روسيا وخيارها العسكري في سوريا

السبت 2014/02/22

على مدى جولتين باهتتين من التفاوض في جنيف، أثبت النظام السوري أنه حسم أمره في رفض أي حل سياسي. وتثبت “مسيرات التأييد” التي باتت تخرج في المناطق التي يسيطر عليها النظام، أن الرئيس الأسد، هو عقبة كأداء في وجه أي حل، إذ أنه سوف يقوم بترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة، منهياً بذلك أي أمل في قبول تسوية سياسية للحرب القائمة.

واجتاز النظام السوري عنق الزجاجة عام 2012، وهو العام الذي شهد تصاعد الموجة الثورية في سوريا، وسيطرة قوات المعارضة على مناطق شاسعة من البلاد. حينها بدا النظام في لحظاته الأخيرة، وبدت أيام الأسد “معدودة”، لا بالنسبة إلى المتظاهرين والمقاتلين فحسب، بل بالنسبة لكبار قادة العالم أيضا. وإذ بالأيام تطول، وتمعن فتكا في أرواح السوريين، بصورة أشد إرهابا من تلك التي بدأت عليها عام 2011.

ويجد الأسد نفسه اليوم في وضع مثالي للغاية، مع تأخير متعمد في تسليم السلاح الكيماوي، فلا يزال له دور ما يلعبه. الأهم، هو ما أحدثه تدفق الدماء في شرايينه عبر ميليشيات حزب الله وإيران والعراق من تغييرٍ في مجريات الصراع على الأرض. فعادت قواته إلى الهجوم بعد عام من الانكفاء، وأتت سياسة حصار المدن، بنتائج مبهرة وفق مقاييس الإجرام التي يعتمدها.

ولا يمكن لعين باحثة في التاريخ أن تحدد أية مدينة أو بلدة في العالم، تلك التي رزحت لنحو عامين، بصورة يومية ومن دون توقف، تحت وابل من القصف المدفعي والصاروخي. أية مدينة في هذا العالم الذي مزقته الحروب والصراعات، خضع المدنيون في داخلها لحصار متواصل تجاوز ستمئة يوم كما حصل في أحياء حمص القديمة.

قد لا يسعفنا التاريخ بجرائم إرهابية مماثلة تحدث على مدار الساعة، ويتعامل معها العالم “الحر” بمزيد من اللامبالاة كما يفعل اليوم. العالم يغط في سبات عميق، أما جيش الأسد المدجج بأعتى الأسلحة فلا ينام أبداً، وهو يواصل القتل بوتيرة متصاعدة.

أجبرت سياسة الحصار، عديد البلدات على عقد “هدنة” مع النظام، تصب بصورة أو بأخرى في صالحه. فـ”الهدنة” في جانب منها تشير إلى عجز قوات الأسد عن اقتحام البلدة وفرض السيطرة عليها، لكنها تسفر عن تحييد الجبهات واحدة بعد الأخرى عن القتال. حينها يتمكن النظام من تنفيذ إعادة انتشار لقواته، فيما يقبع مسلحو المعارضة في حصار محكم يمنعهم من تنفيذ إعادة انتشار مماثلة يدعمون بها الجبهات التي تتعرض لضغوط كبيرة، ومنها على سبيل المثال جبهة القلمون التي تخوض أشرس المعارك مع النظام وقوات حزب الله.

أما المعارضة السياسية والعسكرية فهي لا تكاد تخرج من مأزق، حتى تدخل في كارثة. فهي على الصعيد السياسي تقبع في حالة من الضعف والانقسام لتياراتها وكتلها. أما على المستوى العسكري، فتكاد الحرب بين فصائلها وخصوصاً ضد تنظيم “داعش”، تستنفد قواها. كل ذلك لا بد أنه يثير غبطة لدى النظام وحلفائه.

لا غرابة في أن يرفض النظام أي حل يفضي إلى تغيير السلطة والإطاحة برأسه. وفي حين لم تتردد إيران في أي يوم، في دعم خيارات النظام المتعنّتة، كانت روسيا خلال التحضير لمؤتمر جنيف، تميل نحو إبداء نوع من التوازن. فامتنعت عن إطلاق تصريحات مباشرة داعمة للنظام يمكن أن تزيد من تصلبه، وهو ما فُهم على أنه دعم للحل السياسي المأمول، والذي بات ناجزاً بتفاصيله بالتوافق مع الجانب الأميركي.

لكن صبر روسيا نفذ بسرعة فلم تحتمل قناع التوازن الذي ارتدته بحذر خلال مؤتمر جنيف، وما لبثت أن أزاحته عن وجهها في أعقاب المؤتمر، وعادت في خطابها الدبلوماسي وفي سلوكها إلى المربع الأول في دعم النظام، بل وحتى بشار الأسد نفسه. وقد عزز من النبرة الروسية الحادة، تصاعد التوتر المستجد بينها وبين أميركا وأوروبا على خلفية الاحتجاجات في أوكرانيا.

روسيا شاركت بجدية في التحضير لمؤتمر جنيف، لكنها كانت تراقب التطوّرات العسكرية على الأرض، وقد كانت خلال العام الأخير تصب في صالح حليفها، بل وساعدت في وصوله إلى هذه الوضعية المتماسكة. وما من شك، في أن قوة النظام وحلفائه الطائفيين، قد أسالت لعاب روسيا القيصرية، بصورة جعلتها مترددة في الضغط عليه لقبول الحل السياسي، إذ لا يمكن أن تتعامل مع حليفها كما لو أنه يعيش مرحلة انهيار كتلك التي عصفت به عام 2012. هكذا بدت روسيا عقب مؤتمر جنيف وأثناء التحضير لمعركة “يبرود” في القلمون، أقرب لخيار النظام وإيران في الحل العسكري.

من المرجح أن نهاية الصراع في سوريا، ووفقاً لموازين القوى القائمة ستكون عبر الحل السياسي. ومن المرجح أن الظرف الدولي نضج بصورة ما للدفع بهذا الاتجاه. لكن المناكفات الروسية الأميركية، ودعم روسيا المطلق لمواقف النظام العدمية تماماً، ربما يفصح عن أن الظرف لم ينضج لتطبيق بنود «جنيف1}، وإنما لإطلاق عملية تفاوضية، أو مسار سياسي بشكل موازٍ للمسار العسكري على الأرض. ربما تؤمن روسيا، عكس النظام، بمسار سياسي. لكنها لا تؤمن بهذا المسار بمعزل عن المسار العسكري وإنما بالتوازي معه.


كاتب فلسطيني سوري

9