روسيا تنظر بعين الرضى إلى المغامرة التركية شمال سوريا

الأكراد يرفضون أن يقادوا بالقوة إلى الحوار مع دمشق أو السماح لقوات النظام بالدخول إلى المناطق التي تسيطر عليها.
الخميس 2019/10/10
القيادة لروسيا

أعلنت الإدارة الذاتية الكردية الأربعاء “النفير العام” في مناطق سيطرتها في شمال سوريا ردا على تهديد تركيا بشن هجوم وشيك ضدها، داعية في الوقت ذاته روسيا إلى التدخل لتسهيل “الحوار” مع دمشق. ولم تبد موسكو أي موقف محدد من التطورات الأخيرة التي تبدو أكثر المستفيدين منها.

تنظر موسكو بعين الرضى إلى التطورات الحاصلة على الحدود التركية السورية. وعلى عكس ما يصدر من بيانات رسمية، فإنها تبدو غير قلقة مما ستثمر عنه الحملة العسكرية التركية. وتعتبر أن السياسة الروسية في سوريا ستتمكن من جني ثمار تطورات الموقف التركي والأميركي والكردي.

ورأت مصادر روسية مراقبة أن موسكو تتطلع إلى انسحاب القوات الأميركية بشكل كامل من سوريا، وأنها تعول على تمكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من فرض خياره بالانسحاب من سوريا، والذي سبق أن جوبه بمقاومة من قبل الكونغرس والمؤسسات الأمنية الأميركية.

ويعتبر خبراء في الشؤون الروسية أن موسكو ما زالت تمتلك اليد الطولى في شؤون سوريا، وهي المخولة وحدها رعاية حل سياسي ينهي الصراع في هذا البلد، وأن الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية يمثل نجاحا للعملية السياسية التي تشرف عليها موسكو وفق أجندتها في سوريا.

ضوء أميركي

يرى الخبراء أن العملية العسكرية التركية لن تخرج ولن يسمح لها أن تخرج عن الاستراتيجية الروسية في سوريا ولا تتجاوز عملية أستانة التي تجمع روسيا مع تركيا وإيران.

ويعزز موقف إيران المناهض للعملية العسكرية التركية شمال سوريا مكانة روسيا بصفتها المرجع الوحيد للدولتين لإدارة التباين بينهما، ما يقوّي حاجة أنقرة كما طهران إلى تدخل موسكو لإعادة توفير التوازن داخل أطراف عملية أستانة.

يشتبه مراقبون للشؤون السورية بتواطؤ أميركي روسي يدفع تركيا إلى الانخراط في مغامرة عسكرية شمال سوريا. ويعتبر المراقبون أنه لا يمكن للمقاربة الروسية أن تنجح في سوريا إلا برعاية الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة.

روسيا تعتبر أن من شأن الحملة التركية شرق الفرات أن تفتح المناطق الكردية أمام قوات النظام تدفع بالأكراد إلى التخلي عن الحليف الأميركي

ويذكّر هؤلاء بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك تماما أن تدخل روسيا العسكري في سوريا، منذ سبتمبر 2015، لم يتم إلا بضوء أخضر منحه آنذاك الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وأن الانتصارات التي حققتها روسيا تعود إلى امتناع الدول الغربية عن دعم أي جهات سورية تعارض تدخل موسكو في النزاع السوري.

ويخلص المراقبون إلى أن من مصلحة روسيا والولايات المتحدة السيطرة على التسوية المقبلة وتهميش القوى الإقليمية الأخرى وتحجيم دورها، وأن موسكو وواشنطن تتوليان التعامل، وفق ذلك، مع حالتي إيران وتركيا.

التباس الموقف الروسي

يحمل الموقف الروسي في طياته التباسا قد تصعب قراءته في الأجل القصير، إلا أنه يجب التمعن به وتداعياته في المستقبل. وقالت أوساط دبلوماسية روسية إن روسيا أعلنت أنها مع حق تركيا في الدفاع عن نفسها، علما أن موسكو تدرك أن تركيا لا تتعرض لخطر داهم يستدعي التدخل العسكري. ولفتت هذه الأوساط إلى أنه، في الوقت عينه، للمفارقة، دعت موسكو كافة القوات الأجنبية إلى الخروج من سوريا، وهذا يشمل القوات التركية والأميركية التي تعتبر روسيا أن وجودها غير شرعي كونها لم يتم استدعاؤها من قبل الحكومة السورية على منوال وضع القوات الروسية والإيرانية.

وترى بعض التحليلات الروسية أن التورط العسكري التركي في سوريا سيزيد من علاقات أنقرة وموسكو، ويزيد في الوقت عينه من ابتعاد تركيا عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، خصوصا أن التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن أخرج تركيا، منذ قرارها بخوض الحملة العسكرية في سوريا، من غرفة التنسيق المشتركة لدول التحالف.

وتعتبر روسيا أن الحملة التركية شرق الفرات من شأنها فتح المناطق الكردية أمام قوات النظام وأن الضغوط العسكرية التركية ستدفع بالأكراد إلى التخلي عن الحليف الأميركي واللجوء إلى موسكو ودمشق. وكان وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، قد كرر، الأربعاء، الدعوة إلى حل الأزمة في شمال شرق سوريا عن طريق الحوار بين أنقرة ودمشق والأكراد.

موسكو تمتلك اليد الطولى في شؤون سوريا، وهي المخولة وحدها رعاية حل سياسي ينهي الصراع في هذا البلد

غير أن مصادر كردية قريبة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قالت لـ”العرب” إنه “كانت هناك دعوات من قبل مجلس سوريا الديمقراطية وبدعم قسد، قبل التطور الأخير، إلى الحوار مع النظام السوري على خلفية أن العالم لم يعد ينادي بالقضاء على نظام دمشق، وأنه لم يكن لدينا مانع من محاورته”. وأضافت المصادر أن “الأكراد لن يذهبوا إلى هذا الحوار بالإكراه العسكري” الذي تتولى تركيا القيام به.

ونفى مصدر كردي أي نية للأكراد في السماح لقوات النظام بالدخول إلى المناطق التي تسيطر عليها قسد، معتبرا أن “الأمر لن يكون عمليا ولا مقبولا”.  وأضاف المصدر “نقولها بوضوح لن نقبل العودة إلى وضع ما قبل عام 2011”. وذكّر بما سبق أن صدر عن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية من أن “قراءة النظام خاطئة بالتعاطي معنا”.

ولفت المصدر إلى أن النظام “يتصور أنه في ظل التهديدات التركية  سنلجأ إليه”، مؤكدا أنه “لن نلجأ إلى النظام”، وأنه “صحيح أن الاتفاق مع النظام السوري هو أفضل من القبول بالاحتلال التركي، إلا أننا لم نفقد كل الخيارات حتى الآن”. وأضاف المصدر أن الأكراد لن يقبلوا أن تتحاور دمشق معهم من موقع القوة، خصوصا أن النظام ليس بموقع القوة. وقال إنه ربما قد نخسر في بعض الجبهات لكن الجميع سيخسر أيضا.

ويعتقد مراقبون أن الوضع العسكري للأكراد سيتيح لهم المناورة طويلا بانتظار تبلور الموقف الأميركي الدولي في شأن الموقف العام من الوضع السوري، خصوصا ذلك المتعلق بعودة نشاط تنظيم داعش إذا ما تعطلت قوة الردع الكردية بحكم انشغالها بمواجهة الهجوم التركي.

6