روسيا والاتحاد الأوروبي: منع متبادل يذكر العالم بالحرب الباردة

الثلاثاء 2015/06/09
دعم روسيا للانفصاليين أدى إلى إقرار أوروبا عقوبات ضدها

يبدو أن روح الصراع بين الاتحاد السوفييتي الذي تفكك في بداية تسعينات القرن الماضي والغرب الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة التي انتصرت في حربها الباردة، لا يزال قائما بين القطبين الشرقي والغربي إلى حدود اليوم، حتى وإن اختلفت صيغ وأمكنة هذا الصراع.

فبعد أن تمكنت الأجهزة السوفياتية من الوصول إلى خاصرة الولايات المتحدة الأميركية محدثة “أزمة الصواريخ الكوبية” في بداية ستينات القرن الماضي بخليج الخنازير، هاهي الولايات المتحدة اليوم تصل إلى خاصرة روسيا (وريثة الاتحاد المفكك) لتحدث الأزمة الأوكرانية التي تنم عن تعقيدات إثنية وقومية ومن ورائها مصالح اقتصادية وجغراسياسية مركبة.

وقد أدى دعم روسيا للانفصاليين المتحدثين بالروسية في أوكرانيا إلى قيام الاتحاد الأوروبي بإقرار عقوبات ضد الروس، وهو ما دفع موسكو إلى ردة فعل مماثلة وإصدار لائحة لمسؤولين أوروبيين منعتهم من دخول الأراضي الروسية. دون أن ينسى دور الولايات المتحدة في هذا الإطار، حيث يقوم الاتحاد الأوروبي بمواجهة النفوذ الروسي بالوكالة.

هذا المنع المتبادل أشعل حرب تصريحات بين رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز الذي قال إنه فرض قيودا أخرى على شخصيات روسية، الأمر الذي دفع سيرغي لافروف إلى الرد قائلا إن روسيا تتعامل بالمثل، وستمنع مسؤولين أوروبيين من دخول موسكو.

منع دخول مسؤولين أوروبيين إلى روسيا مرفوض

مارتن شولتز: عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، وهو رئيس برلمان الاتحاد الأوروبي للمرة الثانية منذ 2009، وقد دخل البرلمان الأوروبي سنة 1994

قال البرلمان الأوروبي على لسان رئيسه مارتن شولتز إنه فرض قيودا على دخول الدبلوماسيين وأعضاء البرلمان الروسي، وإنه أوقف العمل مع نظرائه في موسكو، وذلك في أعقاب صدور القائمة السوداء الروسية تجاه المسؤولين في الاتحاد الأوروبي.

وقد وصلت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة، وذلك بسبب الصراع الدائر في شرق أوكرانيا. وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على موسكو، من بينها فرض حظر على سفر الأفراد، بسبب دورها الملحوظ في الأزمة.

وقد كشفت روسيا في وقت سابق تفاصيل لائحة تضم 89 أوروبيا ممنوعين من دخول البلاد، بعد رفض دخول العديد من السياسيين في الأشهر الأخيرة. وتشمل القائمة السوداء العديد من أعضاء البرلمان الأوروبي، فضلا عن السياسيين وأعضاء أحزاب بارزين والشخصيات العسكرية والأمنية والاستخبارية.

وأبلغ شولتز في بيان له سفير روسيا لدى الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيجوف، أنه يرى أنه “يحق له اتخاذ التدابير المناسبة ردا على ذلك”، لأن موسكو “فشلت” في العمل بشفافية أو تمشيا مع القانون الدولي.

وقال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز معلقا على القائمة السوداء التي أصدرتها روسيا وتضم 89 شخصية سياسية من الاتحاد الأوروبي “إننا نعتبر هذا الإجراء تعسفيا تماما وغير مبرر، خصوصا في ظل غياب مزيد من التوضيح والشفافية”.

ووفقا لوكالة الأنباء الروسية أنترفاكس، فقد سلمت وزارة الخارجية الروسية القائمة إلى بعثة الاتحاد الأوروبي في موسكو وسط الأسبوع الماضي.

وقال المتحدث باسم بعثة الاتحاد الأوروبي سورين ليبوريوس لانترفاكس “لقد سلمت وزارة الخارجية القائمة لنا وأخبرتنا أنها ليست للنشر”.

وقال دبلوماسي روسي رفيع المستوى لانترفاكس إن التدابير التي اتخذت جاءت ردا على “حملة العقوبات” التي يتم شنها ضد روسيا، خاصة من دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها ألمانيا. وقال الدبلوماسي الذي لم يكشف عن اسمه إن هناك قائمة مماثلة للولايات المتحدة.

ودعا مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبى روسيا إلى “ضمان الشفافية في قراراتها، بما يتوافق مع القانون الدولي والالتزامات القانونية، وبما يسمح للأفراد المستهدفين بممارسة حق الدفاع والاستئناف”.

سفير موسكو لدى الاتحاد لم يعد مرحبا به، وسيتم التدقيق في أمر المشرعين الروس قبل السماح بدخولهم

وأكد شولتز تعليقه لعمل لجنة مكونة من مشرعين من روسيا والاتحاد الأوروبي تجتمع أكثر من مرة كل عام، لتحسين العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

واتخذ البرلمان الأوروبي بقرار من رئيسه مارتن شولتز إجراءات دبلوماسية وميدانية ردا على منع روسيا لساسة وقادة عسكريين أوروبيين من دخولها، قائلا إن “سفير موسكو لدى الاتحاد في بروكسل لم يعد مرحبا به، وإنه سيتم التدقيق في أمر المشرعين الروس قبل السماح بدخولهم”.

وقال شولتز “لقد أبلغنا السفير الروسي لدى الاتحاد الأوروبي بأنه يعتبر اتخاذ الإجراءات الملائمة ردا على ذلك مبررا، في حين أن روسيا لم تبرر ما قامت به، وهذا ما يتنافى والقانون الدولي والأعراف المتفق عليها في الدبلوماسية بين الدول”.

وتشمل الإجراءات إنهاء حرية الدخول المتاحة لفلاديمير تشيزوف سفير روسيا لدى الاتحاد، مما يعني أنه لن يسمح بدخوله البرلمان إلا في ظروف خاصة. وقال مكتب شولتز إنه سيسمح لأعضاء مجلس النواب والمجلس الاتحادي الروسيين بالدخول، وفقا لكل حالة على حدة.

وأكد شولتز أن القائمة التي تقدم بها الاتحاد الأوروبي سابقا والتي تتضمن عقوبات في حق مسؤولين روس "مبنية على حقائق وأدلة تخول لسلطات الاتحاد أن تمنع هؤلاء المسؤولين من الدخول" وأضاف قائلا: "نحن متأكدين من أن الذين تم منعهم متورطون في ارتكاب أفعال نحن نرفضها في منظومتنا، والأمر طبعا متعلق بالأزمة الأوكرانية التي نريد حلها بأي شكل من الأشكال وفق المصلحة التي يستحقها شعب أوكرانيا". وقد أكدت تصريحات عديدة له أن روسيا لا يجب عليها أن تنزعج من هذا القرار لأنه "مبرر ومبني على وقائع وأدلة، وبالتالي فرد فعلها ليس مبررا".

أوروبا بدأت بالمنع ونحن نرد بالمثل وهذا طبيعي

سيرغي لافروف: وزير خارجية روسيا منذ 2004، بعد أن كان أحد كبار الدبلوماسيين الروس في الأمم المتحدة وكبير المستشارين الدبلوماسيين في فترة الحرب الباردة

انتقدت روسيا الاتحاد الأوروبي لسماحه بنشر قائمة بأسماء مسؤولين أوروبيين ممنوعين من دخول البلاد، في التداعيات الدبلوماسية بشأن الأزمة الأوكرانية.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن موسكو التي أعدت القائمة ردا على حظر مماثل على مسؤولين روس من جانب الاتحاد الأوروبي، سلمت القائمة إلى الاتحاد “بطريقة سرية”.

ويقول الاتحاد الأوروبي إن حظر السفر غير مبرر وأظهرت قائمة اطلعت عليها وكالات أنباء أوروبية وأميركية في مطلع الأسبوع الماضي، 89 سياسيا أوروبيا وقائدا عسكريا ضمن القائمة.

وقال لافروف في مؤتمر صحفي إن روسيا “أعدت قائمة العقوبات المضادة التي قدمت والتي تطبق على مسؤولين كانوا نشطين للغاية في دعم الانقلاب على الدولة، الذي أدى إلى بداية اضطهاد الروس والتمييز ضدهم في أوكرانيا”. ورفض لافروف الانتقاد الغربي بأن الإجراء الذي اتخذته روسيا غير مبرر، ووصفه بأنه “غريب”.

وقال “مع فرض الاتحاد الأوروبي قيوده على نحو 150 روسيا أعتقد أننا فعلنا نفس الشيء لعدد صغير جدا من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي”. وقال لافروف لدى لقائه مع المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحفيين إن رد فعل الاتحاد “يصعب فهمه”.

وتنفي روسيا الاتهامات الغربية بالتدخل العسكري المباشر في شرق أوكرانيا، وتتهم الغرب بتنظيم الاحتجاجات في كييف التي أدت إلى الإطاحة برئيس أوكرانيا الذي تؤيده موسكو في فبراير من العام الماضي.

وضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا بعد شهر، قائلة إنها يجب أن تحمي حقوق متحدثي الروسية هناك. ويقول لافروف في هذا الصدد إن “الانتفاضة الانفصالية التي أعقبت ذلك في شرق أوكرانيا أثارتها مخاوف بشأن تهديد لمتحدثي الروسية من السلطات ‘غير الشرعية’ الجديدة في كييف”.

وأكد مسؤول بالخارجية الروسية، صحة الأنباء التي تفيد قيام موسكو بحظر دخول 89 مسؤولا أوروبيا رفيعي المستوى إلى أراضيها، بعد إدراجهم على “القائمة السوداء”.

وذكر سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي في تصريحات أدلى بها لوكالة “طاس” الروسية للأنباء، “أنا لا أريد أن أُعلق على الأسماء التي تم إدراجها في القائمة، لكن أؤكد أننا أرسلنا قائمة كهذه إلى شركائنا الأوروبيين”.

مع فرض الاتحاد الأوروبي قيوده على نحو 150 روسيا، أعتقد أننا فعلنا نفس الشيء لعدد من دول الاتحاد الأوروبي

وأوضحت مصادر عديدة أن الدول الأوروبية طلبت من موسكو توضيحا حول “القائمة السوداء”، مضيفة أن القائمة التي سلمت لمكتب الاتحاد الأوروبي في موسكو هي تأكيد على تعامل “الند للند والمعاملة بالمثل\'”، وقال سيرغي لافروف في هذا السياق “هذه القائمة قمنا بتشكيلها كرد على سياسة العقوبات التي تطبقها بعض الدول الأوروبية التي تتقدمها ألمانيا وبعض دول أوروبا الشرقية، ضد روسيا”.

وشملت القائمة التي أرسلتها روسيا للممثلية الأوروبية في موسكو “20 عضوا حاليا بالبرلمان الأوروبي، إلى جانب 10 سابقين، ومسؤولين بالاستخبارات البريطانية، ومسؤولين عسكريين ذوي رتب عالية من بولندا وأستونيا، ونائب رئيس شركة (ترانس غاز) الرومانية، فضلا عن 18 شخصية أخرى من بولندا، و9 من بريطانيا، و8 من السويد، ومثلهم من أستونيا، و7 من ألمانيا، ومثلهم من لتوانيا”.

وقال سيرغي لافروف أن الاتحاد الأوروبي "أخطأ" عندما بدأ بمنع مسؤولين روس من دخول أوروبا، "ولم يحسب أن موسكو قادرة على الرد بالمثل".

وقد علق مراقبون ان الروس ينتهجون سياسة الرد بالمثل منذ مدة وليس مع أوروبا فقط بل مع الولايات المتحدة أيضا، التي منعت مسؤولين روسا من دخول أميركا في حين أن روسيا منعت بدورها دخول أميركان إليها، كما فرضت عقوبات على بعض الشركات أيضا ردا على فعل قامت به الولايات المتحدة في السياق ذاته، وهو ما يفسر الخطوة الأخيرة التي قامت بها موسكو تجاه مسؤولين أوربيين.

احتدام المعارك في أوكرانيا يزيد من تعقيد العلاقات الروسية الأوروبية

الرئاسة الروسية اتهمت الجيش الأوكراني بالقيام بـ"عمليات استفزازية"

كييف- اتهمت رئاسة أركان الجيش الأوكراني روسيا بدعم المتمردين الموالين لها بشن “هجوم واسع النطاق” ضد مواقعها في شرق البلاد، في حين نددت روسيا بالاستفزازات الأوكرانية.

كما نفى المتمردون من جهتهم شن هجوم، لكنهم أكدوا أن معارك تجري في ماريينكا التي تبعد مسافة عشرين كيلومترا عن معقلهم في دونيتسك.

وقالت هيئة الأركان الأوكرانية في بيان “شن الإرهابيون الروس وبشكل ينتهك اتفاقات مينسك، هجوما واسع النطاق على المواقع الأوكرانية. وأرسل العدو في اتجاه ماريينكا أكثر من عشر دبابات وما يصل إلى ألف عنصر ضد القوات الأوكرانية”.

لكن الرئاسة الروسية اتهمت الجيش الأوكراني بالقيام بـ”عمليات استفزازية”، وبأنه مسؤول “إلى حد كبير” عن الوضع الحالي في شرق أوكرانيا.

ونقلت تقارير صحفية عن دميتري بيسكوف المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله “نحن في موسكو نراقب بقلق العمليات الاستفزازية للجيش الأوكراني التي نعتبر أنها تؤدي إلى حد كبير إلى تأجيج الوضع القائم”. وأضاف “إننا قلقون جدا من النيران التي تتعرض لها المناطق المأهولة في دونباس (شرق أوكرانيا) والتي تتسبب في مقتل مسنين وأطفال”.

ومن جهتها نفت السلطات الانفصالية شن هجوم ضد القوات الأوكرانية، لكنها أكدت أن معارك تدور قرب ماريينكا. وأعلنت هيئة أركان الجيش الأوكراني أن الجنود تمكنوا حتى الآن من صد الهجوم. لكنهم اضطروا “لاستخدام المدفعية التي كانت موجودة سابقا في منطقة بعيدة عن خط الجبهة بموجب اتفاقات مينسك”.

وفي إطار تصعيد التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي على خلفية الأزمة الأوكرانية، استنكرت موسكو قرار بروكسل السماح فقط لإثنين من دبلوماسييها بدخول البرلمان الأوروبي ووصفته بأنه “حملة اضطهاد”.

تمت إزالة تمثال لينين من مدينة سلافيانسك، وهو فعل رمزي للتعبير عن رفض الأوكرانيين هيمنة روسيا

وكان رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز أعلن أنه لن يسمح سوى للسفير الروسي في الاتحاد الأوروبي فلاديمير تشيزوف ودبلوماسي آخر بدخول البرلمان، ردا على قرار موسكو منع 89 أوروبيا من دخول روسيا التي قالت إنه رد على العقوبات الأوروبية المتصلة بالأزمة الأوكرانية.

من جانب آخر، قام قوميون أوكرانيون بإزالة تمثال للينين، رغم معارضة قسم من السكان في مدينة سلافيانسك التي كانت قبل فترة معقلا للمتمردين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا قبل أن تستعيدها قوات كييف، وهو تعبير رمزي على رفض الأوكرانيين للهيمنة الروسية.

وقال وزير الداخلية الأوكراني أرسن أفاكوف في تصريح له “قام شبان من حركة برافي سكتور (القومية) في ساعة مبكرة بإزالة تمثال للينين بشكل لائق جدا”. ويظهر في صور تم بثها على الإنترنت التمثال وقد أزيل بواسطة رافعة وسلك ربط برأس التمثال.

وقد شهدت تماثيل أخرى لقائد الثورة البلشيفية فلاديمير إليتش لينين عمليات اقتلاع في مدن أوكرانية أوخرى ومنها العاصمة كييف، وذلك تعبيرا عن رفض الهيمنة الروسية على أوكرانيا تحت ذريعة وجود مواطنين من أصول روسية ويتحدثون اللغة الروسية يعيشون في أوكرانيا.

وتؤكد تقارير أن مشاكل عديدة تخص التعايش الاجتماعي بين الأوكرانيين والروس على خلفية الصراع بين البلدين، وقد خلفت حقبة الاتحاد السوفييتي عديد الإشكالات الإثنية والجغرافية والسياسية على أوكرانيا وبعض الجمهوريات الأخرى للاتحاد السوفييتي سابقا.

12