روسيا وإعادة اكتشاف أفريقيا

السبت 2013/12/14

جاء الاهتمام الروسي بقارة أفريقيا خاصة شمالها منذ القرن الثامن عشر بالتوجه نحو سواحل البحر الأبيض المتوسط، ضمن سياسة توسعية اعتمدت على اعتبارات عسكرية وسياسية وتجارية. في تلك الفترة انتهج الإمبراطور بيوتر ألكسييفيتش رومانوف، قيصر روسيا الخامس، سياسة تحديث استطاعت تحويل روسيا القيصرية إلى الإمبراطورية الروسية، وأصبحت بذلك أحد أهم القوى بالإضافة إلى الإمبراطورية العثمانية. ولكنها لم تصل إلى حد تحقيق أطماع استعمارية في شمال أفريقيا، لأنّ الإمبراطورية العثمانية على الحدود الجنوبية لروسيا حالت دون تحقيق ذلك. وتطورت علاقات روسيا في أفريقيا إلى علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية وثقافية بلغت ذروتها في ستينات القرن الماضي.

تجاذبت أفريقيا القطبية الشرقية والغربية وشكلت تكوينها السياسي والثقافي والاقتصادي. الآن وبعد أن مرت من تحت جسر العلاقات مياه كثيرة، وبعد أن تغيّرت ملامح المنطقة ورسمت خريطة جديدة تختلف عن تلك التي عهدتها روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقاً) أوأن عقد تحالفاتها أيام الحرب الباردة، عادت روسيا من جديد بعد انسحاب القطبية الأحادية الأميركية. وفي العودة الجديدة لروسيا جاءت إلى المنطقة بوهج المنافسة الإقليمية بعد غياب طويل، قد يجعل منها لاعبا رئيسا وحيدا إلى أن تعيد أميركا ترتيب أوراقها. ورمت روسيا بثقلها للعب دورٍ تستعيد فيه وجودها في شمال أفريقيا بتعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري والعلاقات المشتركة التي تعود إلى الستينات، حيث ساهمت روسيا في إنشاء عديد المشروعات العملاقة من أهمها السد العالي.

اختارت روسيا عدة نقاط تمثل محاور اهتمامها ونشاطها في شمال أفريقيا، ولكن تركيزها الأكبر كان في مصر، وذلك بعد توتر العلاقات المصرية الأميركية، فقامت روسيا ومصر بتوقيع اتفاقيات عديدة منها اتفاقية منح مصر أنظمة دفاع جوي حديثة. هذه الخطوة الواسعة هي بمثابة تنبيه روسي للولايات المتحدة الأميركية، من أنّها في طريقها لضم أحد أهم الدول التي كانت حليفتها في المنطقة والتي كانت ترتبط معها بعلاقة إستراتيجية وعسكرية تقوم على تبادل المصالح بمنح السفن الأميركية الأولوية في عبور قناة السويس واستخدام مجالها الجوي، مقابل منحة أميركية عبارة عن مساعدات عسكرية سنوية بما يساوي 1.3 مليار دولار، جمّدتها أميركا مؤخرا احتجاجا على عزل نظام الإخوان المسلمين بدعوى الانقلاب على الشرعية.

ولكن يتضح أنّ أميركا اتخذت قرار تغيير سياستها نحو شمال أفريقيا لعدة أسباب ليس من بينها المزاحمة الروسية في إيجاد موطئ قدم إلا بمقدار ملء الفراغ الناتج عن هذه الإرادة. وتلك الأسباب تتمثل في اقتناعها بعدم جدوى الاعتماد على الإسلام السياسي في خلق توازن في المنطقة، خاصة مع فتح مسارات جديدة للتفاهم الأميركي الإيراني. هناك أيضا أسباب اقتصادية وإستراتيجية جعلت أميركا تتجه شرقا نحو النمور الآسيوية لخلق تحالفات جديدة خاضعة لمبدأ المصالح أيضا.

تعود روسيا اليوم، وجديد العودة الروسية إلى المنطقة لا يقتصر على علاقات اقتصادية فقط بل هناك صفقات تسليح وتعاون أمني في مكافحة الإرهاب وتكثيف المبادلات التجارية. فغير مصر هناك محطات واعدة بدأت بالزيارات الدبلوماسية مثل الجزائر والمغرب. أما أهم ما يميّز عودة روسيا إلى شمال أفريقيا في هذه الفترة فهو خلوّ الاتفاقيات ومواثيق التعاون من أي برامج أيديولوجية. فعندما موّل الرئيس السوفييتي نيكيتا خروتشوف بناء السد العالي في ستينات القرن الماضي بما يناهز مليار دولار، ودعم الجيش المصري بعتاد وأسلحة روسية، فما كاد يفعل ذلك باليمين إلا وأخذ بالشمال ولاء مطلقا لأفكاره الماركسية، كما رسّخ أيضا لنفوذه الكبير لدى عبدالناصر تمثل في سيادة أفكاره ومحاولات تطبيقها على الحياة المصرية.

وضعت روسيا قدمها في مصر وهذا الوجود المبدئي يحقق لها عدة أهداف. أول هذه الأهداف أنّ مصر تعتبر البوابة الاستراتيجية والمدخل الأنسب لقارة أفريقيا، وأفريقيا جنوب الصحراء حيث الثروات البكر من اليورانيوم والذهب والكوبالت والنفط. وهذه المخازن الطبيعية قد تكون مصدر صراع مستقبلي بين روسيا وأميركا، خاصة بعد انسحاب أميركا من شمال أفريقيا ولكن بعد أن عزّزت وجودها في أفريقيا جنوب الصحراء، وضمنت الممرات المائية التي تؤمن لها عبور نفط الخليج من مضيق باب المندب. فأفريقيا بالنسبة للقوتين الروسية والأميركية مجال استثمار مستقبلي يتطلب اتفاقهما معاً، خاصة مع وجود قوى أخرى هي التنين الصيني واختراقه لأفريقيا من وسطها. فقد دخلت الصين في عملية اسكتشاف وتصنيع نفط السودان قبيل انفصال دولة الجنوب عام 2011، واليوم تنشر الصين نشاطها بعد أن آلت معظم آبار النفط لدولة الجنوب، وبالإضافة إلى الدولة الوليدة فلها سوق أخرى في وسط وشرق أفريقيا، واكتفت من السودان بالتعاون في مجالات اقتصادية أخرى.

إنّ سياسة روسيا تجاه أفريقيا اختارت مصر نسبة لموقعها الرابط بين ثلاث قارات، وبهذا ستستعرض مقدرتها على تطوير المصالح الاقتصادية، خاصة مع الشركاء الأفارقة، فهل تخلو أرض أفريقيا لروسيا وحدها أم هي مكائد السياسة وتقلباتها؟


كاتبة سودانية

8