روسيا شريكة في القتل

الجمعة 2015/09/11

لم تكن المشاركة الروسية في الأعمال القتالية في سوريا تحتاج إلى كل هذه الضجة الإعلامية الكبيرة. كما لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحاجة ليفبرك كذبة طارئة يقول فيها إن بلاده تزود قوات النظام بكافة أنواع الأسلحة الروسية نظراً لعقود سابقة تم توقيعها بين الطرفين. إذ لم تتوقف موسكو عن تقديم الدعم السياسي والعسكري لنظام بشار الأسد منذ بدء الثورة ضده، والتي وصفتها الإدارة الروسية منذ أيامها الأولى بالمؤامرة الغربية التي تستهدف الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

وقد سبق المسؤولون الروس مسؤولي النظام السوري أنفسهم في استخدام مفردة المؤامرة الغربية، ووقفت الدبلوماسية الروسية حجر عثرة في طريق أي إدانة دولية في مجلس الأمن لجميع الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام، فاستخدم المندوب الروسي «الفيتو» في وجه مشاريع قرارات أميركية وعربية، وقد ثبت تورط الروس مرات كثيرة في إدارة العمليات العسكرية التي تخوضها قوات النظام بصفة الروسيين خبراء عسكريين.

هذا فضلا عن التوجيهات المباشرة التي كان يتلقاها بشار الأسد وكبار مسؤوليه بشكل مباشر من خلال زيارات متبادلة يقوم بها كبار موظفي بشار الأسد، فيما انخفض التمثيل الروسي إلى ما دون مساعد وزير الخارجية.

وقد بدا جلياً منذ مجزرة الكيماوي التي ارتكبتها قوات النظام السوري صيف العام 2013 أن جميع الملفات قد انتقلت إلى موسكو لتتم دراستها وإقرارها، فقد أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وقتها، موافقة نظامه على التخلي عن ترسانته الكيماوية من مقر وزارة الخارجية الروسية، لا من مقر وزارة خارجيته في العاصمة دمشق.

وإذا كانت الإدارة الروسية، وبحكم تصنيفها كواحدة من القوى العالمية المؤثرة في السياسة الدولية، قد كانت طرفاً في كافة المؤتمرات والمشاورات التي بحثت ما بات يعرف عالميا بالأزمة السورية، فإن رخاوة الموقف الأميركي غير المفهوم وتردد إدارة باراك أوباما وعدم قدرتها على حسم الملفات، وربما عدم درايتها بالكيفية التي يمكن من خلالها الوصول إلى نتائج إيجابية.

الدبلوماسية الروسية وقفت حجر عثرة في طريق أي إدانة دولية في مجلس الأمن الدولي لجميع الجرائم التي ارتكبتها قوات النظام السوري

كل هذا جعل موسكو تتصدر المشهد وخاصة خلال السنة الأخيرة، فسرقت الأضواء بشكل كامل من واشنطن، وفرضت نفسها كباحث عن حل نهائي يؤدي إلى توافق جميع الأطراف الذين تنتقيهم هي، ففصلت لبشار لأسد معارضة تناسب هواه تماماً، واعتبرت كل ما عدا تلك المعارضة مُعطِّلاً للحل، وإن كانت استقبلت، على مضض، بعض أعضاء الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، فإنها لم تمهلهم طويلاً حتى فاجأتهم ربما بإعادة تصميمها على أنها لن تتخلى عن الأسد، الذي قالت سراً إنها لا تمانع التخلي عنه، بل و تداولت في الفترة الماضية بعض الأخبار التي تشير إلى أن روسيا قدمت، فعلا،ً ملاذاً آمناً لبشار الأسد، وبعض المقربين منه، في صفقة عقدتها مع بعض الدول المعنية بشكل مباشر بالشأن السوري.

وقد خططت موسكو منفردة لإنشاء تحالف عسكري لمواجهة الإرهاب الذي تخشى أن يمتد إلى أراضيها، خاصة إذا ما علمنا أن الكثير من مقاتلي تنظيم داعش جاؤوا أصلا من روسيا أو من بعض الجمهوريات التابعة أو المجاورة لها، وهي تخشى على ما يبدو عودتهم جراء الضربات العسكرية الخجولة التي تنفذها قوات التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن ضد مواقع التنظيم سواء في سوريا أم في العراق، وقـد تضمنت الخطة الروسية إشراك نظام بشار الأسد، واعتباره ركناً أساسياً في مواجهة الإرهاب، لكن مقترحها لم يؤخذ على محمل الجد، وتبددت الفكرة التي رحب بها نظام دمشق أيما ترحيب، واعتبرها مدخلاً مناسباً لعودته إلى الأضواء، وإعادة تدوير لبشار الأسد، الذي تصر كافة الدول العربية والغربية على أنه ركن من أركان المشكلة ولا يمكن أن يكون جزءاً من حلها.

وقد أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير هذا الموقف خلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الروسي في العاصمة موسكو، وهذا ما عادت لتأكيده كل من واشنطن ولندن وباريس كل على حدة.

وإذا كان التورط الروسي، الآن، يأخذ بعداً قتالياً مختلفا من خلال إرساله قوات عسكرية وطائرات حربية لتدعيم صفوف النظام المنهار، وهو ما أثار حفيظة العديد من الدول الغربية وجعل حلف شمال الأطلسي يبدي قلقه لهذه الخطوة عير المتفق عليها، فإنه بالمقابل يجعل روسيا متورطة بشكل مباشر، شأنها شأن إيران، في المقتلة السورية، ويقصيها كلياً عن إمكانية أن تكون شريكاً فعلياً في حل نهائي.

واستطرادا ستصبح المطالبة بخروج القوات الروسية المحتلة في سوريا واحدة من بنود أي اتفاق قد تتم صياغته مستقبلا.

كاتب سوري

8