روسيا تستثمر الغياب الأميركي لتستعرض عضلاتها في الشرق الأوسط

موسكو تقوي علاقاتها مع الحلفاء التقليديين لواشنطن ونفوذها مقيّد لا يقدر على تعويض الولايات المتحدة.
الخميس 2019/01/24
بوتين يصطاد هدايا ترامب

غذى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من سوريا أو من أفغانستان مطامع روسيا في المزيد من لعب أدوار رئيسية في منطقة الشرق الأوسط تؤهلها مستقبلا لكي تصبح اللاعب رقم واحد في هذه المنطقة الاستراتيجية، خاصة بعدما عملت موسكو في الأشهر القليلة الماضية بالتوازي مع العديد من التطورات على تقوية علاقاتها مع العديد من الدول العربية التي كانت ضمن قائمة حلفاء واشنطن طيلة عقود، وتحديدا منذ فترة الحرب الباردة.

واشنطن - عملت روسيا في السنوات الأخيرة على تقوية علاقاتها مع الحلفاء العرب التقليديين للولايات المتحدة، حيث سعت منذ التحوّلات التي رافقت عام 2011 إلى الاندماج في المشهد السياسي في الشرق الأوسط لتعزيز دورها كصاحبة قوة ونفوذ إقليمي.

وراهنت روسيا وفق العديد من المحللين على حدوث العديد من المتغيرات في المنطقة والتي يعتقد البعض منهم أنها فاجأت الولايات المتحدة، ما جعل الأخيرة غير قادرة على الإمساك بزمام الأمور أو المحافظة بالطريقة المثلى حتى على أهم حلفائها العرب في المنطقة.

وأسهمت سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال منطقة الشرق الأوسط والتي تثير الكثير من الجدل في الولايات المتحدة في إشعال الضوء الأخضر لروسيا كي تقوي نفوذها في المنطقة بل ولكي تستعرض عضلاتها أيضا، خاصة عقب قرار ترامب المفاجئ والمتمثل في سحب قواته من الأراضي السورية.

مارك كاتز: الروس مستعدون للعمل مع الحلفاء العرب التقليديين للولايات المتحدة
مارك كاتز: الروس مستعدون للعمل مع الحلفاء العرب التقليديين للولايات المتحدة

وتشير صحيفة وول “جورنال ستريت” الأميركية إلى أنه منذ تدخل روسيا في الحرب السورية عام 2015، لدعم الرئيس بشار الأسد، أقامت موسكو علاقات اقتصادية قوية مع المملكة العربية السعودية، وزادت في صفقاتها التجارية مع قطر وحققت مبيعات تصل إلى مليارات الدولارات من الأسلحة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتضيف أنه في مصر، زرع الكرملين علاقات وثيقة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي يملك علاقات معقدة مع حلفائه الأميركيين.

ويستدل العديد من المراقبين ومن بينهم تقرير الصحيفة الأميركية على تبدّل العلاقات الروسية العربية وتوجهها نحو الازدهار، بالمصافحة التي جمعت في نوفمبر 2018 ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وذلك خلال اجتماع مجموعة العشرين في بوينس أيرس. وفي تلك الفترة واجهت المملكة العربية السعودية معارك تم فيها توظيف قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية المملكة في إسطنبول خاصة من قبل تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، حيث أشارت المصافحة إلى استعداد موسكو لأن تكون صديقة للبلدان العربية دون انتقاد سياساتها.

وبالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة العرب، فإن الدور الإقليمي الصاعد لروسيا يوفر سياجا ضد علاقتهم بالرئيس ترامب، الذي تحدث عن رغبته في الانفصال عن الشرق الأوسط، بما في ذلك قراره سحب القوات الأميركية من سوريا.

ويقول المحللون إنّ بوتين متلهف للاستفادة من الشقوق بين واشنطن وحلفائها، في محاولة لتصوير موسكو كوسيط في المنطقة.

وقال مارك كاتز، أستاذ في جامعة جورج ماسون الأميركية وأخصائي في العلاقات الروسية في الشرق الأوسط “إنهم مستعدون للعمل مع الحلفاء التقليديين لأميركا والاستفادة من أي احتكاك بينهم وبين الولايات المتحدة. كما يحاولون ألا يكونوا المسؤولين الأساسيين عن أمن المنطقة مثلما كانت الولايات المتحدة”.

الاستثمار في الملف السوري

Thumbnail

دعّم التدخل في سوريا علاقات موسكو مع إيران وحلفاء روسيين آخرين في المنطقة، بما في ذلك الحكومة اللبنانية وحزب الله. حتى أنّ تركيا، وهي قوة إقليمية مساندة للمعارضة السورية، أصبحت تتمتع بعلاقات جيدة مع روسيا. كما يعمل الكرملين على زرع روابط لإسرائيل مع فصائل سياسية فلسطينية وليبية.

لم يكن نفوذ روسيا في أي مكان أكثر وضوحا مما هو عليه في السعودية، التي كانت في السابق خصما لها في الحرب الباردة، وداعمة للثورة السورية ضد نظام الأسد.

ورفضت روسيا في إطار سياستها الجديدة الساعية للتوسع في منطقة الشرق الأوسط الانسياق في حروب توظيف قضية الصحافي خاشقجي أو انتقاد المملكة العربية السعودية. وذلك على عكس مجلس الشيوخ ومجتمع الاستخبارات الأميركي الذي ألقى اللوم على المملكة، في وقت عبّر فيه الرئيس ترامب عن دعمه لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن موسكو تنظر إلى جهود الرياض للتحقيق في مقتل الصحافي “بصفة إيجابية”، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء “تاس” التابعة للدولة.

ويقول روبرت جوردان، سفير الولايات المتحدة السابق في المملكة العربية السعودية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش “أعتقد أن السعوديين أصبحوا يشعرون بالقلق من أن يحاسبهم الرؤساء والمشرعون الأميركيون حول سياساتهم في حقوق الإنسان. ويبدو أن الروس لم يهتموا كثيرا بهذا الأمر”. ولم ترد الحكومة السعودية على طلب للتعليق.

وفي ملف مشابه، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عند الحديث عن النزاع الدبلوماسي بين السعودية وكندا بشأن اعتقال مجموعة من النشطاء المدنيين في المملكة، إنّ روسيا تدعو إلى “الامتثال لحقوق الإنسان العالمية مع أخذ العادات والتقاليد الوطنية، التي تطورت في بلد معين على مدى فترة طويلة من الزمن، بعين الاعتبار”. وتعتبر موسكو “تسييس قضايا حقوق الإنسان غير مقبولة”.

ويعتبر تعزيز العلاقة المتنامية بين روسيا والسعودية مصلحة مشتركة في تنظيم أسعار النفط العالمية. حيث واجه كلا البلدين أزمة عندما انهار سعر النفط في 2014، وفي 2016 توصل الطرفان إلى اتفاق لخفض الإنتاج، مما يجعل روسيا شريكة رئيسية في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تهيمن عليها السعودية.

ويقول المحلل السياسي السعودي، محمد اليحيى، إنّه يتعين على السعوديين، وغيرهم من دول الخليج التعامل، مع الروس لتعزيز مصالحهم الاستراتيجية.

كما تتوسع علاقات اقتصادية أخرى. ففي 2015، أعلن صندوق الاستثمار العام التابع للحكومة السعودية عن عزمه على استثمار 10 مليارات دولار في الاقتصاد الروسي من خلال شراكة مع صندوق الاستثمار المباشر للبلد. وتضاعفت التجارة بين روسيا والمملكة العربية السعودية لتصل إلى 915.2 مليون دولار في 2017، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية الروسية. وكانت معظم صادرات روسيا إلى السعودية زراعية، في حين أن المملكة أرسلت إلى روسيا منتجات صناعية كيميائية.

صعوبة تعويض واشنطن

Thumbnail

رغم ما حققته موسكو من توطيد لعلاقاتها بدول منطقة الشرق الأوسط، فإن نفوذها في المنطقة سيكون مقيّدا، حيث لا تزال القوة العسكرية والاقتصادية الروسية تابعة للولايات المتحدة، مما يصعب على موسكو أن تحل محل واشنطن في الشرق الأوسط، كما يشير المحللون.

ولم تتمكن الدول العربية وفي مقدمتها السعودية بعد من اختبار شراكتها الجديدة مع روسيا وذلك على عكس التحالف السابق مع الولايات المتحدة الذي يعود إلى بدايات الحرب الباردة.

وينشغل الروس بتقديم وفعل ما في وسعهم لنشر نفوذهم وتعزيز مصالحهم من خلال العمل مع حكومات عدة في المنطقة. فعلى سبيل المثال، قامت قطر ببناء مصالحها التجارية مع الكرملين في السنوات الأخيرة. وقد أصبحت العلاقة بين البلدين أكثر أهمية بعد أن فرضت دول خليجية مقاطعة اقتصادية على قطر في 2017.

ويمتلك صندوق الثروة السيادية القطري الآن حصة نسبتها 20 بالمئة تقريبا، في شركة النفط الحكومية الروسية روسنفت. وفي 2017، وقعت قطر وروسيا اتفاقيات تخدم التعاون العسكري بينهما.

وفي الوقت نفسه، عملت قطر على إبقاء تحالفها الأميركي قويا، حتى أنها انسحبت من منظمة أوبك في محاولة لإرضاء ترامب، المنتقد للمنظمة. كما تستضيف قطر قاعدة عسكرية أميركية كبيرة وتعتمد على الولايات المتحدة للحماية من جيرانها.

تمتلك الدول العربية الآن توازنا في محاولة إبقاء موسكو وواشنطن راضيتين. يقول كاتز “ليس الأمر كما كان في الحرب الباردة، عندما كان لدى روسيا حلفاء، وكان لدينا حلفاء آخرون”.

وتشير كل التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، إلى أن الأبواب باتت مفتوحة على مصراعيها لخلق موسكو سياسات وتوازنات جديدة، خاصة مع وصول السياسات الخارجية الأميركية إلى مرحلة الفوضى في المواقف خاصة منذ أن وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة، حيث يتهمه معارضوه بأنه يقود الولايات المتحدة إلى المجهول عبر اتخاذه قرارات خارجية خاصة في منطقة الشرق الأوسط قد منحت روسيا فرصا كثيرة لرسم خارطة جديدة تريد أن تكون فيها اللاعب الأساسي.

6