روسيا تقتحم السباق الاقتصادي إلى الفرص الأفريقية الواعدة

موسكو أمام اختبار "تغيير العقلية" لتعزيز المبادلات والاستثمارات مع دول القارة.
الخميس 2019/10/24
طريق حرير على الطريقة الروسية

تزايدت المؤشرات على عزم روسيا دخول السباق العالمي إلى أفريقيا بهدف اللحاق بركب القوى الاقتصادية الكبرى الناشطة هناك في ظل تأكيد الخبراء على أن أفريقيا أصبحت قبلة لرؤوس الأموال بفضل الفرص الكبيرة، التي تعد بها القارة العطشى لجميع أنواع الاستثمارات.

سوتشي (روسيا) - كشفت روسيا عن نيتها بناء “طريق حرير” خاص بها إلى أفريقيا أسوة بالمنافسين التقليديين لها في العالم، بفضل مناخ الأعمال الذي بدأ يحظى به عدد من دول القارة خلال السنوات الأخيرة.

وتنشط في القارة قوى اقتصادية تقليدية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فضلا عن القوى الصاعدة وفي مقدمتها الصين والهند والبرازيل.

وبانعقاد أول قمة اقتصادية بين روسيا وأفريقيا في مدينة سوتشي أمس يبدو أن خطوة تعزيز الروابط الاقتصادية واستكشاف فرص الاستثمار بين الطرفين باتت ممكنة أكثر من أي وقت مضى.

ويقول اقتصاديون إن هذا الأمر يؤشّر على مرحلة جديدة تتسم باحتدام المنافسة بين القوى الناشطة في أفريقيا، مع انضمام موسكو إلى السباق.

ولدى البعض قناعة بأن الخطوة تشكل نقطة تدارك بالنسبة لروسيا، التي يمر اقتصادها بمرحلة انكماش بسبب مجموعة من العوامل، في مجال التعاون الاقتصادي متعدد الجوانب في القارة.

وتحتاج موسكو بعد خمس سنوات من العقوبات الغربية، إلى شركاء جدد وأسواق جديدة لتعزيز نموها المتباطئ.

ومع افتتاح الرئيس فلاديمير بوتين مع نظيره المصري عبدالفتاح السيسي، الذي تترأس بلاده الاتحاد الأفريقي، القمة تظهر طموحات موسكو المتزايدة في منطقة تقدم فيها الصينيون والأوروبيون بفارق كبير.

20 مليار دولار المبادلات الروسية الأفريقية، وهي أقل بعشر مرات مقارنة بين الصين وأفريقيا

وكشف بوتين خلال افتتاح القمة والمنتدى الاقتصادي “روسيا-أفريقيا” أن التبادل التجاري مع دول أفريقيا تجاوز العشرين مليار دولار العام الماضي، وأن مصر استحوذت وحدها على نحو 40 بالمئة منه.

وهذا الرقم يعادل نصف قيمة المبادلات مع فرنسا وأقل بعشر مرات من المبادلات مع الصين. وتشمل هذه المبادلات بشكل أساسي الأسلحة، وهي من المجالات النادرة التي تتصدر فيها روسيا السوق.

وأكد أن موسكو ستعمل على تقديم محفزات تجارية بما في ذلك التي تتم مع المؤسسات المالية الدولية، فضلا عن طرح مقترحات وأفكار معينة لتطوير الاقتصاد الأفريقي.

وقال إن بلاده “تعتزم تعزيز وجودها في أفريقيا لأنها قارة واعدة”، متوقعا أن يبلغ حجم اقتصادها نحو 9 تريليونات دولار بحلول العام 2050.

وتسعى روسيا عبر استمالة الحكومات الأفريقية إلى مساعدتها على الحصول على قروض استثمارية للنهوض باقتصادات دول هذه الحكومات.

وكانت موسكو قد شطبت ديونا بقيمة 20 مليار دولار مستحقة على دول أفريقية، في خطوة تهدف إلى تخفيف أعباء الديون على كاهل هذه الدول.

واعتبر السيسي إن “أفريقيا مقبلة على مرحلة تشهد تطورا اقتصاديا لتصبح مقصدا لاهتمام الشركاء الدوليين”، مؤكدا وضع البنية التحتية في طليعة العمل الأفريقي المشترك.

وأضاف أن “التعاون مع الدول الأفريقية يجب أن يستند على أسس المصلحة المشتركة، وأن المؤسسات الروسية والدولية عليها الاستثمار في أفريقيا والعمل على تعزيز التنمية”.

ويتضمن برنامج القمة، التي تشكل نسخة عن “منتديات التعاون الصينية الأفريقية” التي سمحت للصين بأن تصبح الشريك الأول للقارة، يومين من المناقشات التي تتناول سلسلة من القضايا بدءا من “التقنيات النووية في خدمة تنمية القارة” إلى جعل “المناجم الأفريقية في خدمة شعوب أفريقيا”.

وقال المستشار في الكرملين يوري أوشاكوف للصحافيين إن “43 بلدا يمثلها قادتها و11 أخرى سيمثلها نواب رؤساء أو وزراء خارجية أو سفراء”، أي كافة دول أفريقيا البالغ عددها 54.

قبلة لرؤوس الأموال
قبلة لرؤوس الأموال

ومن أبرز القادة رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا ورئيس نيجيريا محمد بخاري وكذلك شركاء تاريخيون مثل الرئيس الأنغولي جواو لورينشو والأحدث عهدا رئيس أفريقيا الوسطى فوستان أرشانغ تواديرا.

كما تحضر دول تبدو روسيا غائبة بشكل شبه كامل فيها مثل ساحل العاج ممثلة برئيسها الحسن وتارا، الذي يطمح إلى إبرام اتفاق للتعاون العسكري.

ولعكس المسار، الذي تريده روسيا يؤكد على التعاون “دون تدخل سياسي أو غيره” مثلما تفعل الصين تماما، بينما بدأت بعض الدول الأفريقية القلقة من تبعيتها المالية، تشعر ببعض الملل حيال بكين.

ويعتبر بوتين، الذي يتضمن برنامج عمله 13 لقاء ثنائيا، أن هذا المنتدى سيشكل فرصة ليظهر اهتمامه الكبير بالمصالح الأفريقية، مع أنه لم يقم بأكثر من ثلاث زيارات لأفريقيا جنوب الصحراء، والبقية كلها إلى جنوب أفريقيا.

وقال في مقابلة نشرتها وكالة الأنباء الروسية تاس قبل يوم على بدء أعمال القمة، التي ستنعقد كل ثلاث سنوات، “نقوم في الوقت الحالي بإعداد وإنجاز مشاريع استثمارية بمساهمات روسية (تقدّر) بمليارات الدولارات”.

ورغم المساعي الروسية الحثيثة باتجاه عقد روابط أكثر انفتاحا وقوة مع دول أفريقيا إلا أن خبراء يشككون في فرص نجاح موسكو في ذلك لأن طريقها لمنافسة الصين أو الغربيين طويل.

وقال المحلل بول سترونسكي من معهد كارنيغي في موسكو إن “روسيا ليست الاتحاد السوفياتي. تنقصها موارد وعقيدة وجاذبية سلفها”.

وكان وزير خارجية الرأس الأخضر لويس تافاريس قد قال لوكالة الصحافة الفرنسية قبل أسابيع إنه “من الطبيعي أن تسعى روسيا إلى تعميق علاقاتها مع أفريقيا، كما فعلت الصين واليابان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”.

10