روسيا المنتصرة أم المهزومة؟

السبت 2013/11/23

أبانت روسيا عن وجه مختلف بعد سقوط نظام معمر القذافي. فروسيا المسايرة التي تمتنع عن التصويت في جميع القضايا الدولية الخلافية، باتت تستسهل استخدام حق النقض «الفيتو» في مواجهة السياسات الغربية. وتبدو اليوم عرّابة التسوية السورية المفترضة في «جنيف2»، فهل بدأت تجني ثمار عنادها وصلفها المستجد؟

نحو 32 شهرا من عمر الثورة السورية، غيّرت وجه روسيا الاتحادية. فالأخيرة والتي كانت على هامش الصراعات الدولية الكبرى، باتت تصنف كقطب جديد مقابل لأميركا وأوروبا معا. قطب حقيقي مستعد للمجابهة السياسية والعسكرية إن اقتضى الأمر حماية لمصالحه ونفوذه الذي يعمل على توسيعه. هذا ما يعلنه أنصار روسيا في المنطقة، بل وحتى بعض أعداءها ومنتقديها المشدوهين من انتصابها المفاجئ كعقبة، كأداء وقاتلة أمام طموحات التغيير الديمقراطي لديهم.

وقد تبدّى شيء من هذا الصلف الإمبريالي الروسي في سوريا. إذ رفضت روسيا بعناد لافت الضغط على نظام الأسد لإحداث تغيير ملموس يفضي إلى انتقال ديمقراطي سلمي للسلطة. بل وقدمت كل أشكال الدعم للنظام، وذهبت بعيداً إلى حد ساد معه الاعتقاد، في مرحلة تصاعد العمل الثوري وتراجع النظام، بأنها تورطت بصورة لن تدع لها مهرباً أو منفذاً من دون هزيمة ساحقة أو خسائر فادحة.

لكن، وبعد عام على هذا الاعتقاد، يسود اليوم اعتقاد معكوس، يُقرُّ بحسرةٍ قاسية، بانتصار «الخيار الروسي»، بما هو صلف وعناد في دعم نظام الأسد رغم كل المجازر التي ارتكبها، وجلوس جميع الأطراف على طاولة الحوار «من دون شروط»، وكأن شيئا لم يكن.

والحال أن مناخ التسليم بدور روسيا في سوريا، حيث لا مفر من قبول خياراتها التفاوضية، قد فتح الباب واسعا أمام غرور وادعاءات لا تنتهي من جانب روسيا نفسها وعدد من حلفاءها، فهي مناسبة نادرة لإسباغ كلمات المديح على «الحكمة» الروسية، وعلى ثبات مواقف روسيا وصواب خياراتها.

لا يبدو أن تلك التقلبات في المزاج السياسي، بين تبخيس روسيا في البداية والتسليم بانتصارها اليوم، تلحظ المسار العام للصراع وللدورالروسي، لتجسّ بوضوح مدى صلابة الأرض التي ينتصب عليها «القطب الجديد»، وتختبر ذاك «النصر» الروسي المزعوم.

فروسيا وقفت في وجه التدخلات الغربية في سوريا، لسبب واحد وحيد، فهي «قطب جديد» حسب هذا المعسكر من المحللين. قد يضيفون إليه تراجع أميركا و»هزيمتها» في كل أصقاع الأرض وانهيارها الوشيك. ولا يقدم هذا الرهط من المحليين تفسيرا لعجز روسيا عن منع التدخل الغربي في ليبيا، وقد كان تدخلا عسكريا مباشرا وصريحا، في حين منعت حتى صدور قرارات تتصل بتعزيز العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد.

لاشك أن تغيّرات كبرى قد طرأت على التوازنات الدولية، كان منها نشاط روسي لافتا لتوسيع مناطق النفوذ، ما اضطرها لدخول مجابهات مختلفة. وتبدو القضية السورية أكثرها سخونة. لكن روسيا بقيت عاجزة عن دخول مجابهات في المسائل الكبرى التي تعني الولايات المتحدة. وليس امتناع روسيا عن التصويت في مجلس الأمن لشن عمل عسكري في ليبيا هو الوحيد الذي يعزز من فرضية أن روسيا هي قطب غير مكتمل النمو وعاجز عن المواجهة في القضايا الكبرى. فقضية الكيماوي السوري تُظهر كذلك هذا الأمر.

في قضية الكيماوي بان وجه أميركا كقطب وحيد، وبانت روسيا كقطب غير مكتمل، فما أرادته أميركا حصلت عليه في ساعات فقط بصورة أولية، وفي أيام قليلة بصورة تفصيلية. هكذا يبدو العناد الروسي، في جزء منه، هو نتاج اللامبالاة الأميركية أيضا، من دون إسقاط اتساع نفوذ ودور روسيا.

كما يمكن المجادلة بما يخص انتصار خيارات روسيا السياسية، التي دعت إلى جمع النظام والمعارضة على طاولة المفاوضات «من دون شروط». هنا يمكن أن نتذكر المبادرة العربية الثانية في مطلع عام 2012، التي نصت على حكومة وحدة وطنية تشارك فيها السلطة والمعارضة. المبادرة تبنّت حلا سياسيا يشارك فيه النظام القائم، ولم تطرح فكرة تنحي الأسد بشكل مسبق للشروع في التفاوض، واقترحت كما يقترح جنيف تماما:»حكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات». هنا كانت تقف الثورة السورية وحلفاءها، عند عتبة الحل السياسي دون شروط.

في 4 شباط 2012، استخدمت روسيا حق النقض «الفيتو» ضد مشروع القرار العربي الذي يدعم تلك المبادرة العربية «دون شروط» لمرحلة انتقالية في سوريا.

لقد دفع «الفيتو» الروسي قوى الثورة إلى التصعيد العسكري، والتموضع في خانة الحل العسكري أو تنحي الأسد قبل بدء الحوار. ومن أجل ذلك خيضت معارك عسكرية كبرى شهدت إحراز قوى الثورة انتصارات تاريخية غيّرت وجه سوريا ودحرت النظام من مناطق شاسعة من البلاد. كانت جولة صاخبة من الصراع المدمر دفعت روسيا للتقدم خطوة باتجاه الحل السياسي لتقف على عتبة المبادرة العربية التي كانت قد رفضتها دعما للأسد وخياراته العدمية قبل أشهر فقط. أي أنها وفي «جنيف1» قبلت بنقل السلطة إلى حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات دون مشاركة الأسد ومن دون تنحيه مسبقاً. قبلت إذن بالمبادرة العربية الثانية التي رفضها النظام ورفضتها معه.

بتطبيق بنود «جنيف1»، تكون الثورة السورية الشعبية، بمكونيها السلمي والعسكري قد انتصرت. ربما هذا ما يمنع تطبيقها حتى الآن. إذ لم تسلّم روسيا بالهزيمة بعد.


كاتب فلسطيني

8