روسيا واللاتفويض الأميركي

الأحد 2015/09/06

نشطت السياسة الروسية خلال الشهر الأخير بشكل متسارع وركّزت على الملف السوري كأولوية لها في منطقة الشرق الأوسط، وسرّبت بعض المصادر السياسية والإعلامية بأن الولايات المتحدة كلّفت روسيا بإيجاد حل للأزمة السورية، وأنها سلّمتها دفّة السفينة.

بتسارع لم تعهده الأزمة السورية، التقى وزير الخارجية الروسي خلال شهر واحد بنظرائه من أهم الدول المؤثرة بالملف السوري كالأميركي والسعودي والقطري والإيراني وغيرهم، وزار موسكو زعماء عرب على رأسهم المصري والأردني ووليّ عهد أبوظبي، وكان الملف السوري الحاضر الأهم في هذه اللقاءات والزيارات، وأطلقت روسيا مبادرات لجمع المعارضة السورية بعضها مع البعض الآخر، وأخرى للتحضير لمؤتمر جنيف 3 وغيرها أيضاً.

ارتفع صوت روسيا عاليا، وتحدّث المسؤولون الروس بغطرسة واضحة، ورفضوا عروضا لتحسين العلاقات الروسية – العربية، واستخفوا بأهمية التفاهم الأميركي الروسي السعودي، وتمسّكوا بنظام يتهاوى، وأرعدوا وأزبدوا بأنهم لن يُسامحوا من يطالب بتنحية الأسد عن السلطة كشرط مسبق للحل، وأوحوا للمعارضة السورية بأن الحل بات الآن بيدهم وحدهم، واستغلوا وسائل إعلامهم، وإعلام أصدقائهم للنفخ بقدرات الدب الروسي المستيقظ من غفوته.

صدّق كثير من السوريين هذا الافتراض، خاصة وأن الولايات المتحدة لها باع طويل في المماطلة والتردد والتراجع وتغيير المواقف صعودا وهبوطا فيما يتعلق بالأزمة السورية، وافترض البعض أن انتقال الملف من يد ليد هو من شروط الاتفاق النووي الإيراني، أو هو إفلاس دولي من إمكانية إيجاد حل لأزمة طال أمدها وتفشّت بقعة زيتها.

بعد اجتماع المبعوث الأميركي المكلف بالشأن السوري مايكل راتني بمسؤولين روس، تبخّر هذا الافتراض، إذ سرعان ما أعلنت الخارجية الأميركية أن واشنطن ملتزمة بالإطاحة بالأسد وأنها ترى أن العملية الانتقالية السياسية ضرورية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو متناقض كليا مع ما يطرحه الروس، وتبيّن أن الطرفين الروسي والأميركي غير متفقين على الأساسيات، وربما على الثانويات أيضا، واتّضح أن لا روسيا هي التي تقود دفّة الأزمة السورية ولا الولايات المتحدة سلّمتها أيّ مفتاح، وأن كل ما جرى هو جزء من لعبة شد الحبال واللعب على التناقضات بين الطرفين.

هذا الإعلان الأميركي لا يعني أنها ستُكشّر عن أنيابها أمام روسيا، ولا أنها بصدد إيجاد حل للأزمة السورية لإنقاذ بقايا الشعب السوري، ولا أنها تمتلك الرغبة الواضحة بإنهاء الأزمة، وإنما يدلّ بأعراف دهاليز السياسة على أن الاستراتيجية الأميركية تعتمد على مبدأ ترك الدبلوماسية الروسية لتجرب عضلاتها، وتسير بمبادرات وتطرح حلولا تعرف أنها غير ناجعة ولن تمر، وتستخدم الروس لتضييع المزيد من الوقت دون أن يُحسب ذلك على اليانكيين.

السياسة الأميركية الخبيئة أصابت الروس بالغرور، فارتفع صوتهم وهددوا بسبابتهم وقالوا إنهم مع حل يحفظ النظام و(يُطيّب خاطر) المعارضة، وتناست أن النظام تسبّب في حرب قتلت نصف مليون وأعاقت ضعفهم، واقتلع عشرة ملايين من جذورهم وشرّدتهم في بقاع الأرض، ودمّرت أساسيات الدولة، وسقط معارضون سوريون (للمرة العاشرة) بفخها، وصدّقوا أنها باتت الآن الآمر الناهي.

لم تسلّم الولايات المتحدة ملفّا لروسيا في أيّ وقت سابق، ولن تسلّمها الآن ملفا استراتيجيا بهذه الأهمية، لكن من الواضح أن استراتيجيتها اختلفت، هي تعتمد أسلوب رجل المال الذي يترك غيره ليعمل ويُجرّب ويُخطئ بينما هو يُراقب ويجني الأرباح بالنهاية، دون أن تنزل منه قطرة عرق واحدة.

تحاول الديبلوماسية الروسية خداع الولايات المتحدة من خلال محاولتها نزع الشرعية عن المعارضة الحالية لصالح معارضات رخوة غير واضحة المعالم وشبهات علاقتها بالنظام تزكم الأنوف، كما تحاول حرف أيّ خطّة جدّية وتحوّلها إلى إجراء مفرغ من مضمونه وتسخّره لخدمة السلطة السورية، وتتجاهل الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية.

لاشك أن مئات مراكز الأبحاث المرتبطة بمراكز صنع القرار في أميركا لا تلعب، ويتم رصد ميزانيات ضخمة لها لتُخطط، وبالتأكيد ليست دراساتها منزّلة، لكن نسب خطئها تكاد لا تُذكر، وهي تضع خططا موازية وبديلة وتصحيحية للوصول إلى الأهداف، ولولا ذلك لما صُرِفت عليها المليارات.

ولا شك أيضا أن أصحاب القرار في الولايات المتحدة يُدركون أن المعارضة السورية، والمعني هنا ليس مؤسسات المعارضة، وإنما أصحاب الثورة والمطالبون بالحرية والعدالة والكرامة، لن يقبلوا بأيّ تسوية سطحية تصالحية لا تضمن تغيير النظام الذي دمّر ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، أو أيّ حل مشوّه لا يقتلع الشر ويوقف الدمار والموت في نفس الوقت، ولأنهم يُدركون ذلك يحاولون اللعب بالوقت الضائع قبل أن يستطيع هذا الشعب تحقيق أحلامه.

كاتب سوري

4