روسيا على خطى تركيا.. الحرب ضد داعش غطاء لاستهداف المعارضة

لم تقنع الضربات الأخيرة التي وجّهتها القوات الروسية لمعاقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، الكثير من المراقبين الذين أشاروا إلى أن إعلان موسكو عن الغارات التي قام بها طياروها ضدّ تنظيم داعش، قبل يومين، بقصف تسعة أهداف تابعة له، تبرئة ذمّة ومحاولة للردّ على التقارير التي تتحدّث على أن تدخّلها الرئيسي كان لاستهداف معاقل المعارضة المسلحة لنظام بشار الأسد، رغم أن روسيا من أكثر المعنيين بخطر تنظيم الدولة الإسلامية وتهديدها المستقبلي.
الثلاثاء 2015/10/06
روسيا تدعم تواجدها في سوريا بارسال سفن إنزال وقوات برية

واشنطن – شبّه خبراء ومراقبون الضربات التي وجهتها موسكو، خلال اليومين الماضيين، ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية بذرّ الرماد على العيون، مشيرين إلى أن روسيا، تتبع نفس الخطة التركية، وتحججت بالحرب ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، لتحصل على الموافقة الأميركية للتدخّل العسكري في سوريا. وكانت أنقرة ادّعت رغبتها في محاربة داعش، وحين انضمّت إلى التحالف الدولي، استهدفت ضرباتها بالأساس حزب العمال الكردستاني، وبالمثل فعلت موسكو، حيث لم تستهدف الضربات الجوية الروسية مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، ولكن بدلا من ذلك، استهدفت مسلّحي المعارضة.

من أبرز المشككين، الحكومة الألمانية التي عبّرت عن تشككها إزاء صحة البيانات الروسية بشأن أهداف الهجمات التي يشنها السلاح الجوي الروسي في سوريا. وقال المتحدث باسم الخارجية الألمانية شتيفن زايبرت “من المهم بالنسبة لنا أن تتطابق الأقوال مع الأفعال”.

ويؤكّد محلّلون أن روسيا، وعلى خلاف الظاهر قد تكون مستفيدة من إطالة عمر تنظيم داعش، الذي لا يريد بدوره إسقاط دولة معينة بل يريد إقامة دولة من رحم الفوضى والصراع الدائر في تلك الدولة، لذلك يتفادى الاصطدام العسكري ويفضّل “الفتوحات” الأقل كلفة، والتي يمكن أن تتم دون ضرورة إسقاط النظام. وبالفعل نجحت هذه الاستراتيجية، في العراق وليبيا وسوريا، ويجري العمل على التمدّد أيضا في أفغانستان.

وبالنسبة لروسيا، يعني انغماس تنظيم الدولة الإسلامية في الصراع ومحاولة التمدّد، تحويل وجهة اهتمام وتركيز عدد هام من الجهاديين، وخصوصا الشيشانيين والقوقازيين، على ما يجري في العراق وسوريا، ولو لبعض الوقت، حيث ستكون رقعة يتجمع فيها الجهاديون ويريحون، روسيا، ودولا أخرى، من شرورهم.

محللون يرون أن انغماس داعش في الصراع ومحاولة التمدد تفيد في تحويل اهتمام وتركيز الجهاديين الشيشانيين

يدعم هذه القراءة، إدوارد دجيرجيان، وهو سفير أميركي سابق في سوريا، ومدير مؤسس في معهد جيمس بيكر للسياسات العامة، مشيرا إلى أن من وجهة نظر بوتين، أكبر تهديد لبلاده هو انتشار التطرف الإسلامي على الحدود الجنوبية لروسيا الاتحادية، التي خاضت من قبل حربين في الشيشان، وتواجه حركات إسلامية متشددة في داغستان، وكامل المنطقة. وتزعم موسكو أن ألفين على الأقل من الروس، من مختلف المجموعات العرقية، جندهم تنظيم الدولة الإسلامية. ويمكن أن يشكلوا تهديدا إرهابيا داخل روسيا.

ويضيف دجيرجيان، في حوار أجراه معه مجلس العلاقات الدولية، حول التدخّل الروسي في سوريا، أن مصالح روسيا في سوريا لا تقتصر على محاربة متشددي داعش، من ذلك أن للروس مصالح استراتيجية في ميناء طرطوس، الذي يعدّ المنفذ البحري الروسي الوحيد في المياه الدافئة في البحر الأبيض المتوسط. وتغيير النظام السوري وإيجاد حلّ للأزمة، بعيدا عن إشراك موسكو، قد يهدد هذه المصالح ويضرّ بالوجود العسكري والبحري الروسي في سوريا.

تعود علاقات روسيا مع النظام البعثي بقيادة عائلة الأسد في دمشق إلى زمن الاتحاد السوفييتي. ونظرا لتضاؤل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط مع سقوط الاتحاد السوفييتي، يرى بوتين أن من مصلحته إعادة مثل هذا التأثير في المنطقة كلما سنحت الفرصة بذلك. وسوريا هي خير مثال على ذلك.

لكن، لا تبدو سياسة موسكو صائبة، حيث يرى دجيرجيان، الذي عمل كمراقب لفترة طويلة في منطقة الشرق الأوسط، روسيا تمر بأسوأ الأوقات في سوريا. يحذّر دجيرجيان بوتين مما يطمح إليه حيث يمكن أن تكون للتدخل العسكري الروسي في سوريا نتيجة عكسية غير مقصودة تؤدي إلى تركيز الجماعات الإسلامية المتطرفة المتواجدة في سوريا غير تنظيم الدولة الإسلامية، على روسيا كعدو رئيسي وتسعى للانتقام منها. يجب أيضا أن يتذكر بوتين التجربة السوفييتية في أفغانستان، حيث أخرج المجاهدون الجيش السوفييتي من البلاد.

تعزيز روسيا لتواجدها العسكري خطوة تؤشر على انبلاج عصر جيوسياسي وأمني جديد

الحل السياسي

يشير إدوارد دجيرجيان أن الائتلاف الذي تشكل ضد تنظيم الدولة الإسلامية قد يضع حجر الأساس لانتقال سياسي يُبقي على رئيس النظام السوري بشار الأسد في البداية في مكانه، “ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سوف يستمر فيه إلى النهاية”. ويتساءل: هل يمكن إعادة توحيد سوريا من جديد؟ ليجيب بألا أحد لديه إجابة لذلك، مثلما لا توجد إجابة سهلة وواضحة لسؤال كيف أن القوى العالمية سوف تضع حدا للفظائع الحالية في سوريا؟ ويسيطر الأسد على حوالي 20 إلى 25 بالمئة من الأراضي التي تضم دمشق وحمص وحماه وساحل البحر المتوسط. في حين يتحكم تنظيم الدولة الإسلامية والمعارضة المسلحة والأكراد في أجزاء أخرى من البلاد. وقد تفاقم هذا التحدي جراء تدفق اللاجئين.

ويحظى نظام الأسد بدعم سياسي وعسكري قوي من روسيا وإيران وحزب الله. في المقابل، تتحصل المعارضة، وهي تضمّ علمانيين وإسلاميين، على مساعدة دول الخليج وتركيا. وتدعم الولايات المتحدة المعارضة العلمانية، ولكن ثبت أنها غير فعالة. وقد تم إنفاق ملايين الدولارات على خمسين مقاتلا دربتهم القوات الأميركية، لكن فشل هذا البرنامج، بعد أن رفض المقاتلون تركيز حربهم ضدّ داعش على حساب إسقاط الأسد.

ويعتبر إدوارد دجيرجيان أن سياسة هذا التحالف، العريض، في سوريا فاشلة متوقّعا أن يتواصل الصراع حتى يتم استنفاذ قوى جميع الأطراف المتصارعة، وحينها سوف تأتي زحفا إلى طاولة المفاوضات، وهذا ما شهدناه خلال الحرب الأهلية اللبنانية، مشيرا في الوقت نفسه إلى إمكانية نجاح الديبلوماسية، وخصوصا في ما يتعلّق بالتواصل مع الإيرانيين والروس. لكن، على الأميركيين أن يحذروا من خداع بوتين ودهائه، حيث نجح إلى حدّ الآن في التفاوض على أي مستقبل يُراد في سوريا.

ولا تختلف تصريحات إدوارد دجيرجيان، عما جاء في تحليلات مراكز التفكير والأبحاث الأميركية، حيث اعتبر تحليل صدر الأسبوع الماضي عن معهد الدراسات الحربية أن تعزيز روسيا لتواجدها العسكري خطوة تؤشر على انبلاج عصر جيوسياسي وأمني جديد تتخطى أهميته أوضاع المسرح السوري بكثير.

وأوضح أن القوات العسكرية الروسية بوسعها شن عمليات في عموم منطقة الهلال الخصيب وشرقي البحر المتوسط. وبالتالي قد تنجح روسيا، وللمرة الأولى في تاريخها في إنشاء قاعدة لاستعراض قوتها خارج حدود البحر الأسود.

وحث المعهد الولايات المتحدة وحلف الناتو على إعداد ردّهما على ذلك التطور والأخذ بعين الاعتبار المخاطر الحقيقية التي تنطوي عليه. وذكّر معهد كارنيغي صنّاع القرار في واشنطن بفشل السياسة الغربية المستندة على قاعدة دعم معارضة معتدلة لم تزحزح الأسد أو تلحق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية.

6