روسيا وتركيا: تطويق الخلافات والعداء للناتو

السبت 2016/08/13

تمثل سوريا الميدان الأبرز للصراع الإقليمي والدولي. في هذا الميدان، يجري حل التناقضات المستعصية منذ سنوات بأكثر الطرق عنفا ودموية. المفارقة أن الصراع الإقليمي والدولي في وعلى سوريا، يبقى محكوما بحدود الميدان السوري، ولا يسمح له بالتسرب خارجا، خشية تعكير صفو العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية للدول المنخرطة في الصراع.

للوهلة الأولى، بدا الصراع الروسي التركي مخالفا لنظرية عزل الساحة السورية، إذ امتدت نيرانه، على خلفية إسقاط الطائرة الحربية الروسية، إلى العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين. ولكن المصالحة قدمت دليلا يؤكد عزم الأطراف المتحاربة على تطويق الميدان السوري وعزله عما سواه.

دخل البلدان في حالة متطورة من الصراع العنيف في سوريا بلغت أوجها عندما نجحت روسيا في دعم هجوم عسكري كبير لقوات النظام السوري وحلفائه في الساحل السوري مع نهاية العام الماضي مكنها من السيطرة على مناطق شاسعة يقطنها سوريون- تركمان ممن تدعمهم تركيا وتعتبرهم جزءا من نفوذ متخيل لها في سوريا المستقبل. فقدت تركيا أعصابها وعبرت عن إحباطها بإسقاط طائرة حربية روسية متخطية قواعد اللعبة بين الطرفين. سارعت روسيا إلى تخطي قواعد اللعبة وألغت العمل بالاتفاق الضمني المتعلق بعزل الساحة السورية.

ومنذ ذلك الوقت، اجتاحت خلافات البلدين في الملف السوري جميع مستويات العلاقة بينهما. لم تأبه روسيا بتطور العلاقات الاقتصادية إلى مستويات لم يكن من الحكمة تهديدها، وفرضت قيودا على الواردات التركية مهددة بإغلاق السوق الروسي الذي يشكل ثاني أكبر سوق يستقبل السلع التركية بعد ألمانيا. كما فرضت موسكو قيودا على الشركات التركية وأوقفت رحلات الطيران بين البلدين لتفقد تركيا عائدات استقبال 3.5 مليون سائح روسي.على المستوى الدبلوماسي انتقلت تركيا من تصنيف الشريك لروسيا إلى العدو المتهم بدعم تنظيم الدولة الإسلامية وشراء النفط منه، بل إن لائحة الاتهامات الروسية توسعت حتى شملت أفرادا في عائلة الرئيس التركي. أكثر من ذلك، دعمت روسيا حزب العمال الكردستاني الذي يخوض حربا متجددة مع السلطات التركية، كما دعمت فرعه في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وافتتحت له مكتبا سياسيا في العاصمة موسكو.

ولكن قانون عزل الساحة السورية سارع للعمل مجددا واستطاع السيطرة على خلاف حاد ومتسع بدا لوهلة أنه قد يمتد لسنوات. وضعت الحرب الروسية التركية أوزارها بعد ستة أشهر فقط مع إرسال الرئيس التركي رسالة اعتذار في شهر يونيو الماضي إلى نظيره الروسي، وتسارعت المصالحة بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري في تركيا وصولا إلى لقاء رئيسي البلدين قبل أيام.

يحكم علاقات البلدين توازن على كل المستويات. توازن لا يحتمل قدرا كبيرا من التلاعب وهو ما أرسى تفاهما على تطويق الخلافات داخل سوريا وعدم سحبها على الملفات التي يتشاركها الطرفان. على المستوى الاقتصادي، هنالك اعتماد متبادل، إذ لا يمكن لتركيا أن تغامر بخسارة السوق الروسية، كما لا يمكن لقطاع الطاقة الروسي أن يحتمل خسارة السوق التركية. وفي ظل العقوبات الغربية على روسيا، ليس من الحكمة أن تصر موسكو على زيادة متاعب اقتصادها عبر تبادل العقوبات الاقتصادية مع أنقرة. حساسية العلاقات الاقتصادية بين البلدين بدت من خلال تجنب التصعيد نحو الحدود القصوى، إذ لم توقف روسيا واردات النفط والغاز في ظل الأزمة أو العمل على بناء المفاعل النووي الأول في تركيا.

وأخيرا، سرّع الانقلاب العسكري الفاشل بحصول المصالحة مع روسيا. تم اعتقال الضباط الأتراك المسؤولين عن إسقاط الطائرة الروسية بتهمة الانتماء إلى جماعة فتح الله غولن. وفر ذلك مخرجا مثاليا لحل أزمة إسقاط الطائرة الروسية التي تسببت في اندلاع الخلافات.

تضع روسيا مهمة إبعاد تركيا عن حلف شمال الأطلسي على رأس أولوياتها. أولوية تبدو ممكنة التحقق بالنسبة لموسكو وخصوصا بعد أن تلقى الجيش التركي صفعة أولى بفشل انقلابه العسكري، وصفعات متتالية بعد حملة “التطهير”، التي قامت بها حكومة أردوغان، والتي غيرت من هيكلية الجيش وأنهت دوره كلاعب مستقل في الحياة السياسية. بهذا المعنى، يبدو بوتين سعيدا بفشل الانقلاب الذي كان نجاحه يقرب تركيا من حلف شمال الأطلسي، وينهي مراهناته على إقناع تركيا بالخروج من عضوية الحلف.

كاتب فلسطيني سوري

9