روسيا وإيران: كسب معركة وليس الحرب

السبت 2015/11/14

كان الشهر الأول للتدخل العسكري الروسي في سوريا لمساندة نظام بشار الأسد مخيّبا لآمال الطرفين على حد سواء. فقد كثفت روسيا من ضرباتها الجوية لتسجل معدلات كبيرة وصلت إلى 70 ضربة في اليوم الواحد، وهو معدل يتطلب أسابيع من الطلعات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. لكن الأيام الماضية أظهرت أن ذلك الجهد الحربي المكثف بدأ يقطف بعض الثمار، من دون أن يتبيّن في ما إذا كان الحصاد متواصلا أم أن العقم العسكري سيعود ليصيب جميع المتحاربين من جديد.

الضربات الجوية الروسية جاءت بحسب الدعاية الرسمية لمحاربة تنظيم داعش، ولكن الحقائق تكشّفت بعد أيام قليلة عن أنها تستهدف قوات المعارضة السورية بصورة رئيسية، وذلك لدعم الجبهات الضعيفة التي يسيطر عليها الأسد ولاستعادة السيطرة على جبهات أخرى.

الحقيقة الأولى هي أن روسيا تريد تدعيم قوات النظام في المواقع الحساسة بصرف النظر عن كون العدو المسيطر على تلك المواقع هو داعش أو الجيش الحر. أما الحقيقة الثانية فهي أنها تفضل أن يكون العدو الذي يتلقى ضرباتها هو الجيش الحر وليس داعش. حينها فقط سيكون لمجهودها الحربي مردود مضاعف: توسيع مناطق سيطرة النظام من جهة، وإضعاف القوة الرئيسية التي تهدده والتي يمكن أن تفاوضه في يوم ما على تقاسم السلطة من جهة أخرى.

هكذا انطلقت عمليات الأسد – روسيا – إيران على أربع جبهات رئيسية: ريف اللاذقية في جبل الأكراد، ريف حماة باتجاه بلدة كفرنبودة، ريف حلب على جبهتيْن باتجاه مطار كويرس العسكري ومدينة الحاضر. بدأ تقدم قوات النظام بسرعة في ريف حماة في ظل جمود على باقي الجبهات، واستطاعت قوات الأسد، في ظل مشاركة مروحيات روسيا والطيران الحربي واستخدام أسلحة جديدة منها قنابل عنقودية، التقدم والسيطرة على بلدة كفر نبودة. ولكن زيادة الدعم والعتاد للمعارضة السورية وخصوصا الصواريخ المضادة للدبابات قلبت الموازين وراحت المعارضة تستعيد السيطرة بسرعة على ما فقدته، بل وامتلكت زمام المبادرة فأعلنت شن هجوم على ريف حماة هدفه النهائي تحرير المدينة. وكذلك الحال في جبال الأكراد إذ اصطدمت قوات النظام بمقاومة شرسة ولم تنفع الغارات الجوية الروسية، وقد كان الفشل على هاتين الجبهتين هو الأول من نوعه الذي تواجهه روسيا في سوريا.

بالمقابل، كانت المعارك تسير ببطء ونجاح على جبهتي ريف حلب. ففضلا عن الدعم الجوي الروسي استقدم نظام الأسد قوات من الحرس الثوري الإيراني، قدّرت مصادر استخباراتية غربية أعدادها بأكثر من 2000 مقاتل. وإذ لطالما تمثلت مشكلة نظام الأسد على صعيد الهجوم العسكري في الخشية من خسارة أعداد كبيرة من المقاتلين، وهو ما يتطلبه كسب أي معركة برية. أما وقد توفر المئات من المقاتلين الذين قدمتهم إيران على مذبح التقدم الميداني، فها هو النظام يعود للتقدم. فقبل أيام نجح نظام الأسد في فك الحصار عن مطار كويرس العسكري الذي بقي محاصرا لنحو ثلاث سنوات، وبعدها بيومين فقط نجح في السيطرة على مدينة الحاضر في ريف حلب.

وكانت قوات الأسد وروسيا وإيران قد انطلقت في هجومين متزامنين وباتجاهين متعاكسين تقريبا، إذ انطلقت من نقاط تمركزها في السفيرة شرقا باتجاه مطار كويرس، وغربا باتجاه مدينة الحاضر. وعلى المستوى العسكري، يخدم فك الحصار عن المطار تثبيت وجود النظام في منطقة تتعرض قواته فيها إلى الاندحار طيلة الأشهر الماضية. كما أن للمطار موقعا حيويا ربما يمكّن النظام وحلفاءه من توسيع مساحات السيطرة في ريف حلب الشرقي ويقربهم من مدينة منبج التي تخضع لسيطرة تنظيم داعش، وهو ما يجعلهم رأس الحربة في السيطرة عليها في حال حصول توافق دولي حول تركيز جهود المعارضة والنظام على محاربة داعش.

وعلى المستوى السياسي تخدم العملية روسيا التي لا تزال تصر على أن حربها في سوريا هي ضد داعش. هكذا، تحقق موسكو أول نصر ضد التنظيم بعد أن أسفرت عملياتها سابقا عن إضعاف المعارضة السورية وتقدم التنظيم الإرهابي في ريف حلب. أما بالنسبة إلى النظام فالعملية تخدم زيادة حشد مؤيديه من حوله ليواصلوا صمتهم عن إستراتيجيته العدمية وهي القتال دون أفق حتى النهاية، كما خدم فك الحصار عن المطار إظهار النظام بمظهر الحريص على جنوده والقادر على حمايتهم.

أما السيطرة على مدينة الحاضر فتضع قوات النظام في موقع قريب من مدينتيْ كفريا والفوعة اللتين تقطنهما غالبية شيعية. وقد كانت المدينتان قبل نحو شهر من الآن جزءا من هدنة عسكرية أبرمتها إيران مع المعارضة السورية وشملت بلدة الزبداني. ولكن، بعد الهدنة مباشرة، أرادت إيران الاستفادة من زخم التدخل الروسي والحماسة التي يبديها فلاديمير بوتين لتحقيق تقدم سريع يواجه به الإدانات الدولية والإقليمية، فأرسلت المئات من المقاتلين للمشاركة في معركة الحاضر والتقدم باتجاه كفريا والفوعة في معارك قادمة تهدف إلى فك الحصار عن البلدتين.

العامل الحاسم في تقدم قوات النظام على الأرض لم يتمثل بالضربات الجوية الروسية، بل بمشاركة قوات الحرس الثوري الإيراني لتعوض نقص أعداد جنود الجيش النظامي والإنهاك الشديد الذي لحق بهم بعد سنوات من القتال. ومع ذلك، يبدو أن الدرس الأهم في هذه الحرب هو أنها تتشكل من معارك كر وفر، يمكن كسب بعض تلك المعارك، ولكن لا يمكن لأي طرف أن يكسب الحرب.

كاتب فلسطيني سوري

9