روسيا على موعد مع نصر متأخر في أفغانستان

معلومات استخباراتية تثبت أن مكافآت روسية لطالبان وراء مقتل جنود أميركيين.
السبت 2020/07/04
الكرملين يريد كتابة تاريخ جديد في أفغانستان

يتعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى ضغوط متزايدة لتفسير تقارير إعلامية أشارت إلى أنه أُبلغ بأن استخبارات الجيش الروسي عرضت مكافآت مالية على متمردين مرتبطين بحركة طالبان من أجل مهاجمة جنود أميركيين، ولم يقم بأي تحرك ردا على ذلك، وتأتي هذه الفضيحة وسط مساع يبذلها ترامب لسحب الجنود الأميركيين من الدولة التي تمزقها الحرب، وهو أحد مطالب طالبان، وطيّ صفحة أطول حرب للولايات المتحدة.

واشنطن - أفادت صحيفة نيويورك تايمز، في الآونة الأخيرة، أنّ الاستخبارات الأميركية باتت على قناعة بأنّ روسيا دفعت سرّاً أموالاً لمقاتلين مقرّبين من طالبان لدفعهم إلى قتل عسكريين أميركيين أو عناصر من قوة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، في خطوة تثير مخاوف عميقة بشأن خطط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أفغانستان لزعزعة استقرار الغرب وتحقيق نصر يبدو “متأخرا”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على الأمر قولهم إن الولايات المتحدة تأكدت قبل أشهر من أن وحدة مخابرات عسكرية روسية مرتبطة بمحاولات اغتيال في أوروبا قدمت مكافآت مقابل الهجمات الناجحة العام الماضي. ويعتقد أن المتشددين الإسلاميين أو العناصر الإجرامية المسلحة المرتبطة بشكل وثيق بهم، قد جمعوا بعض أموال تلك المكافآت.

وأضافت أنّ الإدارة الأميركية تشاطرت هذه المعلومات مؤخّراً مع بريطانيا التي كان جنودها في أفغانستان مستهدفين ببرنامج المكافآت هذا، شأنهم في ذلك شأن الجنود الأميركيين.

نانسي بيلوسي: على ترامب قضاء المزيد من الوقت في قراءة الإفادات الاستخباراتية
نانسي بيلوسي: على ترامب قضاء المزيد من الوقت في قراءة الإفادات الاستخباراتية

وبحسب مصادر الصحيفة فإنّ العديد من الخيارات قدّمت إلى البيت الأبيض، من تقديم احتجاج دبلوماسي رسمي لموسكو، مرورا بفرض عقوبات عليها، ووصولاً إلى استهدافها بأعمال انتقامية أخرى، لكن لم يتم اتخاذ أي قرار حتى اليوم.

من جهته، نفى البيت الأبيض بأن يكون قد أبلغ بهذه المعلومات. ونفى المدير الجديد للاستخبارات جون راتكليف أن تكون الإدارة الأميركية على علم بالأمر. كما نفى الكرملين أيضا تقرير المكافآت الذي نشرته لأول مرة نيويورك تايمز الجمعة الماضي.

ولم يساهم النفي في تخفيف الجدل. وقالت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وزعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ السيناتور تشاك شومر، إنه يتعين على الرئيس دونالد ترامب قضاء المزيد من الوقت في قراءة الإفادات الاستخباراتية اليومية، ووقتا أقل للتخطيط للمواكب العسكرية.

ووفقا لوكالة بلومبرغ للأنباء، قال العضوان الديمقراطيان في الكونغرس في بيان إن “حماية القوات هدف أساسي لأجهزة الاستخبارات”. وأضافا أن هذه الحماية ”يجب أن تتمتع بنفس القدر من الأهمية لدى رئيس هيئة الأركان المشتركة. وأي تقارير بشأن تهديدات لقواتنا يجب أن تتم متابعتها بلا كلل أو ملل”.

وسبق لمسؤولين أميركيين وأفغان أن تحدّثوا عن دعم روسي لطالبان، لكن إذا صحّت المعلومات الواردة في الصحيفة الأميركية، فإنّ من شأن هذا الأمر أن يشكّل تصعيداً حقيقياً من جانب موسكو.

ويعدّ توقيت الكشف عن هذه المعلومات مهمّا لأنه تزامن مع توقيع اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة في نهاية فبراير الماضي، أمام شكوك في التزام الجماعة المتمردة ببنود الاتفاق في حال استعادت صلتها الغامضة بموسكو.

ونص الاتفاق على انسحاب تدريجي لقوات الناتو، مع سحب الولايات المتحدة لـ5 آلاف فرد من قواتها البالغ عددها 13 ألف جندي على مدى الأشهر القليلة المقبلة. في المقابل، قبلت طالبان الالتزام بعدم استغلال الأراضي الأفغانية للإرهاب.

لكن العوائق التي تحول دون تحقيق السلام عميقة للغاية، أبرزها احتفاظ طالبان بصلاتها الوثيقة بالقاعدة حيث طلبت مشورتها خلال مفاوضاتها مع المسؤولين الأميركيين، حسب تقرير الأمم المتحدة، إضافة إلى التحريض الروسي ومساعي موسكو للتشويش على الأهداف الأميركية في أفغانستان.

إرث الاتحاد السوفييتي

موسكو تحلم باستعادة مجد الاتحاد السوفييتي
موسكو تحلم باستعادة مجد الاتحاد السوفييتي

في خضم محادثات السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة، تجاهل معظم المراقبين دور روسيا التي أيدت الاتفاقية بحماس. فإلى جانب باكستان، تعدّ روسيا واحدة من أكبر المستفيدين من أي انسحاب للناتو. وبمجرد أن يغادر الناتو والقوات الأميركية المنطقة، ستتاح لروسيا فرصة التدخل فيها مرة أخرى، حسب ما ذكره تقرير لساجان غوهيل وأليسون بايلي في مجلة فورين بوليسي.

وكتب ساجان غوهيل وأليسون بايلي أن موسكو كانت ناشطة في الكواليس في السنوات الأخيرة لتعزيز علاقاتها مع طالبان، بهدف توسيع مصالحها الإستراتيجية ولتدارك إخفاقات الاتحاد السوفييتي خلال الثمانينات في أفغانستان.

ولروسيا إرث مثير للجدل في أفغانستان إذ غرق الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة في معركة مدمرة ضد المقاتلين الإسلاميين الذين دعمتهم الولايات المتحدة آنذاك.

وفي 15 فبراير 1989، مرّت ناقلات الجنود المدرعة عبر “جسر الصداقة”، حاملة آخر فرقة عسكرية سوفياتية خاضت حربًا استمرت 10 سنوات في أفغانستان. فبعد خسارة أكثر من 13 ألف جندي في الصراع، انسحب الاتحاد السوفييتي. ثم أصدر مجلس نواب الشعب قرارا لشجب الحرب في نفس السنة. وأجمع الروس على مدى عقود على أن احتلال أفغانسان والحرب كانا خطأ باهظ الثمن.

ومع ذلك، وخلال ولاية الرئيس فلاديمير بوتين الثالثة، بدأت الحكومة الروسية إعادة تقييم التدخل مشيرة إلى أنه كان ضمن حدود القانون الدولي ولمصلحة الاتحاد السوفييتي. وبينما ظل ينتقد التجاوزات السوفييتية، حرص بوتين على إضفاء الشرعية على الدولة وقواتها التي ازدهرت خلال الحقبة السوفييتية مبعدا وحشيتها عن دائرة الضوء.

تركيز بوتين على أفغانستان يعدّ جانبا أساسيا في كيفية سعي روسيا إلى إعادة تقييم ماضيها مع تعزيز مصالحها الإستراتيجية المستقبلية

ويُعدّ تركيز بوتين على أفغانستان جانبا أساسيا في كيفية سعي روسيا إلى إعادة تقييم ماضيها مع تعزيز مصالحها الإستراتيجية المستقبلية. وكما يوضح المشهد السوري اليوم، يعيد الكرملين كتابة التاريخ لتبرير تدخله في الخارج حيث يسعى لاستعادة مكانته كقوة عالمية.

قد يرجع تدخل بوتين في سوريا إلى مخاوف أمنية مشروعة، وإلى صداقته مع نظام بشار الأسد، وكفرصة لتقويض المصالح الأميركية. وقد تمكنت روسيا من تجنب تصوير توغلها في سوريا كتكرار للتجربة السوفييتية الأفغانية. وعلى العكس، باتت موسكو تعتمد على تجربتها الناجحة في سوريا لتعزيز مصالحها في أفغانستان.

ومثّلت سنة 2014 نقطة تحول مهمة في السياسة الخارجية الروسية بعد تحرك الكرملين للزج بنفسه في الشؤون الأفغانية. فمن خلال ذلك، تبنت موسكو العديد من الأدوار المتناقضة، من صانع للسلام، إلى منفّد عسكري للقانون وأخيرا إلى ممول للمتمردين الإرهابيين. ويعتبر الدور الثالث أكثر ما يثير قلق واشنطن.

ظاهريا، زادت روسيا من وجودها في أفغانستان بسبب تهديد تنظيم الدولة الإسلامية (ولاية خراسان). فبالنسبة لموسكو، يطرح هذا الفرع ثلاثة تحديات رئيسية لمصالحها الإستراتيجية وهي: إمكانات سفر المواطنين الروس إلى أفغانستان كمقاتلين إرهابيين أجانب، مع تعهدات الجماعات المسلحة في شمال القوقاز بالولاء لهذه المجموعات، إضافة إلى احتمال امتداد التطرف في آسيا الوسطى، والذي يؤثر على المصالح الروسية مباشرة.

وقد اعترف الكرملين بعلاقته الإستراتيجية مع طالبان في 2015، عندما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا أن روسيا تشارك المعلومات الإستخباراتية مع طالبان في ما يتعلق بحركات فرع تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان. ومع ذلك، يبقى هذا عاملا واحدا في قرارها بإعادة التسلل إلى أفغانستان.

وفي خطوة مفاجئة، وبعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في الدوحة، أصدرت الولايات المتحدة وروسيا بيانا مشتركا حول القضايا التي يجمع الطرفان عليها بشأن أفغانستان. واتفقا على أن المجتمع الدولي لن يعترف بتسمية “إمارة أفغانستان الإسلامية”. لكن تعاملات روسيا السابقة مع طالبان تشير إلى موقف مختلف، خاصة وأن موسكو تعامل المجموعة كممثل معترف به للدولة.

ويدعو البيان المشترك بين الولايات المتحدة وروسيا طالبان إلى “اتخاذ خطوات ملموسة لضمان عدم استغلال تنظيم القاعدة أو داعش أو الجماعات الإرهابية الدولية الأخرى لأراضي أفغانستان”. لكن طالبان ليست ملزمة بتقديم أي خطوات ملموسة حول كيفية تحقيق ذلك، ولا توجد أية آليات للتحقق من التزامها. أما بالنسبة لروسيا، فيمكنها تجاهل هذه النقاط إذا تمكنت من تحقيق أهدافها الإستراتيجية الأوسع في أفغانستان، فيما سيواجه الغرب مصاعب أكبر.

تحدي النفوذ الأميركي

أي مكان لروسيا في أفغانستان اليوم
أي مكان لروسيا في أفغانستان اليوم

مثلما فعلت روسيا خلال الحرب الباردة، حددت أفغانستان كمسرح لتحدي الولايات المتحدة مرة أخرى. وعلى مستوى العلاقات الخارجية والأمنية، تعدّ الأنشطة الروسية في أفغانستان نتيجة لإستراتيجيات مصممة لمواجهة النفوذ الأميركي.

فقد تعلّم صانعو السياسة الروس من التجربة السوفييتية في أفغانستان الامتناع عن تشكيل حلفاء محليين على صورتهم، والسعي إلى تحفيز الشركاء حيثما تتقاطع المصالح المشتركة بدلا من ذلك. وتجسّد العلاقة مع طالبان مثالا على ذلك.

وفي حين يؤكد الكرملين على أن علاقته مع طالبان تقتصر على محاربة داعش والمصالحة داخل أفغانستان، إلا أن أنشطته أعمق من ذلك. فقد اتهمت روسيا بتمويل طالبان وتسليحها بعد اكتشاف نطاقات نظارات الرؤية الليلية الروسية في أيدي طالبان. وفي 2017، كشف قائد القوات الأميركية والقوات الدولية في أفغانستان، الجنرال جون نيكلسون، في جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، أن روسيا تمول طالبان، وأوضح نيكلسون بقوله “لقد أحضرنا أسلحة إلى هذا المقر وأعطانا إياها القادة الأفغان وقالوا إن الروس منحوها لطالبان”.

كما توجد أدلة على أن روسيا أقامت شبكات إمداد لنقل الأسلحة عبر الحدود بين إيران وأفغانستان. ففي 2017، قال عبدالجبار قهرمان، الذي أشرف بعد ذلك على الوضع الأمني ​​في ولاية هلمند للحكومة الأفغانية، إن موسكو تعاونت مع طهران لإنشاء معسكرات تدريب لمقاتلي طالبان في إيران، والذين سيوزعون الأسلحة الروسية في غرب أفغانستان وجنوبها.

وأثارت التقارير التي تفيد بأن روسيا توجه موارد يمكن بيعها إلى أفغانستان، قلقا أكبر حيث توسّع موارد طالبان. ويشمل ذلك شحن ناقلات الوقود من أوزبكستان لتسليمها إلى شركات طالبان التي تبيع وقودا بقيمة 2.5 مليون دولار شهريا. فيما توزع طالبان الأموال على قادتها مباشرة لشن هجمات ضد الحكومة الأفغانية والقوات المسلحة والمدنيين.

وبينما تشرف أجهزة المخابرات الروسية على تهريب الأسلحة والموارد إلى طالبان، تواصل الحكومة الروسية تقديم نفسها كبديل مناسب للولايات المتحدة من حيث توجيه أفغانستان سياسيا وتقديم المساعدات التي تستحقّها.

وحققت روسيا فوائد قصيرة المدى من خلال تصوير نفسها كطرف يقف إلى جانب حلفائه، مثل طالبان، مهما كانت الظروف قاسية. في نفس الوقت، برزت الولايات المتحدة كحليف غير جدير بالثقة، سيتخلى عن أصدقائه في أول مشكلة تعترضهم.

في مايو 2019، دعت إدارة بوتين كبار أعضاء الحكومة الأفغانية وطالبان إلى موسكو للاحتفال بـ”100 سنة من الصداقة الروسية الأفغانية”. في هذا الاجتماع، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى “انسحاب كامل للقوات الأجنبية” من أفغانستان.

وتدعو روسيا باستمرار لإنهاء وجود الجيوش الأجنبية في أفغانستان على الرغم من وجودها في المنطقة. وهنا الهدف الروسي واضح: تبني موسكو علاقة دبلوماسية وعسكرية مع طالبان من أجل مواجهة الولايات المتحدة.

ولكي تنجح روسيا في أفغانستان، تحتاج إلى إصلاح العلاقة التي تجمعها بخصمها القديم، وكانت باكستان طرفا محوريا في إستراتيجية الولايات المتحدة في أفغانستان في الثمانينات من خلال توفير الأسلحة والخدمات اللوجستية للمجاهدين الأفغان العرب. وقد كان التقارب في المصالح في أفغانستان عاملا رئيسيا في تحسين العلاقات بين روسيا وباكستان اللتين أيدتا التعاون من أجل تعزيز موقع طالبان رسميا على الساحة السياسية.

تقارب روسيا وباكستان

روسيا تقدم نفسها كبديل مناسب للولايات المتحدة في أفغانستان
روسيا تقدم نفسها كبديل مناسب للولايات المتحدة في أفغانستان

مثّل بدء محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان في أكتوبر 2018 نجاحا سياسيا لكل من روسيا وباكستان اللتين تشتركان في الاعتراف بطالبان كصاحبة مصلحة رئيسية في مستقبل أفغانستان.

ورتبت روسيا محادثات في موسكو لدعم المفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان، والتي شملت دول المنطقة، وقادة المعارضة الأفغانية، وطالبان، على الرغم من أن حكومة كابول لم تحضر.

وشاركت باكستان بنشاط في اجتماعات في روسيا واستضافت محادثات ثلاثية منفصلة مع الصين والحكومة الأفغانية للدعوة إلى زيادة مشاركة طالبان.

 وبدا جليا توافق مصالح روسيا وباكستان بعد انهيار محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان. وثبُت ذلك في سبتمبر 2019، عندما دعت روسيا أعضاء طالبان إلى موسكو مرة أخرى. وفي هذا الاجتماع، أعلنت زاخاروفا أن روسيا مقتنعة بأن نهاية الوجود العسكري الأجنبي مهمة لتحقيق السلام الدائم في أفغانستان. أثناء ذلك، استضافت باكستان ممثل الولايات المتحدة في مفاوضات طالبان، زلماي خليل زاد، وقيادة طالبان لعقد اجتماعات في إسلام آباد.

بالنسبة لروسيا، يمكن أن تساعد قضية أفغانستان موسكو على تحقيق هدفها في تقسيم مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية قبل الانتخابات الرئاسية في 2020. لكن تضحيات قوات الناتو بالدماء والمال لتحقيق نتيجة مشرفة في أفغانستان تفرض على الغرب التفاوض دون التخلي عن أفغانستان أو دعم أهداف روسيا. كما يجب أن تضمن حماية حقوق المرأة والمجتمع المدني، اللذين تهملهما طالبان دائما. وما يمكن استنتاجه أن روسيا أحرزت تقدّما جديا نحو تحقيق أهدافها الإستراتيجية السورية والأفغانية من خلال الحفاظ على موقعها القوي في سياسات المنطقة. وبالمثل، ستستطيع طالبان أن تمدد سيطرتها داخل أفغانستان بالقوة.

6