رودغير لوهلكرت: تبعثر الأوراق في سوريا يعيد رص صفوف تنظيم داعش

الباحث النمساوي رودغير لوهلكرت يشير في حوار مع "العرب" إلى أن داعش لم يعد يهتم بزيادة رقعة أراضيه أو استعادة ما فقده، بقدر ما يركز راهنا على استغلال أي تطور لصالحه، ومراجعة تكتيكاته وخططه على ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، ليبقي شعلته متقدة.
الجمعة 2019/01/04
رودغير لوهلكرت: الأزمة لا تكمن في قوة داعش بقدر ما ترتبط بأسلوب التعامل المضاد معه

تشكل التنظيمات الجهادية الكثيرة المنتشرة في أنحاء العالم قلقا دوليا كبيرا، يحوز على النصيب الأكبر تنظيم الدولة الإسلامية الذي يبقى الأكثر إثارة للجدل؛ فخلافا للتنظيم الأم، القاعدة، وبقية التنظيمات المتفرّعة عنه، جاء تنظيم داعش بمشروع “دولة”. ورغم الانهيار السريع لهذه “الدولة” الزائفة التي أسسها في بعض مدن العراق وسوريا،  والهزائم التي لحقت به، ما زال مؤشر القلق من هذا التنظيم مرتفعا. ويفسر سبب ذلك الباحث النمساوي المتخصص في جماعات الإسلام السياسي رودغير لوهلكرت.

رحبت حسابات تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية على مواقع التواصل الاجتماعي بقرار الرئيس دونالد ترامب سحب جميع قوات الجيش الأميركي من سوريا، معتبرة أن الأمر يشكل فرصة جيدة للملمة ما تفرق من التنظيم على وقع ضربات القوات الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضده، محذرة في نفس الوقت من أن رص الصفوف لن يكون في سوريا، بل سيضرب في مناطق أخرى من العالم، وستكون أوروبا هدفا رئيسيا.

بالغ داعش في الإشادة بالقرار لدرجة أنه فضح ضعف التنظيم وعكس رغبته المحلة في استعادة القدرة على استقطاب المجنّدين عبر الحديث عن “الدولة الكبرى والخلافة المجيدة”، وهو ما يدعمه رودغير لوهلكرت، أستاذ العلوم الدينية بجامعة فيينا والمتخصص في دراسة حركات الإسلام السياسي، في حواره مع “العرب”، إذ يؤكد على أن داعش استخدم استراتيجيته المعتادة والقائمة على المبالغة في كل حدث عالمي مرتبط بشؤونه مستغلا قرار ترامب المتسرع والمبهم بالانسحاب من سوريا، والذي يضع حلفاءه الأكراد أمام مواجهة مباشرة مع داعش الذي كبدوه هزيمة كبيرة في سوريا.

وقبل الانسحاب الأميركي كانت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، قضت على مسلحي داعش في كل المنطقة تقريبا التي كان يسيطر عليها المتشددون في شمال سوريا، بما فيها عاصمتهم الرقة. وفي نوفمبر سيطر ائتلاف من القوات الإيرانية والعراقية والسورية على آخر معقل للمتشددين وهو بوكمال في شرق سوريا على الحدود مع العراق.

عواقب متعددة

يتوقع لوهلكرت أن يكون لعواقب الانسحاب الأميركي تأثير غير مباشر على الكثير من التطورات. وقد تضعف الجانب الآخر المقاتل لداعش، خاصة قوات الأكراد التي أصبحت بلا داعم قوي، ولا يخشى البعض أن تقل نسب تسليح قوات سوريا الديمقراطية أو ضعف تحركها العسكري فقط، وتبقى المعضلة الأكبر متمركزة في الجبهات المتعددة التي تحاصر أكراد سوريا من قبل القوات التركية التي بدأت تتحرك بالفعل نحو إخراجهم من المشهد بالإضافة إلى الجيش السوري النظامي الذي يراهم عدوا مباشرا لدولته.

ويعتقد لوهلكرت أن قوات سوريا الديمقراطية ستكون أمام تحد صعب عند مواجهة داعش من أمامها، وتركيا من خلفها، وهي تدخل عدة اختيارات، أبرزها إعادة بناء استراتيجيتها مع النظام السوري بشكل يخلق نوعا من التنسيق السياسي والعسكري لمواجهة كل من قوات أنقرة وداعش، أما الاختيار الأسوأ فهو عقد هدنة مع التنظيم في حالة زيادة الضغط العسكري التركي، مقابل إطلاق سراح أسرى داعش.

ويقول إن هناك حلا يبدو في الأفق، وتحدثت عنه العديد من الأبحاث ووسائل الإعلام، من ذلك صحيفة “ريكول” الأميركية المتخصصة في الدراسات العسكرية، وهو تعاقد الأكراد مع شركات عسكرية خاصة، كشركة “بلاك واتر” التي تنبثق منها شركات أخرى مثل “أكاديميا” و”كونستلثي المتحدة”. وبحسب لوهلكرت يمكن لتلك الشركات تعويض غياب التواجد الأميركي بتعزيز الأكراد بالدعم اللوجستي، كما يمكنها المشاركة ميدانيا ولوجستيا، بالإضافة إلى امتلاكها أدواتا متطورة في التعقب والمطاردة.

لا يمكن فصل التطورات السورية وتحركات داعش هناك عن تواجده في أوروبا وتأثيره بشكل يزيد من وتيرة الأعمال الإرهابية، لأن الشبكة المتطرفة تتوسع حسب تأثيرات الشرق الأوسط، وكل ذلك يتم عبر شبكة التواصل على الإنترنت
الشبكة المتطرفة تتوسع حسب تأثيرات الشرق الأوسط، وكل ذلك يتم عبر شبكة التواصل على الإنترنت

ولعبت “بلاك واتر” على مدار عشرين عاما دورا عسكريا في البعض من الحروب، وشاركت في العديد من المهمات، سواء بدعم مادي أو عن طريق تقديم النصائح والمشورة الحربية. وتأتي أبرز العمليات التي شاركت فيها حرب العراق عام 2003 مع الجيش الأميركي، وعمليات حماية وتدريب مع حكومات عدد من الدول، مثل أفغانستان وإسرائيل والبوسنة والعراق. وتُتهم الشركة دائما بقيامها بأعمال مشبوهة وغير شريفة لكن لم تثبت قضائيا.

ويحتفظ داعش بمنطقة صغيرة على طول نهر الفرات، قرب بوكمال وبعض الجيوب في صحراء شرق سوريا وعلى الحدود مع العراق، إلا أنه يعتمد بشكل أساسي على فكرة الضربات المباغتة والمتنوعة التي لا يمكن تعقبها أو وقفها قبل حدوثها، وآخر تلك العمليات هجوم مفاجئ اقتحم فيه مسلحون الجانب الشمالي لبوكمال، ما أثار قتالا ضروسا قبل أن تطردهم ميليشيات موالية لدمشق.

ويقول لوهلكرت إن داعش يتطور في الجانب الميداني بشكل يجعل توسعه لا يشترط التوسع حسب المساحة المسيطر عليها، لكن بحسب من يقاتل وما يجنيه من المعارك التي يخوضها، موضحا أن “داعش يوجه ضرباته بشكل يخلق لدى العامة والإعلام حالة الزخم الذي يعيشه ويعطي الانطباع لجنوده والمتعاطفين معه بأنه قوي ومؤثر ومستمر”.

ويضيف أن التنظيم طبق ديناميكية حرب العصابات مع كافة القوات التي يحاربها في الشرق الأوسط، بمعنى أن مقاتليه يتفادون الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش النظامية، سواء الأكراد أو جيش بشار الأسد أو القوات الأجنبية المشتركة لعدم تكافؤ الفرص، ولجأوا إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها، بحيث يكون تأثيرها موجعا للخصم ومحفزا على المزيد من الاستقطاب.

ولدى مقاتلي داعش معرفة ممتازة بالمناطق الصحراوية على طول الحدود السورية العراقية، والتي تعود إلى الأيام الأولى للتنظيم، وحتى قبل ذلك، عندما كان يسمى تنظيم القاعدة في العراق، الأمر الذي يسهل فكرة الحرب المباغتة أو اللئيمة عبر الأنفاق الحدودية والجيوب الجغرافية التي تجعله مخفيا عن الضربات الجوية السورية والروسية، كما أن المسلحين يستفيدون من سوء الأحوال الجوية، خاصة العواصف الترابية لعبور نهر الفرات.

فرصة التقاط الأنفاس

يوضح لوهلكرت أن داعش لم يعد يرغب في زيادة رقعة أراضيه التي يسيطر عليها، ويريد أن ينتصر في حربه المعنوية والرمزية، التي تخدم أفكاره الأساسية باعتباره لاعبا أساسيا على المستوى الدولي وصاحب نفوذ وتأثير يربك الرأي العام العالمي، وجاء ذلك عبر خروج الولايات المتحدة من الصورة في سوريا لكسب المزيد من الشرعية، قائلا “هذا ما لا يفهمه ترامب”.

ويشير إلى أن ترامب لم يعط للتنظيم الفرصة لالتقاط أنفاسه وترتيب صفوفه فقط، بل أعطاه الأدوات الإعلامية الكافية والتبريرات المفتعلة للقول إنه عائد، وهو ما انعكس بالفعل عبر حسابات التنظيم على موقع تليغرام، حيث عمد إلى نشر صور تمت معالجتها بالفوتوشوب تبرز ترامب مهزوما ومذلولا أمام جنود داعش وهم يحملون سيوفا ودروعا.

وصدرت العشرات من الخطب المكتوبة والمذاعة من منظري التنظيم تدعو أنصاره إلى الاتحاد، وتربط القرار الأميركي بـ”نصر من الله وجاء علامة إلهية بأنهم لن يُهزموا، وإن كانوا في محنة عابرة وبدأت تزول”.

وجذبت الصراعات في سوريا والعراق المقاتلين الأجانب بالآلاف، وعبرت وكالات الاستخبارات الشرق أوسطية والغربية عن تخوفها من أن يصبح رعاياها الذين التحقوا بالقتال في العراق وسوريا أكثر تطرفا ثم يستعملوا جوازات سفرهم لتنفيذ هجمات داخل بلدانهم.

وفي فبراير 2015 قدر مدير الاستخبارات القومية الأميركية جايمس كلابر بأن أكثر من ثلاثة عشر ألف مقاتل أجنبي انضموا إلى التنظيمات المتطرفة المناوئة للحكومة في سوريا بما في ذلك الدولة الإسلامية، وأن أكثر من 3400 من بين عشرين ألفا من المقاتلين السنّة الأجانب قدموا من البلدان الغربية. (تتراوح التقديرات للعدد الجملي لقوات التنظيم بين حوالي ثلاثين ألفا وأكثر من مئة ألف).

ويلفت الأكاديمي النمساوي، الذي يتابع الكثير من الجماعات المتطرفة في العالم، إلى أن التنظيم لم يغير طرقه الملتوية وأدواته المعتادة التي يجيد حبكها واعتمد فيها على المبالغة والتضخيم في العبارات والمقاطع والصور المبثة، لكنه عمد إلى بلورة رسالته الموجهة خارج حدود تواجده الميداني الضئيل بين الحدود السورية العراقية.

ويرى لوهلكرت، الذي عكف لأكثر من عشرين عاما على دراسة تكوينات الجماعات الدينية في أوروبا، وله العشرات من المؤلفات والأبحاث عن الجماعات الإسلامية، أنه لا يجب إعطاء حجم كبير لفكرة تواجد وتأثير داعش في سوريا والعراق، لكن خروج التنظيم من حيز المحلية والتركيز على تحركه الدولي هو الجانب الأخطر، وهو ما يتعمّد تقديمه بالتأكيد على أنه أكبر من مجرد تنظيم محلي، ويزعم أنه “دولة إسلامية شاملة”.

الصورة السابقة التي قام عليها داعش، وهي وجود كيان مادي ملموس، لم تعد جذابة وملهمة مع خسارة الكثير من المناطق في العراق وسوريا، حيث أضحت الدعوة إلى الكيان المعنوي واللعب على عاطفة الانتماء داخل وجدان المتشددين الفلسفة الأشمل.
الصورة السابقة التي قام عليها داعش، وهي وجود كيان مادي ملموس، لم تعد جذابة وملهمة مع خسارة الكثير من المناطق في العراق وسوريا، حيث أضحت الدعوة إلى الكيان المعنوي واللعب على عاطفة الانتماء داخل وجدان المتشددين الفلسفة الأشمل.

تحولات داخلية

حمل مصطلح التجنيد لدى التنظيم المتطرف دائما وجهين ثابتين عند إطلاق أي مادة إعلامية؛ وهما العزة والمجد، إلا أنه بدا أن هناك تحولا في تلك الأيديولوجيا الفكرية مؤخرا عبر المواد المنشورة على حسابات التنظيم في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال إصداره الشهري ممثلا في صحيفة “النبأ” أو ربع السنوي ممثلا في “شباب الخلافة”، وظهر جل ذلك التحول الدقيق عبر إضافة ثيمة جديدة مقترنة بمنظور “الانتماء إلى الكيان الكبير والشامل”.

ويفسر لوهلكرت لـ”العرب” ذلك التحول قائلا إن “الصورة السابقة التي قام عليها داعش، وهي وجود كيان مادي ملموس عبر سيطرته على مناطق متعددة في العراق وسوريا، لم تعد جذابة وملهمة مع خسارة الكثير من تلك المناطق، وكانت مفيدة في خدمة فلسفة التنظيم الاستقطابية بالدعوة العالمية للانضمام إلى “جيش الله وخلافته”، ومع تحوله إلى هيئة راسخة وامتلاكه أذرعا في دول عدة، أضحت الدعوة إلى الكيان المعنوي واللعب على عاطفة الانتماء داخل وجدان المتشددين الفلسفة الأشمل”. ويمكن ربط التحول في اختيار العناصر التي تُبنى عليها تقارير التنظيم بتغير الكلمات والمشاهد المستخدمة واستبدالها بأخرى تخدم الغاية المنشودة.

وهنا يوضح لوهلكرت أن الانتماء “جزء من الاحتياج الأساسي النفسي لكل فرد، ولا يمكن أن يعيش شخص بلا ولاء لكيان معين، وتركيز داعش على عنصر الانتماء هو التطور الطبيعي والمنطقي للحالة السابقة التي برز فيها التركيز على العزة، وفي النهاية الإيمان بتحقيق العزة والكرامة في الانضمام إلى داعش لا يأتي إلا بخلق شعور بالانتماء الداخلي للتنظيم”.

ويضيف “لقد بدا ذلك واضحا في الكثير من العمليات الفردية الأخيرة في أوروبا، وأصبح الدافع الفعلي لمرتكبي الهجوم، هو الشعور بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية والرغبة في التعبير عن ذلك بتنفيذ هجوم إرهابي هنا أو هناك”.

ويتابع “لا يمكن فصل التطورات السورية وتحركات داعش هناك عن تواجده في أوروبا وتأثيره بشكل يزيد من وتيرة الأعمال الإرهابية، لأن الشبكة المتطرفة ما زالت هناك، وتزداد وتتوسع حسب تأثيرات الشرق الأوسط، وكل ذلك يتم عبر شبكة التواصل القوية على الإنترنت”.

ويشير لـ”العرب” إلى أن الحكومات وشركات الإنترنت لم تستوعب بعد الدور الحاسم لأنشطة داعش على مواقع التواصل وطبيعة وصعوبة تعقب الاتصال الجهادي بشكل عام، فكلما تعرضت الحسابات الداعشية لهجوم قامت باتباع نظرية التسريب المعلوماتي القائم على توزيع المواد الراديكالية بشكل واسع على المئات من المواقع وعبر إنشاء حسابات جديدة.

ويلفت لوهلكرت إلى أن آلية حجب الحسابات المتطرفة على منصات التواصل غير فعّالة بسبب غياب الفهم الصحيح للمواد العربية المنشورة والمتطرفة، والتي تجعل أبسط طرق التحايل، بتغير الأسماء واستخدام الرموز التي تحمل أكثر من معنى، وسيلة تلقائية لتفادي عمليات الحجب والإغلاق.

ويتابع “إذا أردنا حصار داعش بشكل قوي وشامل دوليا، فيجب التخلي عن التحركات الرمزية بإغلاق الحسابات والبدء بفعل حقيقي، فنحن نحتاج إلى رؤية أوسع وأشمل وقادرة على تحليل الكتابات المنشورة وفهمها والتعامل معها بمسح دقيق وفعال”، فالتنظيم ولئن لن يستعيد “دولته” التي انهارت في سوريا والعراق، إلا أن المؤشرات تكشف أنه سيواصل العمل على رص صفوفه من جديد، وبناء “دولته الرقمية”، عبر استقطاب الذئاب المنفردة.

12