيها في أيام الجمع والأعياد، حتى يستطيع مفتشو المحاكم من القساوسة الدخول في أيّ وقت، لمعرفة إن كانوا يقومون بأيّ طقوس دينية غير نصرانية.

كما صدرت الأوامر بمنع الاستحمام في الحمامات العامة، وهدم ما كان موجود منها، وخرج المسلمون من الأندلس لتصبح بمثابة الفردوس الضائع، ولكن غرناطة ما زالت تحافظ على العديد من معالمها الإسلامية، وما زالت آثار عبدالرحمن الداخل تتنفّس بإنجازاته.

يذكر أنّ غرناطة سقطت على أيدي فرديناند ملك أراجوان وإيزابيلا ملكة قشتالة، في 2 يناير عام 1492 للميلاد، وذلك بعد أن ظلت تقاوم لوحدها قرابة مئة عام، ونتيجة لعدم قدرة عبدالله الأحمر، آخر أمراء بني الأحمر، على مواجهة حركة المد المسيحي الأسباني، لا سيما أنه كان حليفهم. ورغم الصراعات الداخلية فقد حاول أهل غرناطة المقاومة بعد أن طال انتظارهم نجدة لم تصل أبدا من العرب والعثمانيين والمماليك، فاضطروا إلى إلقاء السلاح حين قام عبدالله الأحمر بتسليم مفاتيح المدينة لفرديناند وإيزابيلا فوق سفح جبل الريحان.

20