روسيا تمدّ نفوذها من سوريا إلى لبنان

روسيا تحتاج ظهيرا لبنانيا لحماية مصالحها في سوريا، والتعاون الثقافي بوابة موسكو الناعمة.
الخميس 2018/08/30
روسيا تحمي مستقبلها في سوريا عبر لبنان

عاليه (لبنان) - في مبنى صغير في بلدة عاليه الجبلية، تُلقن غالينا بافلوفا حروف الأبجدية لطلاب تهافتوا لتعلم اللغة الروسية في مركز ثقافي روسي جديد في لبنان، وتردد أمامهم “بريفت. كاك ديلا؟” (مرحبا، كيف حالك؟). تعيش غالينا في لبنان منذ 25 عاما، تعلم الروسية وتحلم دائما بأن تنافس لغتها الأم اللغتين الفرنسية والإنكليزية الطاغيتين في هذا البلد الصغير، ولا يقتصر هذا الحلم على السيدة الشقراء بل يشاركها فيه الكرملين الذي هو موطئ قدم سياسي واقتصادي وثقافي في لبنان.

يبرز النفوذ الروسي، في منطقة الشرق الأوسط، بشكل خاص في سوريا من خلال الدعم العسكري والسياسي الذي تتلقاه دمشق، أما في لبنان المجاور فيبدو أن موسكو تلجأ إلى القوة الناعمة لتجد موطئ قدم لها إن كان من خلال التعاون الثقافي وأكثر منه الاقتصادي والسياسي.

عماد رزق: توسع موسكو في لبنان في إطار التواجد الروسي في الشرق الأوسط
عماد رزق: توسع موسكو في لبنان في إطار التواجد الروسي في الشرق الأوسط

وتظهر ملامح هذه القوة الثقافية من خلال انتشار مركز تعليم اللغة الروسية والتبادل الثقافي، وهي ظاهرة ليست بجديدة على لبنان، لكنها في الفترة الأخيرة شهدت تطورا لافتا لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات السياسية والقضايا الإقليمية، والدور الروسي في سوريا. وكتب مهنّد الحاج علي مدير الاتصالات والإعلام في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، قائلا روسيا تسعى إلى توسيع نفوذها إلى لبنان بعدما رسّخت أقدامها ونفوذها في سوريا.

وتقول غالينا بافلوفا، التي تعيش في لبنان منذ 25 عاما، وتعلم اللغة الروسية في مركز ثقافي روسي جديد افتتح في بلدة عاليه، “لا نريد أن تكون فرنسا والولايات المتحدة فقط الحاضرتين في لبنان… روسيا أيضا بلد مهم جدا”.

في العام 1951، افتتحت السفارة الروسية في لبنان أولى مراكزها الثقافية في بيروت ليبقى وحده طوال عقود من الزمن، قبل أن يتوسع العمل لاحقا.

وخلال السنوات العشر الماضية جرى افتتاح تسعة مراكز ثقافية روسية في مناطق عدة بدعم مباشر من السفارة الروسية أو بمبادرة من لبنانيين.

وبين تلك المراكز ثلاثة فتحت أبوابها في صيف العام 2018 وحده وتوزعت في عاليه (وسط) وراشيا (شرق) وحاصبيا (جنوب). ويقول عماد رزق مدير مركز الاستشارية للدراسات في لبنان، “هذا التوسع يأتي في إطار إستراتيجية تهدف إلى تمكين التواجد الروسي في الشرق الأوسط”.

ويوضح جوليان نوسيتي الباحث في الدور الروسي في الشرق الأوسط، “نشهد في الأشهر الماضية دفعا غير مسبوق في التعاون الثقافي” في لبنان، مضيفا أن “لبنان، المحسوب بشكل كبير على الغرب، (وأيضا إيران) هو مثال واحد على رغبة روسيا بتغيير نظام العالم”.

نفط وغاز

جاك صراف: نأمل أن يشارك الروس في تطوير البنى التحتية اللبنانية
جاك صراف: نأمل أن يشارك الروس في تطوير البنى التحتية اللبنانية

برغم كونه من أصغر دول الشرق الأوسط، طالما شكل لبنان ساحة تتلاقى فيها المصالح الدولية أو تتخاصم في ما بينها، فتكثر التدخلات الإقليمية أو حتى الدولية في شؤونه الداخلية من السياسة إلى الاقتصاد إلى العلاقات الخارجية.

ولم تكتف موسكو بتعزيز تأثيرها الثقافي في لبنان، بل مكنت علاقاتها الاقتصادية مع هذا البلد لتتضاعف قيمة صادراتها إليه، وفق الجمارك اللبنانية، من 423 مليون دولار في العام 2012 إلى 770 مليونا في العام 2017.

ويجري حاليا البحث في مشروع أطلق عليه “الكوريدور الأخضر” لتعزيز التبادل التجاري أكثر بين البلدين وخصوصا من ناحية تسهيل دخول الصادرات اللبنانية الزراعية إلى الأسواق الروسية.

وفي العام 2018، وقعت شركة “نوفاتك” الروسية ضمن تحالف مع شركتي توتال الفرنسية وايني الإيطالية عقودا للتنقيب عن النقط والغاز في المياه الإقليمية اللبنانية. وخلال زيارة في أغسطس الحالي إلى موسكو، دعا وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الشركات الروسية للمشاركة في مناقصة أخرى قد تفتح قريبا في المجال ذاته.

ويقول القنصل الفخري لروسيا في لبنان جاك صراف “نأمل أن يشارك الروس في ورشة العمل الضخمة لتطوير البنى التحتية اللبنانية”.

ومن المفترض أن تزداد الاستثمارات، والتي سيشارك في بعضها القطاع الخاص، في لبنان مع تعهد المجتمع الدولي بتأمين مبلغ يفوق عشرة مليارات دولار على هامش مؤتمر عقد في باريس في أبريل الماضي لدعم الاقتصاد اللبناني.  وأمل صرّاف في أن تشارك شركات روسية في بعض المشاريع التي ستتولاها شركات خاصة.

دعم عسكري ولاجئون

تستفيد روسيا أيضا من محاذاة لبنان لسوريا. واعتبر باسيل في هذا الشأن أن “لبنان يجب أن يكون منصة لإعادة إعمار سوريا، والتعاون الاستراتيجي بين لبنان وروسيا ضروري لهذه الغاية”. ويذهب صراف في ذات السياق مؤكدا أن “شركات روسية تسعى لوضع جذور لها في شمال لبنان من أجل المشاركة في إعادة إعمار سوريا”.

وتتحول المرافق اللبنانية في المناطق الحدودية مع سوريا في شمال وشرق البلاد إلى مركز أساسي للشركات التي تسعى للدخول إلى السوق السورية للمشاركة في إعادة الإعمار، لكن العملية تبدو معقدة نتيجة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة ودول أوروبية على شركات سورية وروسية على حد السواء، ولذلك ووفق ما يقول صراف فإن “المصارف اللبنانية لا تزال متحفظة حيال تبادلاتها المالية مع نظرائها في روسيا”.

جبران باسيل: التعاون الاستراتيجي بين لبنان وروسيا ضروري للبلدين
جبران باسيل: التعاون الاستراتيجي بين لبنان وروسيا ضروري للبلدين

واقترحت روسيا في يوليو مبادرة تشمل لبنان من أجل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وهو ملف يثقل كاهل البلد الصغير الذي يستضيف مليونا ونصف المليون لاجئ سوري.

وتتضمن المبادرة، التي قدمتها موسكو لواشنطن ورحب بها مسؤولون لبنانيون، إنشاء مجموعة عمل في لبنان، تضم بالإضافة إلى ممثلين عنه مسؤولين من روسيا والولايات المتحدة.

واقترحت روسيا على الجيش اللبناني عقدا بقيمة مليار دولار لدعمه بالمعدات والتدريب، إلا أنه ووفق صراف، فإن السلطات اللبنانية رفضت “في الدقيقة الأخيرة”. والسبب ببساطة أن لبنان يخشى أن يفقد دعما أميركيا مستمرا في شتى المجالات، بينها دعم للجيش اللبناني منذ العام 2006 تجاوز حتى الآن 1.7 مليار دولار.

ويقول آرام نركيزيان مدير مشارك لبرنامج العلاقات المدنية-العسكرية في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، “إذا وافق لبنان أو حتى لمح لاحتمال موافقته على شراء معدات روسية، ستكون لذلك تداعيات جيوسياسة وخيمة،  على علاقته مع الولايات المتحدة”.

لكن، مؤخرا كان لوزير الدفاع اللبناني في حكومة تصريف الأعمال يعقوب الصراف، موقف آخر حيث قال في تصريحات صحافية ردا على تساؤل حول ما يُطرح عن اعتماد الجيش اللبناني في تسليحه على الأسلحة الأميركية وممارسة الولايات المتحدة نوعا من الضغوط على لبنان لرفض عروض ومنح تسليح جيشه من دول أخرى وتحديدا روسيا وإيران، إن “هذا ليس صحيحا، مصلحة كل دولة في أن تقدم مصالحها على مصالح غيرها من الدول، لذا لا أستغرب أن تطالب الولايات المتحدة أو روسيا أو غيرهما بأن يكون لها نصيب في تسليح الجيش اللبناني”.

7