روسيا تحارب الأخبار الكاذبة أم الأخبار المحرجة

السلطات تتجه لتغريم وسائل الإعلام ما يصل إلى 127 ألف دولار إذا ما قامت بنشر معلومات مضللة حول تفشي المرض.
الجمعة 2020/04/03
ملاحقة مستمرة للأخبار

موسكو – تقوم السلطات الروسية بحملة حكومية واسعة النطاق ضد ما وصفته بـ”الأخبار المزيفة” حول الوباء، وبدأ المشرعون في استهداف حملات التضليل بقوانين مشددة، بينما تواجه موسكو اتهامات غربية بنشر مثل هذه الأخبار.

وسارع المشرعون لإقرار مشروع القانون في يوم واحد، الثلاثاء، وهو يتضمن غرامات تصل إلى 25 ألف دولار والسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات لأي شخص ينشر “معلومات خاطئة”، بعد أن تحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن الحاجة إلى مواجهة “الاستفزازات والثرثرة الغبية والأكاذيب الخبيثة” حول تفشي المرض.

وسيتم تغريم وسائل الإعلام ما يصل إلى 127 ألف دولار إذا ما قامت بنشر معلومات مضللة حول تفشي المرض.

وبدأت حملة التضليل منذ حوالي شهر، عندما كان عدد الحالات في روسيا لا يزال في خانة الأرقام الأحادية. لكن شعار الكرملين بأن “كل شيء تحت السيطرة” أثار تكهنات بأن السلطات ربما تخفي أو تفشل في الإبلاغ عن حجم تفشي المرض بما يتماشى مع تقاليد الحقبة السوفيتية المتمثلة في إخفاء الحقائق المحرجة.

وتم تحديد مجموعة واسعة من التدابير وإنشاء قسم خاص “للأخبار المزيفة” في فرقة العمل المعنية بفايروس كورونا في الحكومة. وتم تشكيل مجموعة داخل لجنة التحقيق الروسية لملاحقة المعلومات المضللة المزعومة.

 كما أصبح مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الذين شككوا في الأرقام الرسمية ووسائل الإعلام التي تشكك في رد الحكومة أهدافا لهيئات إنفاذ القانون التي تسعى إلى التخلص من أي شيء لا يتوافق مع البيانات الرسمية.

ويرى المحلل السياسي الروسي فاليري سولوفي في تصريحات لأسوشييتد برس أن “في الأزمات، يحاول من هم في السلطة جاهدين التحكم في المعلومات ودفع أجندتهم الخاصة. وبالطبع، من المنطقي إلغاء وجهات نظر بديلة”.

ووجدت الوكالة ما لا يقل عن تسع قضايا ضد روس عاديين متهمين بنشر “معلومات غير صحيحة” على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر تطبيقات المراسلة، مع تلقي ثلاث منها على الأقل غرامات كبيرة.  ولم تقدم تصريحات الشرطة سوى تفاصيل قليلة ولكنها أشارت بوضوح إلى أن المتورطين كانوا يشاركون آراء أو إشاعات فقط، بدلا من نشر المعلومات الخاطئة عن عمد.

"كل شيء تحت السيطرة" جملة تعتمدها الحكومة تتماشى مع تقاليد الحقبة السوفيتية المتمثلة في إخفاء الحقائق المحرجة

ويقول المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إنها “مبررة تماما”. وأضاف “حملات التضليل تثير توترات لا مبرر لها، وفي هذه الحالة يجب أن يعاقب عليها وفقا للقانون”.

 وتناسب سياسة قمع حرية التعبير نمطا حديثا. حيث في السنوات الخمس الماضية، حوكم المئات من الأشخاص بتهمة التطرف لنشر أو مشاركة المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي حول مواضيع حساسة مثل الفساد والصراع مع أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم عام 2014 ودور الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وحصل العشرات على أحكام بالسجن.

 وفي عام 2018، أقر بوتين بأن مقاضاة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تتحول أحيانا إلى “حماقة وسخافة”، وقام بتخفيف اللوائح. وقال دامير غاينوتدينوف، وهو محام حرية الإنترنت لدى مؤسسة “أغورا”، وهي مؤسسة قانونية بارزة في روسيا، إن مثل عمليات الاصطياد على الإنترنت هذه قد تلاشت منذ ذلك الحين.  لكن هذا الفراغ تم ملؤه بسرعة مرة أخرى بحملة صارمة على أولئك الذين يهينون المسؤولين أو ينشرون ما يسمى بـ”الأخبار المزيفة” على الإنترنت.

وقال غاينوتدينوف “أعتقد أنه في المستقبل القريب، سنشهد نموا سريعا للحالات المتعلقة بنشر المعلومات المضللة، حيث تحاول السلطات قمع أي معلومة غير رسمية حول فايروس كورونا“.

 وجاءت محاولة كبح حالات التضليل المزعوم في الداخل بعد أن اتهمت روسيا مرة أخرى بنشرها في الخارج. حيث حدد الاتحاد الأوروبي مؤخرا ما يقرب من 80 حالة تضليل متعلقة بالفايروس في الشهرين الماضيين.

 ويأتي هذا أيضا بعد اتهامات أجهزة المخابرات الأميركية بأن روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية لعام 2016 من خلال نشر معلومات كاذبة عبر الإنترنت، وهو الاتهام الذي نفاه الكرملين.

 وقال مارك جاليوتي، الخبير الروسي في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن شن حملات التضليل في الغرب نابع من الرغبة نفسها في السيطرة على السرد العام.

 وأضاف أنه بالنسبة للكرملين، “لا يوجد ما يسمى بالسرد الموضوعي. لذلك، بالنظر إلى أن رواية شخص ما هي التي ستنتصر، بالطبع، تريدها أن تكون روايتك وليس رواية شخص آخر”. ويجادل منتقدو الكرملين بأن جهوده لخنق الأصوات البديلة خلال أزمة الوباء من غير المرجح أن تنجح.

 وتصدرت الدكتورة أناستاسيا فاسيليفا، التي تعمل مع أحد أقطاب المعارضة، أليكسي نافالني، وتقود اتحاد تحالف الأطباء، عناوين الصحف في الأسابيع الأخيرة لتكشف عن نظام الرعاية الصحية المتداعي الذي يعاني من نقص التمويل في روسيا. وأخبرت فاسيليفا وكالة أسوشييتد برس بأنها تلقت اتصالا من الشرطة بشأن نشر معلومات كاذبة في مدونتها على موقع يوتيوب.

وقالت فاسيليفا “سيتعين عليهم إثبات أنني كاذبة، لذا دعهم يثبتون ذلك. إنهم يريدون إخافتي من أجل إيقاف الآخرين. لكن الحقيقة لن تتغير بسبب ذلك”.

وحتى عندما تحركت روسيا للسيطرة على مسار الأمور أثناء تفشي المرض، فإن بعض الأخبار المحرجة لا تزال تخرج إلى النور. والثلاثاء، ورد أن الدكتور دينيس بروتسينكو، رئيس أكبر مستشفى في موسكو لمعالجة مرضى فايروس كورونا، أُصيب بالفايروس. وذلك بعد أسبوع فقط من زيارة بوتين للمستشفى وتم تصويره وهو يصافح بروتسينكو.

 وحاول بيسكوف أن يؤكد للبلاد أن بوتين على ما يرام. وقال “إنه يخضع للاختبار بانتظام”. وأضاف “كل شيء على ما يرام”.

18