"رودان وبيكاسو".. نظرات متقاطعة بين عملاقي النحت والرسم

المتحف الوطني “بيكاسو باريس” و”متحف رودان” يقدمان معرض فني مشترك لكل من أوغست رودان وبابلو بيكاسو.
الاثنين 2021/07/12
شبه كبير في التمثلات البصرية بين بيكاسو ورودان

الحدث الفني بعد عودة النشاط الثقافي في فرنسا يتمثل في معرض مزدوج عنوانه “رودان - بيكاسو”، ويقام حتى نهاية العام في المتحفين الباريسيين الخاصين بهما لتسليط الضوء على النقاط التي تجمعهما دون أن يلتقي أحدهما بالآخر.

لأوّل مرة يلتقي المتحف الوطني “بيكاسو باريس” و”متحف رودان” لتقديم عرض مشترك حول فنانَين عبقريين هما أوغست رودان (1840 - 1917) وبابلو بيكاسو (1881 - 1973) اللذان طوّرا بشكل جذري قوانين التمثيل الفني نحتا ورسما في عصرهما، ومهّدا الطريق، كلّ في مجاله، للحداثة.

فأوغست رودان أحدث قطيعة مع المدرسة الطبيعية، ونأى بنفسه عن المواضيع التاريخية والميثولوجية التي كانت رائجة حتى نهاية القرن التاسع عشر، ليوجّه اهتمامه إلى بنية الجسد البشري في توتره ورغباته وآلامه، ويخلق لغة تعبيرية جديدة.

كذلك بابلو بيكاسو، فقد كانت له مسيرة مماثلة، حيث انخرط في التكعيبية رفقة صديقه جورج براك، وأبدع لوحة “آنسات أفينيون” التي عدّها بعض النقاد أول لوحة تكعيبية. هو أيضا كانت له علاقة جديدة بالواقع، بعيدة عن القواعد الأكاديمية للرسم الفني.

لم يتردّد كلاهما في دمج مختلف العناصر الطبيعية، فجدّدا بذلك أفق التمثيل، وتخلصا من المعايير الجاري بها العمل، كي يبلغا فنا أبديّا غير محدّد بزمن.

رودان وبيكاسو رغم أنهما ليسا من نفس الجيل، يلتقيان من جهة العلاقة بالطبيعة والإيروسية ورؤية المصير الإنساني

في الدائرة الثالثة من عاصمة الأنوار، حيث جُعل فندق سالي، وهو فندق خاص ذو هندسة معمارية باروكية يرجع عهده إلى القرن السابع عشر، متحفا يضمّ نحو خمسة آلاف عمل من أعمال الفنان الإسباني، وقع التركيز على مسار الخلق لدى الفنانَين، أي المرسم (ضاحية مودون بالنسبة إلى رودان، وقصر بواجلو بمقاطعة لور بالنسبة إلى بيكاسو) بوصفه مختبرا للأفكار والآثار التي هي بصدد التشكل، حيث يولي كلا الفنانَين أهمية للإعداد والتحسّس والتجريب أكثر ممّا يوليانها للإنجاز.

في باحة الفندق تستقبل الزائر منحوتة رودان “بورجوازيو كالي” التي تقف في مواجهة لوحة بيكاسو “السباحون” كدليل على الشبه الكبير بينهما. وفي إحدى القاعات لوحة منجّدة ضخمة هي نسخة من “غيرنيكا” أنجزتها جاكلين دو لابوم بطلب من بيكاسو نفسه، وقد وضعت في مواجهة “باب الجحيم” لرودان، كتصوّرين مختلفين للمصير الإنساني، لا يجمعهما غير مضمون الرسالة التي يحملانها.

وكذلك منحوتة “القبلة” لرودان، وما يقابلها عند بيكاسو، بطريقته الفظة، أو لوحة “المستحمّة” التي تذكّر في وضعيتها بـ”مفكّر” رودان، فهي تمثل امرأة جالسة وذقنها بين يديها، وامتداد الماء وراءها هو الذي يدلّ على أنها كانت تستحم. ولو أنها في شكلها الخشن تبدو أقرب إلى المنحوتات الأفريقية.

أما في متحف رودان، الذي أقيم في فندق بيرون بالدائرة السابعة (وهو أيضا فندق باروكي الهندسة من القرن السابع عشر) حيث استقر رودان منذ عام 1908، فيكتشف الزائر مسارا مركزا على التمثل من خلال وسائل التعبير الجديدة، وتعكس في مجملها مشاعر الحب والعنف والنزوات التي تسكن البشر، حيث منحوتات تبيّن ولع رودان بجسد المرأة إلى جانب دراسة دقيقة عن الجسد وحركاته، وقراءة جديدة لبعض الأساطير. وقد وُضع أغلبها إلى جانب أعمال لبيكاسو يعتقد المنظمون أنه تأثّر فيها بالنحّات الشهير.

لا جدال أن الفنانين من رواد التحديث الفني، وقد تخلصا، كل في مجاله، من المعايير القائمة ومن القواعد الأكاديمية، ولكن أعمالهما في عمومها لا تتشابه كثيرا، وإن وجدت نقاط التقاء بينهما، فمن جهة العلاقة بالطبيعة والإيروسية ورؤية المصير الإنساني، رغم أن الفنانين ليسا من نفس المدرسة ولا من نفس الجيل.

لوحة “المستحمّة” لبيكاسو تذكّر في وضعيتها بـ”مفكّر” رودان
لوحة “المستحمّة” لبيكاسو تذكّر في وضعيتها بـ”مفكّر” رودان

ففي مجال النحت، لا يمكن لبيكاسو، برغم نبوغه ومهارته، أن ينافس رودان، وحسبنا أن نقارن “صاحب الخروف” التي أنجزها بيكاسو عام 1943 بـ”القديس جان باتيست” التي أبدعها رودان عام 1888، لنتبيّن ما يميّز فنانا يصرف كل جهده وفكره للنحت، عمّن يلهو بالنحت ويجعله وسيلة للتجريب. فمنحوتة بيكاسو التي استوحاها من مشخّصة يرجع عهدها إلى القرن الثامن عشر هي تعبيرية مباشرة، وصلبة خشنة ولكن دون توترات حقيقية.

أما رودان، فإنه يتصرّف رغم واقعيته الظاهرة على نحو يأخذ المتلقي إلى صميم العمل النحتي. وكان يقول إن الحركة هي انتقال من وضع إلى وضع، وما يخلق الحركةَ صورة تكون فيها الذراعان والساقان والجذع والرأس ملتقطة على انفراد في لحظة أخرى، وبذلك يتبدّى الجسد في وضعية لم يتّخذها في أيّ لحظة.

ولذلك كان رودان ينحت بين توازنين، ووضعيتين متعارضتين للجسد، وهو ما يفسّر الانحناء الخفيف لجذع القديس جان باتيست الذي يبدو كأنه يسير في هذا الاتجاه أو ذاك في الوقت نفسه، ورجلاه على الأرض، وهي وضعية مستحيلة في الواقع.

الطريف أن الرجلين لم يلتقيا أبدا، وإن قيل إنّ لقاء جمعهما عام 1906 فلا يوجد ما يثبته. بل إن بيكاسو كان يزدري نحت رودان، وممّا يروى أنه قال عام 1941، عند إزالة النصب الذي صنعه رودان لفكتور هوغو تحت نظام فيشي “نصب رودان شيء صغير بالنسبة إلى ميدان كبير كهذا. حبّذا لو وضع مكانه شيء غيره، في انتظار نصب آخر، من صنعي مثلا”.

16