روسيا وأميركا: التقاطع عند القوات الكردية

السبت 2016/02/20

تتصاعد حدة الحرب في سوريا مع كل مرة تتوصل فيها القوى الدولية والإقليمية إلى اتفاق جديد لدفع الجهود الدبلوماسية وإنهاء هذه الحرب. حدث ذلك بعد اتفاق فيينا، وبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2254، كما حدث بعد اتفاق ميونيخ الأخير الخاص بـ”وقف الأعمال العدائية”. كان السبب الرئيسي في ذلك التصعيد هو الهجوم العسكري الكبير الذي شنه الخصوم المعلنون للولايات المتحدة الأميركية في سوريا، أي روسيا وقوات النظام والميليشيات الطائفية التي تسانده. لكن الطرف الجديد الذي اندفع ليلهب نيران الصراع في سوريا هذه المرة هو الحليف الأبرز للولايات المتحدة الأميركية “قوات سوريا الديمقراطية”.

تأسست قوات سوريا الديمقراطية “مسد” بدفع من الإدارة الأميركية بعد إعلانها عن إنهاء برنامج تدريب وتسليح أفراد من المعارضة السورية مطلع أكتوبر الماضي، والتوجه إلى تقديم الدعم لتشكيلات عسكرية محددة كانت “مسد” في مقدمتها. وظهرت الحماسة الأميركية الشديدة تجاه تلك القوات سريعا، إذ بعد أيام قليلة فقط من تأسيسها أسقطت الطائرات الأميركية 50 طنا من الأسلحة عبر الجو في منطقة تسيطر عليها تلك القوات. وهو ما لم يحدث من قبل مع أي من فصائل الجيش السوري الحر في حربها الطويلة مع تنظيم داعش.

من خلال تأسيس “مسد”، تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق عدة أهداف. أولا، يخفف تأسيس تشكيل عسكري تحت اسم “قوات سوريا الديمقراطية” من حدة النقد الداخلي الموجه إلى سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما في سوريا، وتحديدا إشكالية عدم وجود حليف قوي لأميركا يحظى بوجود واسع ويحمل خطابا علمانيا، وبصورة أدق خطابا غير إسلامي. لقد تم استئصال حلفاء أميركا السابقين (حركة حزم وجبهة ثوار سوريا) من قبل جبهة النصرة بسهولة نسبية، وفي ظل صمت مطبق من بقية فصائل المعارضة السورية. بعد ذلك، اتجهت الإدارة الأميركية إلى خيار أن تدعم تشكيلا عسكريا من خارج بيئة المعارضة السورية المسلحة التي تحتفظ معظم فصائلها بعلاقات وثيقة مع جبهة النصرة.

ينقلنا ذلك إلى السبب الثاني لتأسيس “مسد”، وهو إدماج أفراد الفصائل التي تم سحقها سابقا من قبل جبهة النصرة في التشكيل العسكري الجديد، بالإضافة إلى الأفراد الذين كانوا قد خضعوا لبرنامج التدريب الأميركي في الدول المجاورة لسوريا. وقد أدت هذه الخطوة إلى إدخال المكون العربي إلى جانب القوات الكردية، وهو ما جعل واشنطن قادرة على التخفيف من عبء الجرائم والانتهاكات التي قامت بها قوات الحماية الكردية أثناء سيطرتها على المناطق ذات الغالبية السكانية العربية. إن تأسيس قوات “سورية” و”ديمقراطية” وبمشاركة من “العرب” يحجب أمام وسائل الإعلام حقيقة ما يحدث حاليا في شمال سوريا: تهجير إثني وتغيير ديمغرافي.

وتاليا، تهدف أميركا من تأسيس قوات كردية – عربية إلى احتواء غضب تركيا بسبب الدعم العسكري الكبير الذي قدمته للمقاتلين الأكراد. كان ذلك واضحا في قضية الخط الأحمر التركي المتمثل بعدم عبور المقاتلين الأكراد إلى منطقة غرب نهر الفرات. فعندما تم العبور بالفعل، أطفأت واشنطن نيران الغضب التركي بتصريحات تدّعي أن المقاتلين العرب من قوات “مسد” هم من عبروا وليس الأكراد، وقد تقبل الرئيس رجب طيب أردوغان تلك “الأكذوبة” ورددها أمام وسائل الإعلام لاعقا الخزي المتجدد الذي يلحق به في كل مرة من جراء إطلاق تهديدات لا يتمكن من تنفيذها.

بالمقابل، وجدت روسيا أن تقديم الدعم لقوات “مسد” يحقق لها سلسلة من المكاسب على عدة جبهات. المكسب الأول هو خلق وجود حقيقي لـ”المعارضة الوطنية” التي لطالما تحدثت عنها في وسائل الإعلام من دون أن يكون لها وجود يذكر. دأبت روسيا على إقامة مؤتمرات حوار تجمع شخصيات مقربة من نظام الأسد ولا حضور لها في ميادين القتال في سوريا. كان ذلك يصب في خانة تزوير الواقع السوري ونشر الأكاذيب، ولكن ذلك الواقع العنيد والمركب لم يكن ليتغير بهذه الطريقة الساذجة. اليوم، انتقلت روسيا إلى التعامل مع الواقع بالفعل، إذ تحاول دفع مجموعات صغيرة من الجيش السوري الحر للمشاركة في قوات “مسد” بما يجعلها الطرف الرئيسي في عملية التفاوض القادمة. ولتحقيق ذلك، لا بد من مواصلة العملية العسكرية الروسية الهادفة إلى تدمير فصائل المعارضة التي لا توافق على رؤية موسكو لسوريا الجديدة.

وفي حين أرادت أميركا احتواء غضب تركيا بتأسيس “مسد”، دعمت موسكو تلك القوات من أجل الانتقام من أنقرة بسبب إسقاطها للطائرة الروسية نهاية العام الماضي. وهل من انتقام أفضل من خلق دويْلة كردية على حدودها لتشكل العمق الحيوي لحزب العمال الكردستاني في تركيا. اختارت روسيا التوقيت المناسب لعمليتها الانتقامية، إذ تحظى قوات الحماية الكردية حاليا بثقة الدول الغربية والولايات المتحدة. فرغم عملية التطهير العرقي التي تنفذها تلك القوات ضد المناطق العربية، فإنها لا تجد سوى التصفيق والإشادة من قبل الدول الغربية ووسائل الإعلام باعتبارها تمثل الخير المطلق في مواجهة الشر المطلق.

كاتب فلسطيني سوري

8