روسيا وإسرائيل: انتهاك متبادل للخطوط الحمراء

حسمت إسرائيل أمرها واعتبرت روسيا قوة استقرار في المنطقة وصمام أمان يحول دون بروز نتائج غير محبذة. بل وجدت في الوجود الروسي نقطة ارتكاز لموازنة النفوذ العسكري الإيراني وكبحه في السنوات القادمة.
السبت 2018/10/06
روسيا وإسرائيل التوتر الحالي لا ينهي علاقة قائمة منذ عقود

تجاهلت روسيا الاعتراضات الإسرائيلية والانتقادات الأميركية وسلمت نظام صواريخ أرض جو من طراز إس-300 للنظام السوري. ورغم ما يبدو من توتر كبير في العلاقة بين إسرائيل وموسكو اليوم، من غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى انتهاء التعاون الاستراتيجي بين الجانبين.

يمكن فهم تجاهل موسكو للخط الأحمر الإسرائيلي، والمتعلق بعدم تزويد النظام السوري بأسلحة متطورة، على أنه رد فعل على تجاهل إسرائيل للخط الأحمر الروسي والمتعلق بضمان سلامة جنودها ومواقعها العسكرية في سوريا أثناء تنفيذ ضرباتها الجوية.

إذ أدت الضربة الجوية الأخيرة التي نفذتها إسرائيل قبل نحو ثلاثة أسابيع واستهدفت مواقع عسكرية على الساحل السوري إلى سقوط طائرة روسية ومقتل خمسة عشر جندياً على متنها وذلك بنيران الدفاع الجوي التابع للنظام السوري. اتهمت موسكو إسرائيل بالتهور وعدم التعامل بالجدية المطلوبة مع الأخطار المحدقة بالجنود الروس، كما جرى اتهامها باستخدام الطائرة الروسية كغطاء لتجنب نيران المضادات الجوية.

في جميع الأحوال، اهتزت صورة روسيا كقوة عسكرية مهيمنة في سوريا وكان على الرئيس فلاديمير بويتن أن يردّ بصورة تعيد هيبة موسكو، وتذكّر الجميع بدورها المحوري في المنطقة.

ورغم التوتر البادي على العلاقات السياسية والعسكرية بين الجانبين في هذه المرحلة، ولكنها علاقة قوية للغاية وقائمة على تفاهمات استراتيجية تعود إلى نحو عقدين من الزمن.

 استطاع فلاديمير بوتين منذ وصوله إلى السلطة في عام 1999 تطوير العلاقات السياسية والعسكرية مع إسرائيل، متجاوزا الإرث الثقيل الذي تركته سياسات الاتحاد السوفييتي الداعمة لدول عربية معادية لإسرائيل. وبدورها، دعمت إسرائيل فلاديمير بوتين في جميع سياساته، حتى تلك المثيرة للجدل والتي أثارت انتقادات دولية.

في حرب الشيشان أبدت إسرائيل، على لسان رئيس وزرائها في ذلك الوقت أرييل شارون، دعم موسكو معلنة أن البلدين يواجهان تهديدا مشتركا يتمثل في “الإرهاب الإسلامي”.

في السنوات التالية، تعزز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الجانبين وخصوصا بعد عملية احتجاز أكثر من ألف رهينة في عام 2004 في مدرسة بيسلان في روسيا والتي انتهت بمقتل نحو 350 من المحتجزين، وذلك بعد اقتحام فاشل لقوى مكافحة الإرهاب الروسية.

زار فلاديمير بوتين إسرائيل في العام 2005 وأبدى ثقته بالتعاون العسكري والأمني بين الجانبين ودعمه لإسرائيل في مواجهة الأخطار الأمنية التي تتعرض لها. بعد ذلك، فضلت إسرائيل الصمت على التدخل العسكري الروسي في جورجيا في عام 2008 في ظل انتقادات دولية متزايدة.

وكذلك كان الحال عند ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. حدث كل ذلك بالتوازي مع تزايد التعاون الاقتصادي والسياحة والهجرة اليهودية من روسيا إلى إسرائيل.

هكذا، عندما تدخلت روسيا في سوريا في عام 2015، كانت علاقات الجانبين الأمنية والعسكرية والاقتصادية متينة وتعود إلى نحو عقدين من الزمن.

ومنذ تدخلها العسكري، سمحت موسكو لإسرائيل بمواصلة استهداف شحنات الأسلحة ومواقع عسكرية تابعة لإيران وللميليشيات التي تديرها في سوريا. بل إن وتيرة الغارات الجوية الإسرائيلية ارتفعت بصورة كبيرة وخصوصا خلال العامين الماضيين حيث شنت نحو 200 غارة جوية على مواقع مختلفة في سوريا.

قد يبدو وجود تناقض ما للوهلة الأولى، إذ تدخلت روسيا لدعم نظام سياسي يبدو “معادياً” لإسرائيل، وبالتالي كان من المتوقع أن يحدث تناقض حاد بين الطرفين. ولكن رغم تفضيل إسرائيل وجود بديل سياسي للنظام السوري يكون حليفا لها ويقطع العلاقات مع كل من حزب الله وإيران، لم تنذر الثورة السورية ومجرياتها بمثل هذا التحول.

كانت ثورة شعبية كبيرة وعفوية، ولم يكن يبدو ممكنا التحكم بنتائجها. بصورة عامة، تبدو الديمقراطية أمرا مبغوضاً من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي المهتم بالمنطقة، إذ يفضل الجميع الاستقرار الأمني على نظام ديمقراطي عرضة للتقلبات السياسية.

بهذا المعنى، حسمت إسرائيل أمرها واعتبرت روسيا قوة استقرار في المنطقة وصمام أمان يحول دون بروز نتائج مفاجئة وغير محبذة. بل وجدت إسرائيل في الوجود الروسي نقطة ارتكاز ضرورية لموازنة النفوذ العسكري الإيراني وكبحه في السنوات القادمة.

كان تخوف إسرائيل الوحيد من الوجود العسكري الروسي في سوريا هو الحد من قدرتها على استهداف القوات الإيرانية والميليشيات المرتبطة بها.

ولكن تاريخ العلاقات الجيدة بين الجانبين سهل التوصل إلى تفاهم تضمن استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، مقابل أخذ سلامة الجنود الروس والمنشآت الروسية بعين الاعتبار. ومع انتهاك إسرائيل لهذا الخط الأحمر، كان على موسكو أن ترد بانتهاك الخط الأحمر الإسرائيلي، بأن تزود النظام السوري بنظام متطور للدفاع الجوي.

ولكن الانتهاك المتبادل للخطوط الحمراء لا يعني تلاشيها بل تثبيت وجودها. بهذا المعنى، من المرجح أن تتعزز تلك الخطوط الحمراء، فتصير إسرائيل مجبرة على إعلام روسيا بكل غارة جوية قبل مدة زمنية كافية لكي تضمن سلامة الجنود الروس. وبالمقابل، تضمن روسيا عدم تهديد الطائرات الإسرائيلية بصورة جدية، وذلك من خلال التحكم المباشر بنظام الدفاع الجوي الجديد، أو عبر وضع قيود شديدة على النظام السوري فيما يتعلق باستخدامه لهذا السلاح.

9