روسيا وأزمة الاتفاق النووي الإيراني

في الوقت الذي تحاول فيه روسيا لعب دور الوسيط في النزاع الأميركي الإيراني حول الملف النووي، تحاول ابتزاز كلا الطرفين في ما يتعلق بالتواجد الإيراني في سوريا.
الخميس 2019/07/11
موقف محايد حيال طهران

في ظل اشتداد الخناق على النظام الحاكم في طهران نتيجة العقوبات الأميركية التي شهدت التزاما دوليا واسعا بها حتى تحولت إلى حصار اقتصادي خانق، لا تجد إيران من يتعاطف معها من الدول الكبرى، على الأقل على المستويين الإعلامي والدبلوماسي، سوى روسيا رغم اتساع زاوية التباين بين الدولتين بشكل مطرد خصوصا في ما يتعلق بتطورات الحالة السورية وتعقيداتها.

على المقلب الروسي، يحاول الرئيس فلاديمير بوتين الاستفادة القصوى من حالات التوتر الإقليمية لفرض روسيا كشريك أساسي لا بد منه في أي تسويات قادمة، وبالتالي إعادة تأهيل روسيا على الصعيد العالمي كشريك للولايات المتحدة في القرارات الدولية الكبرى، ومن ثم خلق واقع دولي يؤدي إلى تناسي ضم شبه جزيرة القرم والنزاع مع أوكرانيا، ويزيح عن كاهل روسيا مشكلة العقوبات الغربية التي تطولها.

قد يكون الرئيس الروسي يرى في البوابة الإسرائيلية مدخلا إجباريا للولوج إلى نظام عالمي جديد ثنائي القطبية تتشارك فيه روسيا القرارات الكبرى مع الولايات المتحدة، غير أنه لن يفرط في علاقاته مع النظام الإيراني الذي أعلنت الإدارة الأميركية مرارا أنها لن تسعى إلى إسقاطه، بل جره إلى طاولة المفاوضات عبر تكثيف الضغوط عليه لتعديل سياساته بما يتناسب مع الاستراتيجية الأميركية العامة خصوصا في ما يتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية والتمدد الإقليمي وخاصة في سوريا، حيث تتقاطع جملة من التعقيدات نتيجة تضارب المصالح الجيوسياسية بين التواجد الإيراني وما يخلقه من تغييرات على الأرض من تغيير ديموغرافي واستحواذ عقاري وتمدد أيديولوجي وتغلغل في مؤسسات الدولة ومنشآت اقتصادية وثقافية وميليشيات محلية، وبين الرغبة الأميركية الإسرائيلية والروسية أيضا في منع وجود أي قوة إقليمية كبرى يمكن أن تشكل تهديدا في أي وقت، إضافة إلى رغبة إسرائيل في تحويل سوريا إلى لبنان ثان حيث تكون الأجواء مفتوحة دائما للطيران الحربي الإسرائيلي لممارسة مهامه دون اعتراض.

وفي الوقت الذي تحاول فيه روسيا لعب دور الوسيط في النزاع الأميركي الإيراني حول الملف النووي، تحاول ابتزاز كلا الطرفين في ما يتعلق بالتواجد الإيراني في سوريا. فهي ترغب في زوال الوجود الإيراني من سوريا، ولكنها تربطه في الوقت نفسه بخروج القوات الأميركية منها وتفكيك قاعدة التنف.

على الرغم من اتساع الفجوة بين الإيرانيين الذين يرفضون المشاركة في معارك إدلب وبين الروس، يستمر المسؤولون الروس في إلقاء تبعات التوتر الحالي في الخليج العربي على الأميركان، كما يحملونهم تبعات تنصل الإيرانيين من التزاماتهم بمتطلبات الاتفاق النووي. ويطير نائب وزير الخارجية الروسي إلى طهران لشرح ما تم تناوله على طاولة القدس في الاجتماع الثلاثي لمسؤولي الأمن القومي الروسي والأميركي والإسرائيلي برعاية بنيامين نتنياهو، وفي الوقت ذاته تشن إسرائيل سلسلة من الغارات هي الأوسع والأكثر تدميرا على القواعد والمنشآت الإيرانية في سوريا من الجو والبر والبحر، ويستمر إغلاق المنصات المضادة للطائرات.

لا يستطيع الرئيس الروسي تقديم أي شيء للإيرانيين حتى لو أراد ذلك، وكل الكلام عن توسيع قاعدة نظام “إنستكس″ للعمليات المالية مع إيران لتشمل مزيدا من الدول بما فيها روسيا ليس سوى كلام في الهواء لا يجدي نفعا، وهذا ما يدركه الإيرانيون ويدركه الروس أيضا خصوصا بعد أن أعلنت طهران تبنيها الخطوة الثانية من خفض التزاماتها بالاتفاق النووي المبرم عام 2015، وشروعها في زيادة تخصيب اليورانيوم لأكثر من 3.67 في المئة، وصولا إلى 5 في المئة، ما أغضب الأوروبيين ودفعهم إلى التحرك باتجاه طهران لدفعها إلى الاستمرار بالالتزام بموجبات هذا الاتفاق.

وبعد أن كانت روسيا بحاجة إلى التواجد الإيراني في سوريا لمحاربة المعارضة المسلحة والتخلص من المناطق التي تسيطر عليها في محيط دمشق وفي درعا وحمص، أصبحت إيران بأمس الحاجة إلى الموقف الروسي، ولو اللفظي، الذي يساندها في مواجهة الضغوط الأميركية والدولية، لذلك لا يجد المسؤولون الإيرانيون مفرا من ابتلاع الكلام حول ما يدور بخلدهم عن تواطؤ روسي محتمل أو مؤكد، مع الضربات الإسرائيلية المتواصلة على مواقعهم في سوريا، وعن التغييرات في الأجهزة الأمنية والتي طالت القادة المقربين من طهران وبدفع من روسيا.

روسيا تستفيد من تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ولكنها ستفقد هامش المناورة إذا اندلعت الحرب.

8