روسيا ملتزمة بأمن إسرائيل مقيدة بشراكتها مع إيران

التصريحات الروسية تظهر حجم الافتراق بين الجانبين الأميركي والروسي في ما يخص طهران.
السبت 2019/06/29
طريق شائكة

أبدت الأطراف المشاركة في الاجتماع الأمني الثلاثي، الذي ضم روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل الأسبوع الماضي، رضاها عن نتائج المحادثات. وأوردت التقارير أن الاجتماع ناقش سبل تعزيز أمن إسرائيل والعمل على “استراتيجية لإخراج إيران وميليشياتها من سوريا” كما قال مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، في ختام الاجتماع. ولكن من غير المرجح أن تكون روسيا قد وافقت على التعاون لإخراج من لا يزال بمثابة حليف استراتيجي لها في سوريا.

تبدو روسيا في موقف صعب، إذ يترتب عليها التعاون مع عدوين لدودين في نفس الوقت؛ إسرائيل وإيران. تلتزم موسكو بأمن إسرائيل في المنطقة وهو ما يدفعها إلى التعاون معها بقضايا عديدة من ضمنها السماح للطائرات الإسرائيلية باستهداف مواقع ومنشآت تابعة لإيران وميليشياتها في سوريا.

وقد تفاخر وزير الخارجية الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أثناء القمة بأن جيشه شن مئات الغارات الجوية التي استهدفت التواجد الإيراني في سوريا خلال السنوات الثماني الماضية.

ليس لدى روسيا مشكلة جوهرية في المشاركة في تحالف إقليمي ودولي للحد من النفوذ الإيراني، إذ شاركت طوال العقد الماضي في جميع الجهود الدولية في هذا الصدد، وصوتت على قرارات مجلس الأمن بفرض عقوبات قاسية على طهران. تكمن مشكلة روسيا في حاجتها إلى الوجود العسكري الإيراني في سوريا، إذ يعتمد بقاء النظام طوال السنوات الماضية واستعادته لمساحات كبيرة من الأراضي خلال العامين الماضيين على التحالف الروسي الإيراني.

تكمن مشكلة روسيا في حاجتها إلى الوجود العسكري الإيراني في سوريا، إذ يعتمد بقاء النظام واستعادته لمساحات كبيرة من الأراضي على التحالف الروسي الإيراني

توضح التطورات في مدينة إدلب خلال الشهرين الماضيين هذا الأمر. فبمجرد عدم مشاركة الميليشيات الطائفية التي تجندها إيران، والتي تقدر أعدادها بأكثر من أعداد الجيش النظامي السوري، دخل الهجوم العسكري الذي يشنه النظام السوري في ريفي إدلب وحماة حالة استعصاء رغم التغطية الجوية الروسية الكثيفة. وأشارت التقارير إلى أن الدعم الجوي الروسي للنظام السوري خلال الشهر الماضي كان استثنائيا وقدر بمئات الغارات الجوية.

ورغم ذلك لم تنجح قوات النظام في اقتطاع أكثر من واحد بالمئة من مساحة المنطقة التي تهاجمها. يمكن لروسيا والنظام السوري استعادة جزء من تلك المناطق بصورة تدريجية وبطيئة، ولكن ذلك يتطلب تكاليف بشرية وعسكرية ودبلوماسية كبيرة لا تبدو موسكو متحمسة لدفعها.

بهذا المعنى، روسيا ليست في وضع يمكّنها من أن تمارس ضغوطا كبيرة على طهران للانسحاب من سوريا، أو أن تنسق بشكل فعال مع أميركا وإسرائيل في هذا الصدد. ويتضح ذلك الافتراق الاستراتيجي في مصالح روسيا، ومصالح أميركا وإسرائيل حول دور طهران في سوريا من خلال حقيقة عقد اجتماعات ثنائية بين الطرف الأميركي الإسرائيلي دون حضور روسيا على هامش القمة الثلاثية، وهو ما أعلن عنه جون بولتون.

كما أظهرت التصريحات الروسية حجم الافتراق بين الجانبين الأميركي والروسي في ما يخص طهران. إذ أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، في ختام اللقاء الثلاثي أن محاولات تصوير إيران كتهديد للأمن الإقليمي مرفوضة رفضا باتا بالنسبة لنا”، مؤكدا أن طهران كانت ولا تزال شريكا وحليفا لموسكو في مكافحة الإرهاب. فما هي قيمة الاجتماع إذن؟

من المرجح أن النجاح المزعوم للاجتماع يتعلق بتعزيز أمن المناطق الحدودية بين سوريا وإسرائيل وإبعاد إيران عنها من جهة، ومنع طهران من إنشاء قواعد ومنشآت عسكرية سرية في سوريا من جهة أخرى. ويمكن لروسيا ولاستخباراتها أن تقدما الكثير في هذا الصدد. لم تجد موسكو الكثير من الحرج مع طهران عندما سمحت للطائرات الإسرائيلية بضرب أهداف إيرانية في سوريا، رغم التصريحات الرافضة للضربات في كل مرة ومن المرجح أنها ستواصل فعل ذلك.

كما يبدو الاجتماع مفيدا لجهة نقاش الخطوات القادمة في ما يخص ملف إيران النووي، وهو أمر يمكن فيه التنسيق مع روسيا التي تشارك إسرائيل وأميركا الرغبة في عدم امتلاك إيران للسلاح النووي.

ولكن الرئيس فلاديمير بوتين يهتم أيضا بمشاركة روسيا بهذا الاجتماع بصرف النظر عن نتائجه لأمر يتعلق بإظهار المكانة الدولية التي باتت تحتلها بلاده تحت قيادته.

يُعتبر الاجتماع إنجازا دبلوماسيا لروسيا، وتتويجا لتغلغلها في المنطقة من البوابة السورية. وساعدت التطورات في سوريا والدور الفاعل الذي لعبته موسكو في حماية الرئيس السوري بشار الأسد منذ عام 2011 في إنضاج وتكثيف العمل على سياسة روسية بدأت منذ منتصف الألفية، وتمثلت باستعادة المكانة الدولية التي خسرتها بتشظي الاتحاد السوفييتي. هكذا، كان حضور روسيا ذلك الاجتماع هو اعتراف بالمكانة الدولية والإقليمية التي حققتها موسكو، وهو اجتماع لم يكن ليحصل أبدا قبل الحرب السورية، إذ هيمنت الولايات المتحدة حينها على كافة ملفات المنطقة. هكذا تتعدد المكاسب لدى جميع الأطراف من المشاركة في الاجتماع الثلاثي، وإن لم تكن من بين تلك المكاسب قضية إخراج إيران من سوريا.

6