روسيا تسعى لتطوير سياستها الخارجية المتعلقة بالعراق ضمن استراتيجية لتوسيع النفوذ

موسكو تطمح لزيادة استثمارات شركاتها العملاقة في مجال الطاقة إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2025.
الأحد 2019/10/13
العراق شريك اقتصادي رئيسي

كثفت روسيا، بعد نجاحها في بناء قاعدة سياسية استراتيجية لها في سوريا، من أنشطتها الدبلوماسية في المنطقة بشكل ملحوظ، باعتبار الأهمية الاستراتيجية للمنطقة والاضطرابات المتزايدة التي تشهدها، في مسعى منها لتدعيم سياستها السورية حتى تطلّ من خلالها على العالم العربي وحوض البحر المتوسط.

موسكو - كشفت مصادر دبلوماسية في العاصمة الروسية أن الحكومة الروسية تخطط لتطوير سياستها الخارجية المتعلقة بالعراق ضمن استراتيجية لتوسيع النفوذ الذي تمتلكه موسكو في المنطقة.

ونقل عن هذه المصادر أن روسيا التي بنت قاعدة سياسية استراتيجية لها في سوريا تطل من خلالها على العالم العربي وحوض البحر المتوسط، تسعى لتدعيم سياستها السورية من خلال تمدد يطال دول الجوار السوري، لبنان والأردن والعراق، بعد أن استطاعت ترتيب علاقاتها مع تركيا.

ويعتبر خبراء في الشؤون الاستراتيجية أن روسيا تعتمد مقاربة حذرة في علاقاتها مع العراق، آخذة بعين الحسبان المصالح الكبرى المتنافسة للولايات المتحدة وإيران في هذا البلد.

ويضيف هؤلاء أن موسكو لا تريد منافسة واشنطن داخل بلد ما زالت روسيا لا تعتبر العلاقة معه استراتيجية، كما أنها لا تريد أن تثير أي حساسية لدى إيران جراء أي مناورة روسية في العراق قد تعتبرها طهران تواطؤا روسيا أميركيا لتقليص نفوذها في هذا البلد، خصوصا أن منابر في طهران كانت قد لمحت إلى تقاطع روسي أميركي إسرائيلي لتقويض النفوذ الإيراني في سوريا.

وتنطلق المقاربة الروسية على أساس سيطرتها الكاملة على سوريا وتحكمها بالمسارات التي ستحدد عناوين التسوية المقبلة، بمعنى أن موسكو لن تقتحم مجالات إقليمية قد تتسبب لاحقا في تقديم تنازلات في سوريا. ويلاحظ المراقبون أن تطور علاقات موسكو مع بغداد، كما مع بيروت وعمّان، بقي تجريبيا موضعيا لم يرق إلى مستوى المقاربة الاستراتيجية الشاملة.

ورصد مراقبون مستوى الحذر الذي واكب زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى بغداد وأربيل قبل أيام.

المقاربة الروسية تنطلق على أساس سيطرتها الكاملة على سوريا وتحكمها بالمسارات التي ستحدد عناوين التسوية المقبلة، بمعنى أن موسكو لن تقتحم مجالات إقليمية قد تتسبب لاحقا في تقديم تنازلات في سوريا

وتعود آخر زيارة له إلى العاصمة العراقية إلى 5 سنوات، فيما تعتبر زيارته إلى إقليم كردستان هي الأولى لشخصية روسية بمستوى وزير خارجية.

وسعى لافروف الذي تزامنت زيارته مع موجة التظاهرات التي اندلعت في بغداد ومدن عراقية أخرى، إلى تجنب اتخاذ أي موقف متعلق بالوضع الداخلي، منصرفا إلى تكثيف اجتماعاته في اليوم الواحد الذي استغرقته زيارته إلى بغداد، والتي شملت جميع الشخصيات الرئيسية في الحكومة العراقية: الرئيس برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، ووزير الخارجية محمد الحكيم.

والظاهر أن موسكو في تجنبها التعاطي في الشؤون السياسية الحساسة المرتبطة بالشأن العراقي، تعمل على قطف ثمار اقتصادية تتيحها سوق العراق أمام الشركات الروسية.

وقد رافق لافروف وفدٌ من رجال الأعمال، من بينهم ألكساندر ديوكوف، مدير شركة غازبروم نفت، والرئيس التنفيذي لشركة سويزنفتغاز، يوري شافرانيك، وممثلون عن الخدمة الفيدرالية للتعاون التقني العسكري ومسؤولون من شركة النفط الروسية العملاقة روسنفت وتكنوبرومكسبورت، وهي شركة هندسية روسية تبني منشآت طاقة في روسيا والخارج، بما في ذلك محطات توليد الكهرباء وخطوط الكهرباء ومحطات الكهرباء.

وتقول إحصاءات روسية إن حجم التجارة بين الدولتين ما زال دون المستوى المطلوب وأنه ارتفع إلى 1.4 مليار دولار في عام 2017 لكنه انخفض إلى حوالي نصف ذلك في عام 2018.

غير أن موسكو تعتبر أن العراق هو أحد الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين لروسيا في الشرق الأوسط، ويرجع ذلك في معظمه في مجال التعاون العسكري والطاقة.

وتلفت مصادر روسية إلى أنه على الرغم مما تمتلكه الولايات المتحدة من نفوذ في العراق ومن قدرة على الضغط لتقليص تعاملات بغداد التجارية مع موسكو، إلا أن العراق احتل المرتبة الثانية في عام 2014 كمشتر عالمي للأسلحة الروسية بحوالي 11 بالمئة من جميع صادرات الأسلحة الروسية. كما أن النفوذ الأميركي لم يعرقل التعاون في تجارة النفط والغاز.

ويطمح الروس إلى زيادة استثمارات شركاتهم العملاقة، في مجال الطاقة خصوصا، إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2025. وأعربت شركة غازبروم نفت عن اهتمامها بحقل المنصورية النفطي ودُعيت للمشاركة في مناقصة لهذا المرفق. ووقع العراق اتفاقية مع شركة سترويترغاز لتطوير حقل للغاز في محافظة الأنبار، رغم أن المشروع لم ينفذ بعد.

وخططت سترويترغاز لبناء خط أنابيب للنفط من كركوك إلى الموانئ السورية عبر الأراضي العراقية والسورية. وتمتلك الشركة حاليا عقد إيجار مدته 49 عاما لإدارة ميناء طرطوس السوري.

وتأتي جهود روسيا الاقتصادية مع بغداد مواكبة لتلك المبذولة مع إقليم كردستان. فقد سبق لروزنفت أن وقعت مع حكومة الإقليم متجاهلة اعتراضات الحكومة المركزية في بغداد.

الزيارة الأولى من نوعها
الزيارة الأولى من نوعها

وعمل لافروف في زيارته الأخيرة للإقليم على الإشادة بالعلاقات الجيدة حاليا بين أربيل وبغداد. وقد حضر سفير العراق في روسيا حيدر منصور هادي أيضا اجتماعات الوزير الروسي في كردستان، ما يدل على استعداد موسكو للحفاظ على الشفافية في علاقاتها مع بغداد.

غير أن مراقبين في العراق يعتبرون أن روسيا تسعى لتثبيت موطئ قدم لها في العراق يعزز سياستها الإقليمية في المنطقة.

ويرى هؤلاء أن موسكو تعتبر أن العراق هو بلد استراتيجي مهم بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية في العالم، وأن البلد يلعب دورا أساسيا في تحديد مستويات الأحجام الراهنة كما المستقبلية المتعلقة بنفوذ إيران والولايات المتحدة.

ويكشف المراقبون أن بغداد لمست في السنوات الأخيرة عزما روسيا على تطوير السياسة الروسية في العراق على نحو يتجاوز تفاصيل العقود الاقتصادية.

وتتحدث بعض التقارير عن حاجة بغداد إلى تطوير سياساتها حيال روسيا ضمن الحاجة إلى الانفتاح على دول أخرى تتجاوز علاقة بغداد المثيرة للجدل مع طهران من جهة وواشنطن من جهة أخرى. غير أن أوساطا سياسية عراقية تعتبر أن العراق وحتى إشعار آخر خاضع لأجندة إيران والولايات المتحدة.

وفيما يعتبر بعض المراقبين بأن الانفتاح العربي والخليجي على العراق يتكامل مع السياسة الأميركية مع بغداد، يستبعدون أن تبني موسكو سياستها مع العراق على أساس التكامل مع الأجندة الإيرانية في ما يخص العراق.

ويخلص هؤلاء إلى أن اتفاقا على توازن روسي أميركي في سوريا، سيقود حكما، وبنسب متفاوتة، إلى إنتاج توازن أميركي روسي في العراق للتعامل مع الحالة الإيرانية كما يجري أمر ذلك بأشكال وواجهات مختلفة في سوريا.

4