روسيا ورقة ضغط قوية في يد اليونان لخفض ديونها

الاثنين 2015/02/16
حزب سيريزا اليساري الحاكم يتطلع إلى صياغة علاقات جديدة مع الأوروبيين

أثينا - تندرج التحركات التي قامت بها الحكومة اليونانية الجديدة، مؤخرا، بعد مواجهتها لألمانيا وإظهارها لمستوى طيّب من العلاقات مع روسيا،ضمن استراتيجية أثينا استعدادا للمفاوضات القادمة مع المانحين حول تخفيف ديونها. فاليونان تعرف جيدا أن المفوضات ستكون صعبة لأنّ أغلب الحكومات الأوروبية تعارض الخطة الجديدة لشطب الديون اليونانية. ونتيجة لذلك تحاول اليونان جمع أكبر عدد ممكن من أوراق المساومة، بالإضافة إلى أنها تبدو واعية بأنّ حفاظها على علاقات طيبة مع روسيا سيكون مفيدا لها في حال اضطرارها لمغادرة منطقة اليورو.

طبعت الرمزية تحركات الحكومة اليونانية الجديدة، في أسبوعها الأول في السلطة؛ ففي الجانب الاقتصادي قامت، بزعامة حزب سيريزا، بعدة تصريحات واتخاذ إجراءات لتؤكد على نية الوفاء بوعودها الانتخابية. وشملت الإجراءات المتخذة الترفيع في الأجر الأدنى وتجميد عمليات الخصخصة وإعادة توظيف العمال في القطاع العمومي وتخفيض التكاليف التي يتحملها المرضى في المستشفيات العمومية.

أما على الواجهة السياسية فقد عمدت الحكومة (بزعامة رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس) إلى اتخاذ إجراءات أغضبت ألمانيا، وأربكت الأوروبيين، وبالمقابل أرضت روسيا؛ ففي 26 من يناير الماضي، قام تسيبراس في يومه الأول في منصب رئيس الوزراء، بخطوات اعتبرت ذات دلالة بارزة، حيث عمد إلى وضع إكليل زهور قرب نصب تذكاري للحرب تكريما لضحايا اليونانيين خلال الاحتلال النازي، من ثمة استقبل السفير الروسي قبل أن يلتقي بأيّ مسؤول أجنبي آخر، كما عين زعيم حزب “اليونانيون المستقلون” (وهو حزب قومي يرغب في تطوير علاقات طيبة مع روسيا) في منصب وزير للدفاع. وهي تحركات يرى مراقبون أنها ليست اعتباطية بل هي تندرج ضمن استراتيجية جديدة أوسع.

استراتيجية بدأت ملامحها في التشكل، بعد أن أعلن عدد من أعضاء حزب سيريزا أنّ ألمانيا مطالبة بأن تدفع تعويضات لليونان بسبب الاحتلال النازي الذي شملها، أثناء الحرب العالمية الثانية.

تخفيف العقوبات ضد روسيا لا يمثل أولوية لدى اليونان التي تبحث عن ورقة ضغط تتفاوض وفقها مع الدائنين

خطاب أثينا الجديد يتميز بمناهضته للتقشف بالأساس، لكنه يتضمن أيضا أفكارا مناوئة لألمانيا تحظى بشعبية في البلاد (وفي عدة بلدان أوروبية جنوبية أخرى). وبطبيعة الحال هناك أيضا درجة من المشاعر المعادية لليونانيين في ألمانيا، وهو أمر تكشفه مجرد نظرة سريعة على الصحافة الألمانية التي تنتقد أثينا انتقادا لاذعا.

كما أنّ اليونان لديها مصلحة استراتيجية في الحفاظ على علاقات طيبة مع روسيا، فهي تعتمد على الغاز الطبيعي الروسي، وتحديد الأسعار مسألة حساسة على الدوام بالنسبة لها. فضلا عن ذلك، وعلى الرغم من إمكانية حصول اتفاق بين أثينا والمانحين الأوروبيين، يمكن أن يدفع الفشل في التوصل إلى اتفاق إلى إجبار اليونان على الخروج من منطقة اليورو. وإن حصل ذلك من المحتمل أن تنخفض قيمة “الدراخما” بسرعة ويبقى منخفضا في المدى القصير على الأقل، ومن شأن ضعف العملة اليونانية أن يتسبب في زيادة غلاء الواردات من مواد الطاقة وهو ما يجعل العلاقات الودية مع روسيا أمرا لا غنى عنه.

بالمقابل، تسبب الوضع في أوكرانيا في موقف غير مريح لليونان التي أضحت تواجه ضغوطا من الاتحاد الأوروبي للموافقة على عقوبات ضد موسكو. وخلال الأسبوع الأول في الحكم، قال حزب سيريزا إن أثينا لن تتبع آليا الخط الرسمي للاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالعقوبات. وفي 27 يناير الماضي تذمرت أثينا من بيان صدر عن الاتحاد الأوروبي يدين روسيا في العنف الدائر في شرق أوكرانيا دون موافقة اليونان. وفي 29 من نفس الشهر وخلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أجلت أثينا مؤقتا اتفاقا لتمديد قائمة من الممتلكات المجمدة في حق مسؤولين أوكرانيين وروس إلى شهر سبتمبر القادم، لكن في النهاية تم التوصل إلى توافق وساندت اليونان تمديد العقوبات على روسيا.

الثابت أنّ تخفيف العقوبات ضد روسيا لا يمثل أولوية لدى اليونان، لكن يجب أن ينظر إلى تهديدها بممارسة الفيتو ضد العقوبات بمثابة ورقة مساومة في وقت تريد فيه أثينا تخفيف ديونها. لكن الحكومة “المتمرّدة” في أثينا ليست إلاّ مصدرا آخر للخلافات صلب الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي يكافح فيه من أجل الحفاظ على وحدته أمام قائمة طويلة من المسائل بما فيها، الوجهة الاقتصادية للكتلة ومواقفها من الأحداث في أوكرانيا.

6