"روزنامة" سجل بصري لأحوال المجتمع والسياسة

على واجهة مقر مؤسسة مدرار للفنون المعاصرة في القاهرة، تستقبلك صورة فوتوغرافية كبيرة ومألوفة لرجل مسنّ، ظهرت الصورة كجزء من الديكور المسرحي في مسرحية “المتزوجون” للفنان سمير غانم التي أنتجت في سبعينات القرن الماضي، وجه الرجل المسن ذو الملامح المميزة يبدو مألوفا وحميميا، يستدعي الوجه تلك الأحاسيس والمشاعر والخبرات المرتبطة برؤيته الأولى، هكذا تفعل الصورة حين تتداخل تفاصيلها في الذاكرة، لا يتوقف تأثيرها عند حدود اللحظة الراهنة، بل يتعداها في أحيان كثيرة، في عملية ذهنية معقدة تتخطى حدود الزمن.
الجمعة 2016/10/21
طرح لأسئلة ليست بحاجة لإجابات

تعنى مؤسسة مدرار للفنون المعاصرة في القاهرة بالصورة الفنية تحديدا في كافة أشكالها، من فيديو وفوتوغرافيا ورسم وتصوير وغيرها من الوسائط الأخرى، ولتأكيد هذا الدور أطلقت مشروعها الطموح تحت عنوان “روزنامة” وهو مسابقة ومعرض سنوي للممارسات الفنية المعاصرة للشباب تحت سن الـ30 سنة، وتحتفي “روزنامة” هذه الأيام بدورتها الخامسة بعد أن ترسّخ دورها كإحدى أبرز الفعاليات التي تنظمها المؤسسات المستقلة في مصر والمتعلقة بالفنون البصرية.

تبرز المسابقة ذلك الدور الفاعل الذي تمثله تلك المؤسسات في دعم الحراك الثقافي المصري وقدرتها على التنظيم والاستمرار، فعلى مدار خمس سنوات استطاعت “روزنامة” التغلب على الكثير من العقبات التي واجهتها ومثلت فضاء حرا للعديد من المواهب الشابة لعرض الأفكار والتجريب والتفاعل مع الراهن السياسي والاجتماعي والثقافي عن طريق العديد من الممارسات الفنية غير التقليدية.

بين العديد من الصور الفوتوغرافية وأعمال الفيديو والمعالجات الغرافيكية وغيرها من الممارسات التي تحتفي بالتجريب، ألقت أجواء السياسة بظلالها على البعض من مضامين الأعمال وتوجهاتها، لتعكس حالة القلق والارتباك السائدة، حيث تجاوزت الأعمال محاولات التفسير أو رصد الحالة الراهنة، إلى نوع من التماهي مع حالة الضبابية والارتباك التي خيمت على المشهد المصري خلال السنوات الماضية.

ومن بين أعمال الفيديو المعروضة قدمت الفنانة إيمان حمدي عملا تحت عنوان “يقظة زائفة”، حيث يسجل الفيديو لحظات القلق والتوتر التي تعيشها فتاة لا تفعل شيئا سوى التأمل في صمت، حالة الاستسلام ومشاعر التوتر تسيطر على المشهد، في الفيديو الذي لا تتعدى مدة عرضه الخمس دقائق لتبدو الفتاة غير عابئة بما يحدث وغير مكترثة بمجريات الأحداث من حولها.

الفتاة هنا تشبه الملايين من الفتيات والشباب في مثل عمرها حول العالم، هؤلاء الذين كانوا يحلمون ويأملون في إحداث تغيير ما، غير أن الأحداث التي أعاقت مسار مجهوداتهم قد أصابتهم بالإحباط، فهل يستسلمون لإحباطاتهم تلك؟ هذا التساؤل يقفز من بين المشاهد ويرتسم كعلامة استفهام كبيرة لا تستطيع الإجابة عنها في الوقت الراهن في ظل حالة العداء والاستقطاب التي أصابت العديد من المجتمعات والدول التي شاركت في ما يعرف بالربيع العربي، حال الفتاة لا يختلف كثيرا عن أقرانها، فهي لا تستطيع الخلاص من ذلك الشعور المسيطر بالإحباط، وغير قادرة على لملمة أفكارها أو التعايش مع اللحظة الراهنة.

ومن بين أعمال الفوتوغرافيا يبرز عمل الفنانة نورهان معيوف والمعروض تحت عنوان “حمّام منزلي”، وهو مكون من مجموعة من الصور الفوتوغرافية لتفاصيل تلك المساحة الصغيرة التي يشغلها حمّام منزل قديم ومتهالك، هذه التفاصيل القريبة التي نتعامل معها يوميا ولا نكترث لوجودها تمثل جزءا من الذاكرة البصرية الهامشية، وتستغرق التجربة في تلك الخبرات البصرية الذاتية والشخصية إلى حدّ الهوس، وبقدر ما يبدو عليه العمل من انفصال وتوحد، إلاّ أنه لا يفتقد إلى إشارات دالة، فذلك الاحتفاء الظاهر بالهامشي والشخصي يحفر عميقا في قلب الفضاء الاجتماعي والسياسي المحيط، هنا تتصارع رغبة التغيير مع الرُهاب منه، وتبرز حدة المواجهة بين الثابت بركاكته أو بخوفه والمتغير برعونته أو بجرأته.

يضم معرض “روزنامة” أعمالا متفاوتة المستوى من حيث التوظيف الجيد للخامات والأساليب والتعبير عن الأفكار، وكذلك الفهم الواعي لطبيعة العمل الفني كمنتج إبداعي معنيّ في الأساس بطرح الأسئلة وليس الإجابة أو تقديم حلول لها، هذا التفاوت في قيمة الأعمال هو أمر وارد في مثل هذه العروض الجماعية، غير أن التجربة في مجملها تمثل محاولة جادة ورائدة لخلق مناخ مناسب للنقاش والفهم الواعي لطبيعة الممارسات المعاصرة، وفرصة مواتية للأجيال الشابة التي تقف على مشارف

العمل الإبداعي من أجل الانخراط في قلب التجربة.

17