روسيا لا تهتم بإنقاذ الأسد بقدر رهانها على مصالحها المستقبلية في سوريا

أثارت التقارير الأخيرة التي تحدثت عن وجود عناصر عسكرية روسية تحارب إلى جانب قوات نظام بشار الأسد في سوريا الكثير من الجدل لدى الأطراف المعنية بملف الأزمة السورية، ففي حين اعتبر الأميركيون أنّ هذه الخطوة تتنزل في سياق الحرب الباردة الجديدة التي تريد موسكو أن تفرض من خلالها مواقفها بالقوة، تبدو الدول الخليجية أكثر هدوءا انطلاقا من وعيها بطبيعة هذه التحركات الروسية واعتقادها التام بأنها لا تهدف إلى الحؤول دون سقوط بشار الأسد بقدر ما تعمل على تأمين مصالح روسيا في المستقبل.
الجمعة 2015/09/11
الشعب السوري لن يغفر لمن ضحك على معاناته واستمات في الدفاع عمن أجرم في حقه

دمشق - أعلن المستشار السابق للأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريزنسكي، في تصريحات صحفية سابقة لمجلة ديرشبيغل الألمانية، “أن العالم اليوم إزاء حرب باردة جديدة من غير المرجح أن تصبح أكثر احتداما”. وشدد على أن العالم الغربي تحديدا بات مطالبا أكثر من أي وقت مضى بـ”الوقوف بحزم في وجه روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، خاصّة أنها تريد أن تطور ترسانتها العسكرية الدولية”، مؤكدا أنّ “الغرب يجب أن يجعل استخدام روسيا للقوة ينطوي على تكاليف باهظة”.

وتشير العديد من التقارير إلى أنّ الجهود التي تبذلها روسيا لمساعدة حليفها بشار الأسد في سوريا لوجستيا وعسكريا بغاية الحؤول دون سقوط نظامه، باتت تشكل هي الأخرى خطوة إضافية في السياق الذي تحدّث عنه بريزنسكي.

وتحدثت التقارير الإعلامية المتفرقة عن وجود دعم روسي جديد لنظام الأسد بالجنود والطائرات، تزامن مع ما تداوله ناشطون سوريون على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي من صور لطائرات حربية روسية وجنود ذكروا أنهم مرابطون في سوريا، دون تحديد المكان بالضبط، بالإضافة إلى تأكيدهم دخول عدد من الجنود الروس إلى معسكرات النظام وإسكانهم بمنازل في ريف دمشق ومنطقة الساحل.

خطوة مريبة

أثارت هذه الخطوة التي تبدو كإعداد لإقامة قاعدة عسكرية روسية في الجيب العلوي الذي يسيطر عليه نظام الأسد، حفيظة الولايات المتحدة الأميركية التي أعربت عن قلقها على لسان وزير خارجيتها جون كيري، الذي توجه بتحذير إلى نظيره الروسي سيرغي لافروف من مغبة أن تؤدي هذه الخطوة إلى تصعيد إضافي في الحرب القائمة في سوريا.

أما موسكو، فقد نفت من جانبها صحة المعلومات الواردة في تلك التقارير، وقالت على لسان المتحدثة باسم وزارة خارجيتها، ماريا زاخاروفا، إنه لا صحة لما تناقلته وسائل إعلام غربية، حول تغيير مزعوم في موقف روسيا بشأن الحل المطلوب للأزمة السورية.

وقالت زاخاروفا في مؤتمر صحفي عقدته، الإثنين، إن “روسيا كانت، ولا تزال، وستبقى مع التنفيذ الكامل، وغير المشروط لمبادئ إعلان جنيف1، المقررة في 30 يونيو 2012 بخصوص سوريا”. غير أنها أكدت على أن بلادها “لا تنكر ولا تخفي تزويدها لحكومة دمشق بالسلاح والعتاد الحربي، لمساعدتها في مكافحة الإرهاب”.

ويرى ميشيل كيلو، رئيس اتحاد الديمقراطيين السوريين المعارض، أنّ “أي تدخل عسكري روسي مباشر في سوريا سيحولها إلى قوة احتلال أجنبية أتت لتدعم نظام يقتل شعبه، وعليه فمن واجب الشعب السوري أن يقاوم بكل ما يملك من أدوات ووسائل وأن يطرد جيشها من وطنه”.

ميشيل كيلو: نستغرب من أن روسيا لم تتعلم من درس أفغانستان
وأضاف قائلا “نستغرب من أن روسيا لم تتعلم من درس أفغانستان الذي كان أيضا اعتداء على شعب، وخرجوا منه مهزومين بضربات قاضية، ومن الممكن أن يتكرر ذلك في سوريا، وذلك لردع عملية تشبيحية تمارسها دولة عظمى ضد شعب مظلوم كل ذنبه أنه يطالب بالحرية”، مشددا على إدانته لهذا الموقف الروسي الداعم للنظام.

ودعا الناشط الإعلامي السوري المعارض، هادي العبدالله، بدوره، المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه هذا التطور الذي وصفه بـ”الخطير”. وقال إنّ “المقاتلين الروس إنما هم قوة جديدة تضاف لنظام الأسد إلى جانب عناصر من حزب الله اللبناني، والميليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية، لتقتل السوريين وتهجّرهم، وتقف بوجه حلمهم في الوصول إلى حريتهم”. ورأى العبدالله الذي يعتبر من أبرز الناشطين الذين يرافقون قوات المعارضة في معاركها ضد النظام، أن مشاركة قوات روسية في القتال على الأرض السورية، “يعبر عن عجز نظام الأسد، وإيران، وميليشيا حزب الله، والميليشيات العراقية، كما يعني أن التدخل الإيراني الأخير عسكريا أثبت فشله الذريع في مواجهة ثوار سوريا، والحد من تقدمهم، لاسيما جيش الفتح الذي تقدم مؤخرا وبشكل كبير في معارك إدلب وريف حماة شمالي البلاد”.

وبالمقابل قال الخبير الروسي المختص في الشأن العربي والسوري، فلاديمير أحمدوف، ما مفاده أنّ روسيا، لا تعمل على إنقاذ الأسد بقدر ما تعمل على حماية مصالحها في المنطقة بكل تأكيد، لافتا إلى أنّ مركز الدعم والإمداد الموجود في طرطوس السورية هام للغاية، وهو آخر موقع لروسيا في البحر المتوسط، بعد انتهاء تأجير قاعدة قبرص، ولذلك فهي ستواصل تقديم الدعم للحكومة السورية.

رهان على المصالح

يرى مُراقبون أنه في ضوء الهزائم المتتالية التي يتكبدها النظام السوري في الأشهر الأخيرة، تحاول كل من روسيا وإيران تقديم كل الإمكانيات العسكرية اللازمة لضمان بقائه. وهو ما يبرر قرار الدولتين نقل وسائل قتالية إضافية، إلى جانب تسخير المعلومات الاستخباراتية لدعمه في صدّ تشكيلات المعارضة المسلحة العديدة والساعية لإسقاط حكمه. ويضيف محللون أنه منذ التوقيع على الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الخمس زائد واحد، فتحت بين موسكو وطهران قنوات تنسيق جديدة قد تبدو للمتابعين أنها قنوات منفصلة في حين أنها تصب في إطار المصلحة المشركة لكلا البلدين في المنطقة وخاصة في سوريا.

ويشمل الدعم العسكري الروسي الجديد للنظام السوري، حسب تقارير أميركية تصرّ على صحة معلوماتها، العشرات من الخبراء العسكريين الذين قدموا للانضمام إلى قوات النظام التي تقاتل على جبهتي سهل الغاب وريف اللاذقية الشمالي دون إشراكهم بشكل مباشر إلى جانب القوات المقاتلة على الأرض. وذكرت نفس المصادر أنّ الخبراء الروس الوافدين حديثا إلى ريف اللاذقية يستخدمون معدات وتقنيات متطورة تمكن النظام السوري من رفع مستوى التنسيق بين وحداته العسكرية التي تقاتل على مختلف الجبهات لاسيما الساحلية منها.

زبيغنيو بريزنسكي: استخدام روسيا للقوة من أجل فرض مواقفها سيكلفها باهظا

وعلى الرغم من سرعة ردة الفعل الأميركية من خلال التصريحات التي صدرت عن العديد من المسؤولين الأميركيين، إلاّ أنّ ردود واشنطن بقيت ضعيفة ولم ترتق إلى المستوى الذي قد يعيق جهود روسيا الأخيرة الماضية في عملية ضخّ الدماء في جسد نظام الأسد المنهك بفعل التقدم الذي تحرزه قوات المعارضة على الأرض يوما بعد يوم.

وعلى الرغم من أنّ هذا الموقف الروسي الأخير، بدا مُخيّبا لآمال الكثيرين الذين راهنوا على التقارب الذي حدث، مؤخرا، بين روسيا من جهة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر من جهة أخرى، لاسيما بعد الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين التابعين لهذه البلدان والتي أسفرت عن صفقات أسلحة وخطط لبناء مفاعلات نووية قيمتها تقارب الـ10 مليارات دوﻻر، إلاّ أنّ عددا من المتابعين لهذا الملف يرجحون أن روسيا لا يمكن أن تقع في هذا المطب.

ويقول هؤلاء إنّ موسكو لا تساعد الأسد في شخصه بقدر ما هي تذهب نحو دعم توجّه يحافظ على استمرار وجود نظام قائم وقادر على المواصلة في حال سقوط بشار الأسد حفاظا على مصالحها، مبرّرين ذلك بالعامل الاقتصادي؛ لأن موسكو، حسب رأيهم، لن تواصل الرهان على الأسد بعد فقدانه كل مصادر الثروات الاقتصادية لسوريا من نفط وغاز ومناطق أثرية واستثمارية، وبقائه بصورة “التاجر المفلس” التي يبدو عليها الآن، لاسيما في ظل الأزمة المالية التي تعصف بدمشق وانخفاض أسعار النفط وما تبع ذلك من تهديد حقيقي للبنوك الروسية بالإفلاس، وانهيار الروبل إلى أدنى مستوياته أمام الدولار. الأمر الذي يحتم على قيادة الكرملين البحث عن حلفاء أكثر قوة، وأكثر قدرة على دعم اقتصاد بلادهم بدلا من استنزافه، وهو ما يرجح أن روسيا حريصة على عدم خسارة دول الخليج العربي وورود إمكانية تضحيتها بالأسد، رغم خطواتها الأخيرة.

واستدل هؤلاء بعدم استنكار دول الخليج لهذه الخطوة الروسية إلى حدّ الآن، ما يرجّح في تقديرهم إمكانية ألا تدخل هذه التحركات في إطار رهان موسكو على الأسد، وإنما هي تتنزل في إطار حسابات أخرى قد تصب في اتجاه مغاير لما يبدو عليه الآن. هذا فضلا عن التطورات الميدانية التي سيكون لها حضورها في الحسابات الروسية، خاصة مع تقدم الثوار في الكثير من الجبهات شمال سوريا وجنوبها، وهو ما يدفع الروس إلى التفكير جديا في مدى قدرة الأسد على الصمود أكثر.

خلاصة القول إن هذه الجلبة والحديث المستمر عن بديهية استماتة الروس في الدفاع عن بشار الأسد يبدو عبثيا لأنّ الروس لم يشهد لهم التاريخ بالوفاء ــ وإن كان الحديث عن الوفاء في عالم السياسة لا يجوز ــ بوعودهم أو الالتزام بها. ولنا عن ذلك نماذج كثيرة في كل من العراق وليبيا ويوغسلافيا السابقة التي أدارت لهم روسيا ظهرها بكل برود عندما أيقنت أن مصالحها تستدعي ذلك. وبالتالي فإن إمكانية تخلي الروس عن الأسد مازال احتمالا مطروحا وبقوة في ظل العديد من المعطيات، في حين سيواصل بشار الأسد العمل وفق خيار وحيد يسمح بمقتضاه بمزيد تمدد تنظيم الدولة الإسلامية أكثر في سوريا وطرحه كورقة تُطيل في أمد بقائه، لاسيما أن مجابهة هذا التنظيم مازالت تعتبر أولوية بالنسبة إلى المجتمع الدولي.

6