"روسيا اليوم" سلاح بوتين الإعلامي لاستمالة الغرب والشرق

الثلاثاء 2014/11/11
بوتين قادر على عرض مستقبل للبشرية من خلال الدعاية والتسويق الإعلامي

لندن – قناة روسيا اليوم، نافذة الرئيس الروسي على الغرب والشرق على حد سواء، تعكس في برامجها وحواراتها، وتغطيتها الإخبارية الموجهة، سياسة الكرملين، وتغذي الأصوات الغاضبة من السياسات الغربية، باستمالتها ورفع حدتها.

تُبرز الملصقات على اللوحات الإعلانية البريطانية، والتي تعرض إعلانات دعائية لتسويق قناة “روسيا اليوم”، فكرة واضحة عن حجم الجهد الذي يبذله، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سبيل ألا يدرك متابعوها أنهم يشاهدون قناة تتّبع الخط السياسي للكرملين خطوة بخطوة.

يتابع نيك كوهين في مقاله في جريدة الغارديان البريطانية، “ليس من المستغرب أن يستمتع الكرملين بتسريب الدعاية التلفزيونية إلى العالم، بحكم ضمانه تقبل الجماهير لها”، ويضيف أن فلاديمير بوتين يمثّل الشرطي الفاسد العالمي، فهو يبحث عن بذرة الفساد في كل بلد، ويبادر بتغذيتها. كما يقوم، في بعض المناسبات، باستغلال السخرية وجنون العظمة في وقت واحد، ويختار في أحيان أخرى، أن يخزنها لاستخدامها في وقت لاحق، إلّا أنه غالبا ما ينشر الفساد بنجاعة وسرعة كبيرتين لأنه يتقن ذلك.

وفي الواقع تثير قناة “روسيا اليوم”، المقربة من الكرملين انتقادات واسعة، في الغرب كما في الشرق، فلا يخفى على المتابع تسويقها لسياسة بوتين، وخطابها الذي يحاول رسم صورة عن روسيا اليوم. ويصف ديفيد ريمنيك، من صحيفة النيويوركر، روسيا اليوم بأنها تتسم “بدهاء رائع” يخوّل لها تعزيز “الاستياء من التفوق الغربي والاستياء من المثالية والأخلاقيات التي ألهمت الرؤيا الغربية”.

كما أن خطابها التحريري منحاز بشكل واضح للسياسات الروسية في الشرق الأوسط، فهي تعالج الملف السوري بطريقة تتوافق تماما مع سياسات موسكو، وكذلك الحال مع إيران وأفغانستان، وهو ما أدى إلى اعتراض بعض العاملين في القناة على هذه السياسة، فقدم الإعلامي السوري يحيى العريضي، استقالته من القناة، قائلا إن “أسبابا موضوعية وذاتية تقف وراء قراره بالاستقالة من قناة “روسيا اليوم” الناطقة باللغة العربية، تتمثل في خروج القائمين على القناة عن الهدف الأساسي الذي أقيمت من أجله وهو تجديد العلاقات العربية الروسية وتطويرها والبناء عليها وذلك بعد فشل كل محاولاتي لتصحيح مسارها وتأدية رسالتها كما يجب أن تكون”.

نيك كوهين: بوتين يتمتع بأفضل دعاية يمكن لأي دولة شراؤها

ويقول ريتشارد سامبروك المدير السابق لـ”بي بي سي”، ومدير مركز الصحافة في جامعة كارديف، إنه “من المنظور التحريري فإن موقف القناة واضح، وهو أنها تسير وفق أجندة الكرملين”.

تغذي “روسيا اليوم”، الجمهور الغربي، الذي يؤمن بأن حقوق الإنسان خدعة وأنّ الديمقراطية وهم، وتحاول تصوير إذا اقتنعت فعلا بذلك، فعليك أن تتساءل: بأي حق نقوم بانتقاد بوتين؟ على الأقل، هو صادق على طريقته. كما تحارب في برامجها، ما يسمى “الحلم الأميركي”، عبر برامج وحوارات تكشف الآسن، ومظاهر الفساد في الولايات المتحدة.

تتمثّل ثاني مهام روسيا اليوم في نشر نظريات المؤامرة التي تساعد السلطة الروسية وتوفّر قصصا مثيرة تشد الجمهور، بكل ما في الكلمة من معنى. فإذا سمعت أن الأوكرانيين الذين يعارضون بوتين هم فاشيون، وأن هناك أرضا تسمى “novorossiya” في جنوب شرق أوكرانيا تنتمي تاريخيا إلى موسكو، أو أن الأسد لم يستعمل قنابل الغاز ضدّ السوريين، فإنّ هذه الإدعاءات قد انطلقت حتما من قناة روسيا اليوم.

وفي الوقت الذي تفصل فيه المنظمات الإخبارية ذات السمعة الطيبة، على غرار الـ “بي بي سي” والنيويورك تايمز، المراسلين الجديرين الذين يحاولون جاهدين نقل الحقائق، تنجح قناة “روسيا اليوم” في مدّ جذورها بشكل متواصل، كما أن بوتين بصدد تعزيز ميزانية القناة البالغة 300 مليون دولار بنسبة 40 في المئة، ممّا سيجعل قريبا حجم مواردها من حجم موارد الفوكس نيوز التلفزيونية. ولكن بينما تخدم قناة فوكس الأذواق الخاصة لليمين الأميركي، تملك قناة “روسيا اليوم” طموحات عالمية، إذ تبثّ القناة برامج باللغات الإنكليزية والعربية والأسبانية ويمكنها الوصول إلى 600 مليون شخص، ويدعي مسؤولو القناة أن حسابها على اليوتيوب قد تجاوز المليار متابع، وهي تعتزم إضافة قنوات باللغتين الألمانية والفرنسية.

بالرغم من الافتراضات التي تصوّر بوتين كزعيم منبوذ لبلد تنهار بنيته السكانية تدريجيا وتعاني فيه المافيا الاقتصادية من الركود، فإن بوتين يتمتع بأفضل دعاية يمكن لأي دولة شراؤها، وكل من يتجرّأ على كتابة مقال ناقد له سرعان ما يكتشف ثمن إزعاج جلالته. وقد كشف موقع buzzfeed أنّ الدولة الروسية تموّل مجموعة واسعة من الناشطين على شبكة الإنترنت الذين يقتصر دورهم على نشر تعليقات مسيئة وبذيئة تجاه الأخبار المعادية للنظام الروسي.

ويواصل كوهين، الذي يمثل التيار الإعلامي الغربي السائد، والهادف إلى شيطنة روسيا، وحصار المنافذ الإعلامية التي تحاول التسلل منها في الغرب، بالقول، تخيل لو قامت روسيا اليوم، بدلا من السعي إلى بث الدعاية لصالح بوتين، ببثّ فكرة أن بريطانيا هي أسوأ من الدكتاتورية. قد توافق مع مثل هذه الدعاية الخرقاء، لا سيما إذا كنت تشارك في حملة من أجل تغيير مجتمع غير كامل ولكنه حر ومزدهر، وإن كنت تدرك أهمية المبالغة في جذب الانتباه.

في بعض الأحيان، يمر صحفيو القناة بنوع من أزمات الضمير، على غرار سارة فيرث مراسلة “روسيا اليوم” المستقرة بلندن، التي استقالت بسبب أكاذيب القناة بشأن الرحلة mh17، ولكن من الممكن دائما العثور على البدلاء بين صفوف اليائسين وعديمي الضمير.

لا أحد يعتقد أن بوتين قادر على عرض مستقبل للبشرية، ولكن مرونته ما بعد الشيوعية وما بعد الحديثة تعني أنّه لن يفتقر إلى الشركاء في حال رغب في القيام بصفقة. أليكس سالموند هو أحد المعجبين به لأنّ تفكك بريطانيا يبقى في مصلحة روسيا. كما لجأ إليه كلّ من نيجيل فاراجى ومارين لوبن وسائر زعماء اليمين المتطرف الأوروبي لأنه يشاركهم حقدهم على الاتحاد الأوروبي. ورغم تحالفه مع ما كان يسمى بالفاشية الحديثة، فإنه يتمتع بمساندة الشيوعية القديمة في ألمانيا، على غرار جورج غالوي وجوليان أسانج، لأنّ معارضته للغرب تتفوق على معاداته للفاشية من وجهة نظرهم.

18