رودي جولياني حاكم نيويورك السابق يطل برأسه من برج ترامب

السبت 2016/11/19
رودي جولياني من ملاعب للمافيا الإيطالية إلى مرشح لوزارة الخارجية

عمان- مع أنه لا يشغل أيّ منصب رسمي منذ 15 عاما، ولا يمتلك خبرة كافية في القضايا الدبلوماسية، إلا أنه أحد أبرز مرشحي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب لحمل حقيبة وزارة الخارجية، ذلك هو رودي جولياني الذي اكتسب شهرة واسعة عندما كان رئيسا لبلدية نيويورك بين عامي 1994-2001، واستطاع إعادة الحياة إلى المدينة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر آنذاك، مدرجاً بند مكافحة الإرهاب على لائحة صلاحيات هذا المنصب. فجولياني البالغ من العمر 72 عاما، ليس مرشحاً لوزارة الخارجية وحسب، بل إن اسمه مطروح لحقيبة العدل أيضاً.

ربما أنا الأفضل

يُتداول إلى جوار اسم جولياني اسم الدبلوماسي جون بولتون السّفير السابق للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، الذي أيّد بقوة غزو العراق في 2003، لإدارة الدبلوماسية الأميركية، خليفة لجون كيري. وقد قال جولياني معلّقاً، في مؤتمر نظّمته صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل أيام، إن بولتون خيار ممتاز لمنصب رجل خارجية أميركا. لكنه ردّ على سؤال عن مرشح أفضل من بولتون، فقال “ربما أنا”. مديرة حملة ترامب الانتخابية كيليان كونواي، التي ما زالت تشارك في المفاوضات حول الإدارة المقبلة، قالت إن “اسم جولياني طرح جديّا لتولي منصب وزير الخارجية، وهو مؤهل لهذه المهمة ويمكن أن يؤدي عمله فعليا بشكل جيد”.

لكن هناك مؤشرات تنبئ عن إشكالات في ذلك الاختيار، بالنسبة إلى جولياني، وكذلك عن تعثر المشاورات السياسية اللازمة لإنجاحه. فقد غادر نائب الرئيس المنتخب مايك بنس برج ترامب في مانهاتن من دون الإعلان عن أيّ قرار يتعلق بمناصب استراتيجية. شبكة “سي إن إن” تقول إن المشاورات تشهد مواجهات حادة، بينما تذهب صحيفة “نيويورك تايمز” إلى حد التأكيد على أنها تجري “وسط الفوضى”.

من جهة أخرى أعلن مايك رودجرز مستشار ترامب للأمن القومي رحيله من الفريق الانتقالي، مؤكدا أن عمله أرسى أسسا متينة لمواجهة التحديات المعقّدة أمام الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تواصلت زيارات الشخصيات إلى برج ترامب الذي يضم مقر سكن ومكاتب رجل الأعمال الشهير، وشوهدت حوالي 20 من هذه الشخصيات تدخل إلى المبنى، بينها الزوجة السابقة للرئيس المنتخب مارلا مايبلز والسيناتور عن تكساس تيد كروز المرشح الذي هزم في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين.

انتصاراته على المافيا تعتبر السبب بتنصيب جولياني حاكما لولاية نيويورك عن الحزب الجمهوري. وقد نال بعدها لقب "عمدة أميركا" بسبب مهاراته الإدارية، واعتبره البعض ذا مهارات قيادية أفضل من جورج بوش الابن، الذي لم يكن يتمتع بأي كاريزما

حصل على شهادة في القانون، وعمل في هيئة الادعاء العام الفيدرالية خلال فترة رئاسة رونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي، واستطاع في ذلك الوقت تفكيك عدد كبير من عصابات المافيا الإيطالية، حيث اشتهرت محاكمات تلك العصابات في ذلك الحين باسم “محاكمات لجان المافيا” ودامت نحو عامين. أصبح بعد انتصاراته تلك حاكما لولاية نيويورك عن الحزب الجمهوري. ونال لقب “عمدة أميركا” بسبب مهاراته الإدارية، التي لقيت مديحا من الرأي العام، واعتبره البعض ذا مهارات قيادية أفضل من جورج بوش الابن، الذي لم يكن يتمتع بكاريزما.

العمدة الشجاع

نزل جولياني إلى موقع هجمات سبتمبر مباشرة. وظهر أمام الكاميرات وهو في موقع الخطر، ورفض بعد ذلك شيكاً بقيمة 10 ملايين دولار أميركي تبرّع به الأمير السعودي الوليد بن طلال لمدينة نيويورك، بسبب تصريحات للأمير بشأن الهجمات الإرهابية على نيويورك، اعتبرها جولياني تبريرا للهجمات.

قال جولياني في معرض حديثه عن سبب رفضه هبة الأمير “التبريرات لهذا العمل الإرهابي مرفوضة”. واصل ذو الأصل الإيطالي وبعد انتخابه عمدة لمدينة نيويورك، حربه ضد عصابات المافيا التي كانت منتشرة في المدينة. وكانت تبتزّ أصحاب المتاجر وتمارس جرائم العنف ضد من يخالف أوامرها. ليشهد مستوى الجريمة انخفاضا كبيرا في مدينة نيويورك في عهد جولياني.

كان يوصف حينها بـ”قاهر المافيا الإيطالية”، وذكرت وسائل إعلام أميركية في 2014 أن عصابات المافيا في سيسيليا الإيطالية أهدرت دم جولياني وقدمت مكافأة بقيمة 800 ألف دولار لمن يقتله، ولكن هناك من كان يعتبر جولياني بمثابة العميل المزدوج لكلّ من المافيا والحكومة الأميركية. وباستثناء هجمات سبتمبر، تقول تقارير الـ”أف بي آي” إن جولياني جعل نيويورك المدينة الأكثر أمنا في أميركا، حتى أن الملكة إليزابيث منحته لقب “سير” في العام 2002.

الرأي العام الأميركي لم ينس أن جولياني نزل إلى موقع هجمات سبتمبر مباشرة. وظهر أمام الكاميرات وهو في موقع الخطر، ورفضه شيكاً بقيمة 10 ملايين دولار أميركي تبرع به الوليد بن طلال لمدينة نيويورك، بسبب تصريحات للأخير اعتبرها جولياني تبريرا للهجمات

أبرز الحوادث الشهيرة في حياة جولياني، هي قيامه بطرد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، من أحد مسارح نيويورك خلال احتفالية للأمم المتحدة، في حادثة اعتذر عنها البيت الأبيض بعد ذلك. تلك الإشارة تعكس موقف جولياني المعادي للفلسطينيين، وتثبت في الوقت ذاته دعمه الكبير لإسرائيل. وبناء على مواقف من هذا النوع، حاول جولياني استغلال شعبيته في الترشح لرئاسة الولايات المتحدة في انتخابات العام 2008، لكنه انسحب من الانتخابات التمهيدية بعد خسارته في فلوريدا ليفتح الطريق أمام جون ماكين الذي خسر لاحقا أمام باراك أوباما.

جولياني و"الإرهاب الإسلامي"

تصف الصحف الأميركية والبريطانية جولياني بالمرشح المفضل لدى ترامب. ولكنّه يمثل رعبا لدى السياسيين الأميركيين، والديمقراطيين منهم، بسبب مواقفه المتصلة بالسياسة الخارجية، وتبنّيه مواقف ليبرالية اجتماعية، مثل إقراره بحق المرأة في الإجهاض، ودعمه لقوانين التحكم بامتلاك الأسلحة النارية، لكنه يعترف باعتناقه فكر المحافظين الجدد واليمينيين في السياسة الخارجية.

بحسب مقالة نشرت له في مجلة “فورين أفيرز”، فإن جولياني يرى أنه يجب التركيز على الحرب ضد الإرهاب، وخاصة ما يصفه بـ”الإرهاب الإسلامي” وأن يكون هذا محور السياسة الخارجية الأميركية الجديدة. يقول جولياني إنه يجب تأييد منع دخول المسلمين للولايات المتحدة، وخاصة من الدول المعرّضة للإرهاب، وإذا أرادت الولايات المتحدة دخول مسلمين لأراضيها فيجب مراجعة ملفاتهم بدقة للتأكد من عدم وجود ميول متطرفة لديهم.

مصطلح “الإرهاب الإسلامي” ليس جديدا على لسان وزير خارجية أميركا المتوقع. ففي مقابلة تلفزيونية مع شبكة “سي إن إن”، أجريت معه عقب هجوم أورلاندو الإرهابي، قال جولياني “أنا منزعج جداً من عجز الرئيس باراك أوباما عن استخدام كلمة الإرهاب الإسلامي، ولقد أزعجني ذلك منذ عدة سنوات، الكلمات التي يستخدمها الرئيس مهمّة جداً. وهو يخلق شعوراً، ربما بين الأشخاص الأكثر ليبرالية في المجتمع، إنه لا يمكنك استخدام تعبير الإرهاب الإسلامي”.

وأضاف جولياني عن سياسة أوباما ومن خلفه المرشحة الخاسرة هيلاري كلينتون “سياستهما التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، فنحن في وضع أخطر ممّا كنا عليه قبل أن يتولى باراك أوباما وهيلاري كلينتون السلطة. وقد أصبحت على قناعة ثابتة بعد 35 عاماً من التعامل مع الإرهاب الإسلامي ذي الطبيعة المتطرفة، أنك كلما كنت دفاعياً سيكونون أكثر هجوماً، وكلما كنت أكثر هجوماً فإنهم سيتراجعون عن ملاحقتك”.

ما ينتظره العرب اليوم، من جولياني وغيره، هو كيف ستكون السياسة الخارجية لأميركا بعد انتهاء حقبة أوباما المخيّبة لآمال الكثيرين منهم، خصوصا هؤلاء المضطهدين، وكيف سيكون الموقف مع طهران التي تحاول جاهدة زعزعة الأمن في الشرق الأوسط، ويبدو إذا تولى جولياني رئاسة وزارة الخارجية الأميركية، فإن هناك الكثير من التغيرات ستكون مزعجة لإيران، ومن الممكن أن تكون مدمّرة لنظام الأسد. ففي مقال كتبه جولياني مؤخرا حث السياسة القادمة لأميركا على رفض الاتفاق النووي الإيراني، معتبرا أن إيران خطر على الأمن القومي الأميركي، وأنها لن تلتزم ببنود الاتفاق النووي وسوف تسعى للحصول على السلاح النووي حتى إن استغرق هذا وقتا أطول.

مديرة حملة ترامب الانتخابية كيليان كونواي، التي ما زالت تشارك في المفاوضات حول الإدارة المقبلة، تقول إن “اسم جولياني طرح جديا لتولّي منصب وزير الخارجية، وهو مؤهّل لهذه المهمة ويمكن أن يؤدي عمله فعليا بشكل جي

جولياني عدو خامنئي

عند مشاركة جولياني في الملتقى الموسع للمقاومة الإيرانية الذي أقيم العام الماضي في العاصمة الفرنسية باريس، كانت له كلمة نارية أشعلت الحضور الكبير تصفيقا وفرحا، قال حينها “يجب أن يرحل خامنئي، لا بد من إحالته ومعه روحاني وأحمدي نجاد وغيرهم، إلى المحكمة الجنائية الدولية، لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية، لقد قتلوا مئات الآلاف من الأشخاص، وحان الوقت لكي لا نتجاهل هذه القضية، ولا نغض الطرف عنها”.

تساءل جولياني عن دور أميركا المتراجع في إنقاذ الشعوب المضطهدة، وكيف كانت تتدخل عند حدوث مجازر مروّعة بحق الإنسانية في أماكن مثل سوريا، وقال باستهزاء من إدارة باراك أوباما “لماذا نرسم الخطوط الحمراء ونتراجع عنها وننسحب كالجبناء؟”. يوصف جولياني بالشخص البراغماتي، ويتوقع الكثير من الخبراء أن سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسية سوف يجد أمامه شخصا مختلفا كليا عن جون كيري الذي قيل من قبيل التهكم، إن كفاءته الوحيدة هي إتقانه اللغة الفرنسية التي يحاول الظهور بها في المحافل، كدون جوان.

جولياني الذي كان مغرما برونالد ريغان، في شخصيته تتقاطع القسوة مع الانتهازية السياسية. البعض يرى فيه صورة طبق الأصل عن دونالد ترامب في الآراء المتطرفة، خصوصا وأنه صديقه القديم المتجدّد الذي يعرفه منذ عقود، وكان خلال الحملة الانتخابية أحد أقرب مستشاريه. وحدها الأيام القادمة كفيلة بكشف فوائد عصر الجنون الأميركي القادم ومضارّه.

12