روسيا الصديقة وأميركا العدوة

إن واصل ترامب أنانيته التي يمارسها تحت شعار "أميركا أولا"، فسيبعث الدفء حتماً في عروق العلاقات الروسية الأوروبية الباردة.
الاثنين 2019/08/26
عودة سباق التسلح بين القطبين الروسي والأميركي سيضع الدول الأوروبية في خطر

عندما يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن على أوروبا أن تعيد هندسة نفسها لتطوي عقودا من الخلافات بين الغرب وروسيا، فهذا يكشف مقاربة مختلفة للاتحاد الأوروبي في علاقته مع روسيا ومراجعة كبيرة لعلاقته مع الولايات المتحدة. لا يعني ذلك أن روسيا ستتحول بين ليلة وضحاها من عدو إلى صديق، ولكن الحديث عن علاقات جيدة بين بروكسل وموسكو لم يعد خيانة لـ”شهداء” الحرب الباردة.

الربط بين تضعضع العلاقة الأوروبية الأميركية والتقارب الأوروبي الروسي يبدو منطقياً. فالسياسة العنجهية للرئيس الأميركي دونالد ترامب حوّلت الحلفاء إلى خصوم ووحدت الخصوم في مواجهته.

ربما كان انسحاب واشنطن من معاهدة الأسلحة النووية قصيرة المدى القشة التي قصمت ظهر البعير. فعودة سباق التسلح بين القطبين الروسي والأميركي سيضع الدول الأوروبية في خطر. وترامب لا يكترث كثيرا لمثل هذه الأخطار طالما أن في انسحابه تطويراً لأسلحة ستدر أموالا عند بيعها.

صحيح أن روسيا هي التي تقود حملة عبر مجلس الأمن ضد عودة أميركا إلى تطوير منظومة أسلحتها وشروعها في إنتاج صواريخ تثير قلق موسكو وقلق الكثيرين حول العالم، ولكن دول الاتحاد الأوروبي تتفهم المخاوف الروسية في هذا المجال، وتتفهم أيضا ماذا يعني أن تنجر موسكو إلى هذا السباق.

انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي مع إيران منح الأوروبيين مبررا آخر للتقارب مع الروس. فقد كان قرارا أنانياً تجاهل فيه تحالف بلاده مع الاتحاد الأوروبي. وها هي موسكو وبروكسل تقفان على ضفة واحدة لحماية الاتفاق والحفاظ على علاقاتهما الاقتصادية والسياسية مع طهران.

الانفتاح الأميركي على التفاهم مع روسيا حول ملفات الشرق الأوسط، وخاصة سوريا، ساهم في إدراك الأوروبيين أن شرط العداء المطلق للروس لا ينطبق سوى عليهم، فيما تتمتع واشنطن بحق اللعب على جميع الحبال بما ينسجم مع مصالحها فقط.

الدور الأميركي في دفع بروكسل لمراجعة علاقتها المتوترة مع موسكو، حضر أيضا في ضغط واشنطن على الدول الأوروبية لزيادة مساهمتها في ميزانية حلف الناتو. قد يتبادر إلى ذهن الأوروبيين سؤال من قبيل، لماذا لا نتصالح مع العدو الروسي بدلاً من أن نستسلم للابتزاز الأميركي؟

لا يريد الأوروبيون حرباً على أراضيهم مهما كلف الأمر، وردهم على ضم روسيا للقرم عام 2014، كان أكبر دليل على هذا التوجه.

الحرب الاقتصادية والدبلوماسية هي سقف أي مواجهة بين الأوروبيين والروس، هذا على الأقل ما يريده الأوروبيون وما مارسوه ليس فقط في حادثة القرم، وإنما أيضا في محاولة تسميم الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته على الأراضي البريطانية في شهر مارس عام 2018.

استبعاد الخيار العسكري ليس هو العامل الأخير الذي تستند عليه المراجعة الأوروبية للعلاقة مع روسيا. ثمة روابط اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة تجمع دولا في الاتحاد مع روسيا ترجح كفة الصداقة على العداء بين بروكسل وموسكو.

ثمة دول أوروبية عديدة انتقلت من الضفة الشيوعية إلى الضفة الرأسمالية منذ مطلع الألفية الجديدة، تؤيد فكرة وحدة القارة بدلاً من الاتحاد كتكتل تفرض فيه الدول القوية شروطها على الدول الضعيفة. هذه الدول تحتفظ برصيد جيد من العلاقات مع روسيا وربما يولد الضغط عليها نزعة للانفصال عن الاتحاد الأوروبي وإبرام اتفاقيات اقتصادية ودفاعية مع موسكو.

ولا شك أن مخاوف تفكك الاتحاد الأوروبي تدفع ببروكسل إلى إعادة النظر في عدائها لموسكو. فالعلاقة الجيدة مع روسيا قد تمنعها من التحريض على انقسام التكتل وتفككه، سواء عبر التدخل في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في دول الاتحاد، أو عبر تعزيز العلاقات مع دول الاتحاد القريبة من موسكو.

ولم يعد خافياً على أحد، أن الولايات المتحدة ترغب بتفكك الاتحاد الأوروبي، أو بتعبير أدق ترامب هو من يريد ذلك، وهو من يحرض عليه سواء بدعمه طلاق لندن وبروكسل دون اتفاق، أو عرضه دعم الرئيس الفرنسي في خطوة انفصالية شبيهة بما فعله البريطانيون في استفتاء عام 2016.

حتى في حربه التجارية مع العالم، لم يمنح ترامب أي اعتبار لتحالف بلاده مع الاتحاد الأوروبي، وفرض الضرائب على دول الاتحاد وواصل تضييقه عليها لكي تبحث عن آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي مع “خصومه” الروس والصينيين، وبالتالي منح ترامب الأوروبيين دافعاً جديداً للتقارب مع موسكو.

لن يستطيع الأوروبيون تسوية عقود من النزاع البارد مع روسيا بغمضة عين، ولن تنتهي المراجعة الأوروبية التي يريدها الرئيس الفرنسي في العلاقات مع روسيا بسرعة، فتتحول الخصومة إلى صداقة تزهر تحالفاً ينهي القطبية الأميركية الوحيدة للعالم. لن يحدث هذا بأشهر ولكن إن واصل ترامب أنانيته التي يمارسها تحت شعار “أميركا أولا”، فسيبعث الدفء حتماً في عروق العلاقات الروسية الأوروبية الباردة.

9