روح الفيزياء

الخميس 2014/01/16

أخذني بعيدا للوراء حوارا، ثم ركض بي للحاضر قصصا، ثم لوّح للمستقبل بحكاية الفيزياء كما لم أعرفها من قبل، لذلك أنا ممنونة له، فلولاه لما كتبت مقالاتي هذه، التي كتب لي عنها أحدهم: “منذ زمن لم أقرأ مقالات مشوّقة، وبهذه الجاذبية والثراء؛ أسلوب جديد في الكتابة السياسية”، لذلك حين رأيت “شعدون” اليوم، شكرته قبل أن أحييه، وكنت على وشك تقبيله، باعتبار أنه نحاسي لا يحرم عليّ لمسه، كما لا يحرم عليّ مجالسته دون محرم!

جلس قبالتي، مبتدئا حديثه السحري: لقد تآكلت منظومة نيوتن الفيزيائية للأجسام المتحركة، التي دامت لأكثر من 200 عام، لما ظهرت قوانين جديدة للفيزياء، وتنحّت جانبا خلال القرن العشرين، حين وضع أينشتاين قوانين النسبية عام 1905، التي همشت قانون نيوتن للأرقام المطلقة في الزمان والمكان، وانتهت بنظرية الفوضى التي قضت على أحلام “النيوتنيين” بالتوقع أو التنبؤ بما سيحصل لاحقا، وكان بينهما نظرية الكوانتوم quantum theory أو الكمّ التي قضت على أحلامهم لعمليات القياس المسيطر عليها.

تدخلتُ: الكمّ هو أقل مقدار من الطاقة يمكن أن يوجد مستقلا، صحيح!

أومأ بنعم، وتابع: وكما أن للقوانين الكلاسيكية حيزا في الفيزياء السياسية وتفسيرها لثورات الربيع العربي، فإن لقوانين الفيزياء الجديدة نفس المفعول أيضا؛ وسأبدأ بالنسبية، التي غيّرت الكثير من المفاهيم الأساسية في الفيزياء، كالمكان، والزمان والكتلة والطاقة، حين نصّت أن حركة الأجسام نسبية بالنسبة لهذه المفاهيم، وأودّ أن أنوّه أن الإنسان -والمجتمعات البشرية- ليس إلا كتلة من الطاقة تتحرّك عبر الزمان والمكان.

لذلك تنطبق عناصر النسبية الثلاثة الأولى -نسبية الفاصل الزمني بين أيّ حدثين، ونسبية التزامن، ونسبية القياس- على ثورات الربيع العربي، أما العنصر الرابع أي نسبية الزمن، فهو لفضاء آخر غير فضائنا.

قفزت قائلة: دعني أشرح التداخل بينها! ولما أشار بحركة من يديه تعني تفضلي، تابعت: أولا، لم تبدأ ثورات الربيع العربي في آن واحد، فلقد امتدت بداياتها من ديسمبر 2010 حتى مارس 2011، وحدوثها لم يشمل جميع مدن ومقاطعات الدولة في آن واحد، لكنها تتابعت وفقا لانسياب الأحداث بكل دولة، وهذا ينطبق على التزامن النسبي أيضا. أما نسبية القياس فتكمن في أنه لا يمكن أن تقاس هذه الثورات على كل الدول العربية، لذلك فهي لم تعمّها جميعا، وحتى أنها لا يمكن أن تقاس على كل دول الربيع العربي، فهي لم تنجح في إقصاء جميع رؤساء تلك الدول، فها هو الأسد مازال قائما، وانتهت بحرب عصابات وحرب أهلية في سوريا، وصارت دموية في ليبيا ومصر، وأخيرا هي لم تنجح في كل الدول العربية، فرغم الثوران المستمر للشيعة في البحرين إلا أن ثورتهم لم تسفر عن شيء، غير التشديد على مظاهراتهم، التي صارت تعتبر غير قانونية وفقا للحكومة البحرينية.

غيّر من جلسته، وقال: قبل انتهاء الثلث الأول من القرن العشرين جاء ماكس بلانك وآخرون بنظرية الكوانتوم، وما يميّز هذه النظرية عن قوانين نيوتن أنها تحسب المقادير الذرية، وحركة الإلكترونات، ولا تعطي تنبؤا دقيقا بالنتائج، إنما تكتفي بإعطاء مجموعة مختلفة من النتائج الممكنة، فهي ذات طبيعة احتمالية، وبذلك قضت على قانون نيوتن بالنسبة للسيطرة على العمليات الحسابية.

تدخلت قائلة: طبيعة البشر طبيعة احتمالية أيضا، لذلك نجح الغرب في وضع كل الاحتمالات الممكنة لإشعال الشارع العربي ليس ضدّ حكامه فقط، لكن ضدّ بعضه البعض، وليس بين الشعب الواحد لكل دولة من دول الربيع العربي فقط، لكن بينها وبين الشعوب الأخرى، وفي كل الأحوال الحسابات الغربية لم تنجح في تخمين خسائرها هي، فمثلا نتيجة لسقوط القذافي انكشفت السواحل الجنوبية للبحر المتوسط، فانتعشت الهجرة غير الشرعية منه إلى سواحله الشمالية (أوروبا)، وما يقلقني هو الكوارث الإنسانية التي حصلت نتيجة هذا، ربما لهذا السبب هم اليوم ليّنون مع بشار، فلو سقط بشار تسقط سوريا في يد المتطرفين الإسلاميين.

قال وهو ينظر إليّ نظرة الأستاذ: بعد منتصف القرن العشرين ظهرت نظرية الشواش (الفوضى)، وهي ثالث أعظم ثورة في علم الفيزياء، والشواش إحدى تطبيقات الرياضيات في عدد من العلوم كالمناخ، والفيزياء، والهندسة والاقتصاد، والأحياء، وتدرس النظام الحركي Dynamical system، في بدايته، أي حساسية الظروف المنتجة للنظام الحركي، فمهما كان صغر حجمها فإن تأثيرها بالنتيجة كبير جدا، وهو ما عرف لاحقا بتأثير الفراشة. وقد قضت هذه النظرية على آخر قوانين نيوتن الكلاسيكية، وهو قانونه للتنبؤ، فواحد زائد واحد لا يساوي اثنين دائما، فقد يساوي صفرا وواحدا كما في المصفوفات! وبذلك قضت على ما تبقى من القوانين الكلاسيكية للفيزياء.

قلت: لكن القوانين الكلاسيكية للفيزياء مازالت قائمة!

فأجاب: بفهمنا قوانين الطبيعة (الفيزياء) الكلاسيكية والحديثة، يمكننا حساب سلوك أيّ نظام في الكون، حتى الأنظمة الاجتماعية والسياسية، وهذه “روح الفيزياء”.

16