روح ستيفن هوكينغ ترفرف على خشبة المسرح في القاهرة

"هل هذا هو المكان؟" مونولوج يقلب مفاهيمنا حول العالم رأسا على عقب حيث يقدم طرحا مغايرا يتعلق بالنسبية وبالإشعاعات التي تحتملها "الثقوب السوداء" بالفضاء.
الجمعة 2018/03/16
العشق ضوء خالد في الظلام كإشعاعات ستيفن هوكينغ

القاهرة – ضمن فعاليات “مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة” بالقاهرة جاء العرض المسرحي الفرنسي “هل هذا هو المكان؟” ليرسم بفنيات عالية حضوره الأول في بلد عربي ضمن فعاليات هذا الكرنفال الدولي الكبير المستمر إلى 29 مارس الجاري.

كانت صدفة غريبة أن ينعقد العرض الفرنسي “هل هذا هو المكان؟” فكرة وتمثيل وإخراج كليمنتين بايير، على مسرح الفلكي بوسط القاهرة في 14 مارس الحالي، بالتزامن مع رحيل الفيزيائي البريطاني ذائع الصيت ستيفن هوكينغ في اليوم ذاته.

يشترك كل من العرض الفني التجريبي والعالم الثائر على الثوابت هوكينغ في تقديم طرح مغاير يتعلق بالنسبية وبتلك الإشعاعات التي تحتملها “الثقوب السوداء” بالفضاء، فضلا عن العلاقة الرياضية والفلسفية الخاصة بين المكان والزمان.

معاني الضوء

يقترح العرض من خلال “مونولوج” يستمر خمسين دقيقة تجربة إنسانية شفيفة تشعلها مشاعر الفقد بما يفسح المجال للغوص الداخلي والتأمل الفلسفي والكوني واكتشاف الأضواء الكامنة في سواد الأحزان وبحور الآلام وصندوق الذات المغلق، ويثير تساؤلات عميقة حول معنى الحياة ومفهوم الإدراك لما يتلمسه البشر، وما إن كان واقعا أو وهما.

 

أصبحت مصر تتنفس برئتيها المتعطشتين للفنون والثقافات كل جديد يقدمه العالم من خلال تلك المهرجانات الدولية التي تحمل الوهج واللا نمطية والتقنيات المتطورة والروح التفاعلية إلى القاهرة، ومنها 'مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة' المقام حاليا بجهود أهلية بعيدا عن المؤسسة الرسمية بمشاركة أكثر من عشرين دولة عربية وأجنبية

تبدو الخطوط الذهنية الأساسية التي يدور فيها هذا العمل الفني غير بعيدة الصلة عن أطروحات رياضية وفيزيائية وفلسفية قدّمها علماء نابهون، منها “النسبية العامة” لألبرت أينشتاين (1879 - 1955)، و”الثقوب السوداء” لستيفن هوكينغ (1942-2018)، خصوصا ما يتعلق بانبعاث الإشعاعات من الثقوب السوداء، بما يعني أنها ليست سوداء تماما، وقوانين الجذب في الزمكان.

ويعرّف “الثقب الأسود” بأنه منطقة في الفضاء ذات كثافة مهولة تحوي كتلة بالغة الكبر، تصل الجاذبية فيها إلى درجة أن الضوء لا يستطيع الإفلات منها. وتزداد كثافة الثقب الأسود نتيجة تداخل جسيمات ذراته فتصبح قوة جاذبيته قادرة على ابتلاع أي جسم يمر بالقرب منه مهما بلغت سرعته.

وللعالم هوكينغ إسهامات ملموسة في الفيزياء النظرية، أشهرها ما يتصل بالثقوب السوداء وتطوير نسبية أينشتاين، ومحاولة إثبات أن المكان والزمان يبدآن بالانفجار الكبير وينتهيان في “الثقوب السوداء”، التي هي ليست سوداء تماما، إنما تنبعث منها إشعاعات، ومن المرجح أن تتبخر وتختفي في النهاية.

ينطلق العرض المسرحي الفرنسي “هل هذا هو المكان؟” من تيمة إنسانية بسيطة هي “فقدان الأحبة”، وتستعرض امرأة شابة من خلال “مونولوج” حركي مصحوب بخلفيات موسيقية هادئة مؤثرة لأكسندر ماير وأضواء هامسة لفيليب جلاديو، تجربتها الشخصية في فقدان حبيب لها، صارت مع الوقت تتشكك في وجوده أصلا.

وتمتزج ذكريات المرأة عن حبيبها مع رحلة بحثها المضنية عنه في كل مطارات العالم وفي كل مكان يثار فيه السؤال المحوري “هل هذا هو المكان الصحيح؟ هل هذا هو الزمان؟”، ويظل الحبيب حيا في مخيلتها، وهنا يتسع المونولوج لمستويات أعمق من الوعي بالذات والآخر، وإثارة إشكاليات حول غياب الكتلة وحضور الطاقة، وإشراق الروح بعد زوال الجسد.

هل تحيا البطلة الوهم أم الحقيقة؟ وهل الواقع هو أن الحبيب كان هنا ومضى أم أن الخيال يصنع حياة افتراضية يحياها الجميع بما فيهم الموت نفسه؟ إنه غاب كما لو كان ابتلعه “الثقب الأسود”، لكن تنتهي المسرحية بظهور جسم يلمع ويشتعل بخفة في قلب السواد الدامس، فكأن العشق قادر على إضاءة ذرات وخلايا إنسانية خالدة كإشعاعات ستيفن هوكينغ التي تنبعث من قلب الظلام.

المكان والزمان

يضع النص الرقم 62 كرمز للثبات والاسقرار النسبي المحدود في هذا الوجود، وهو الرقم الذي يحيل إلى مقبرة الحبيب تارة، وإلى ممر الطائرات الذي غاص فيه الحبيب قبل رحيله الأخير تارة أخرى، وفي الحالتين لا يبدو الغياب نهائيا، إذ تتساءل بطلة العرض “هل هذه لحظة بداية الموضوع في رأسي فقط أم لحظة بدايته فعلا؟”.

الصدفة تجمع انطلاق العرض التجريبي ورحيل العالم ستيفن هوكينغ وكلاهما يبحر في الزمكان ويتناول الانهيارات الكبرى

كل ما في العرض يحيل إلى الاحتمالية والنسبية، فالحبيب الغائب مستمر في مجال رؤية الحبيبة، وكان في أثناء حضوره غير ثابت المعالم والصفات، إلى الدرجة التي تجعلها غير متيقنة من وجوده أصلا، وما إذا كان رجل أعمال ناجحا ثريا يلعب بالدولارات أم اقتصاديا أم مستشارا قانونيا أم محاميا أم نصابا مفلسا يسطو على الحسابات البنكية للمودعين؟

كذلك تتشكك في المكان الذي التقته فيه، والذي يعيش به، فهل يقيم في فرنسا أم الولايات المتحدة؟ وهل رحل إلى مقبرة أم صعد درج طائرة أم راح يتحسس طريقه في الأدغال كإنسان بدائي؟

وتقدم بطلة العرض عذابات تلك الحيرة بلهجات ولغات متعددة يتسع لها الأداء الفردي إلى جوار الفرنسية، منها الإنكليزية والعربية، فضلا عن الصيحات والأصوات غير المفهومة ذات التعبير الإيحائي والتي تزيدها تأثيرا الموسيقى والإيقاعات والطبول المصاحبة.

وتسهب بطلة العرض من خلال المونولوج الثري في توليد وتحليل معان ومفاهيم مختلفة لكل شيء، كعدم تحلل الجثة في المقبرة مثلا لاحتفاظها بساعة ثمينة لا تزال تقدّر حسابات الزمن، وقوة الجذب، في الفضاء وفي العشق، تضاف أيضا قوة السحر من أجل تجاوز الآلام العميقة الناجمة عن الفقد.

وتأتي عبارة “لو لم أكن قد تكلمت مع حبيبي في الماضي، لكان الآن موجودا” لتفسر موقف المسرحية مما هو قدري مثله مثل ما هو ثابت، حيث أنه بالإمكان دائما تغيير مسار التحركات المصيرية باختلاف الفعل الإنساني”.

هل هذا هو المكان؟ عرض خصب يثير استفهاما ليس فقط عن المكان، إنما عن الكينونة عموما، وجوهر العلاقات وماهية الموجودات.

14