روسيا ومصالحها الجيوسياسية في سوريا

الأربعاء 2014/03/12

لمن يتابع الأحداث العالمية يمكنه الربط بين ما يحدث في أوكرانيا وسوريا، ويمكن أن يطرح السؤال: لماذا سقط النظام في أوكرانيا والسوري لايزال مستمر منذ ثلاث سنوات. لقد سقت روسيا في أوكرانيا لأنها لم تجد من يقاتل عنها وإنما في سوريا تقاتل بالإيراني والمرتزقة العابرة للدولة السورية.

الروس ذهبوا إلى مفاوضات “جنيف 2″ ولم يسمحوا بتنفيذ المقترحات المتفق عليها وعارضوا أي قرار إنساني يسمح بتأمين مواد غذائية لسكان المدن المتصارعة. وعادت روسيا من “جنيف 2″ على أمل أن يحسم النظام المعركة عسكريا ويتسنى لها إعادة “تعويم” الرئيس السوري من جديد في المجتمع الدولي من خلال إصرارها على مناقشة موضوع الإرهاب وكيفية محاربته.

وقد أعلن وزير الخارجية الروسي، سرغي لافروف، صراحة لوفد ائتلاف المعارضة الذي زار موسكو أخيراً في لقاء استمر لـ 4 ساعات من خلال تأكيده له بعدم التمسك برحيل الرئيس الأسد وإقامة حكومة انتقالية وضرورة توسيع وفد المعارضة وتشكيل لجان مختلفة، ما أدى إلى فشل اللقاء.

لقد فخّخت روسيا اتفاق جنيف 2 منذ اليوم الأول بمحاولة إشراك إيران في المؤتمر واللعب على تناقضات المعارضة بعدم قبولها بـجنيف 2 لكي تحملها مسؤولية الفشل، فالاستراتيجية الروسية التي تكمن في الحفاظ على النظام السوري الراعي لمصالحها والحفاظ على نظام الأقلية بوجه الأكثرية مما دفعها إلى الإعلان بأنها حامية للأقليات في الشرق، وهذا النظام يؤمن لها موطئ قدم في الشرق الأوسط من خلال وجودها العسكري في قاعدة طرطوس العسكرية، التي تعتبر مركزا استراتيجيا للقوات الروسية في المنطقة التي أخرجت منها روسيا، وبالتالي استمرارها لبيع سلاحها ليكون بذلك مركزا اقتصاديا جديدا في ظل الاكتشافات الهائلة للثروة النفطية والغاز في ساحل المتوسط حيث تعتبر روسيا، سوريا في ظل وجود هذا النظام الحالي مركزا أساسيا لتحركها وانفرادها في عملية التنقيب في هذه الدول الذي يسيطر عليها الحليف الإيراني.

روسيا تعتبر أنها أبعدت عن الشرق الأوسط ومنعت من بيع سلاحها بسبب “المؤامرة” الأميركية التي أطاحت بحلفائها وصعود الإسلام السياسي المعادي لها بالتحالف مع أميركا، وبالتالي يعتبر الرئيس الروسي بوتين، بأن حلفه مع المحور الشيعي ضد المحور السني التركي المدعوم أميركيا هو ضمان لروسيا في بقائها بالمنطقة كي لا تتكرر الهزيمة مرة جديدة في سوريا كما الحال في أفغانستان سابقا.

تلك الاستراتيجية الروسية الجديدة التي تقوم على ضرب الإرهاب في مناطقها، والتي لم تتعاف منه لأن روسيا تخوض الحرب في سوريا ضد الإرهاب ولن تسمح بانتصاره في سوريا لأن انتصار الإرهاب هناك يعني تمدده نحو نفوذها الطبيعي والتاريخي في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، وبالتالي الملف السوري وقع أسير حرب الملفات الروسية الأميركية، إذ يحاول الطرفان تسجيل النقاط فيما بينهما في إطار حل كل الملفات العالقة، فحل الملفات تمكن روسيا من عودتها إلى لعب دور ثنائي في القطبية الدولية.

لقد برهنت روسيا في العديد من المرات بأنها حاجة أميركية في لعب الأدوار (نجاحها في الملف الكيماوي السوري واتفاق النووي الإيراني ونجاحها في جنيف 2)، وبناء على ذلك، كانت روسيا ترى قدرتها وقوتها في مجلس الأمن ومحاولة فرض شروطها من خلال إعادة اعتبارها القوي وقدرتها على “التعطيل” من أجل مصالحها المالية والعسكرية، لكن “لعبة الأمم” تغيّرت مع انهيار نظام أوكرانيا الموالي لروسيا، مما يجبر روسيا على تغيير المواقف وتليينها أو الذهاب نحو التشدد، حيث سيحاول قيصر موسكو القيام بتعويض خسارة أوكرانيا بالتشدد أكثر في الملف السوري من خلال الدعم العسكري واللوجستي والمالي اللامحدود لسوريا، ولعل القرار الأخير في مجلس الأمن الذي تم الاتفاق عليه بالإجماع يفسر أن روسيا قد أعطت إشارات تشير إلى فتح صفحة جديدة وللتوافق على ملفات عدة أو يمكن أن تستخدم روسيا قوتها الخشنة في الدفاع عن مصالحها الجيو- سياسة والاقتصادية.

وفي إطار انتظار كلمة روسيا الأخيرة في أحداث أوكرانيا والتي قد يتم التوافق على صفقة كبيرة بين البلدين قد يضطر الرئيس الروسي لمراجعة مجمل استراتيجيته، التي قامت على الحلول مكان أميركا في ظل تراجع الأخيرة وانسحابها من المنطقة وكذلك عدم تقديم روسيا لنموذج جديد ومقبول للعالم كي يتخذوه نموذجا، وبذلك ربطت المعارضة الأوكرانية مصيرها بالمعارضة السورية من خلال رفع علم الثورة في ميدان التحرير في كييف، فمن الواضح أن حلول الملفات ولو كانت المساحات الجغرافية بعيدة ولكن التسويات على “طاولة الحلول”، قد تكون سيدة الحلول.

كاتب لبناني

5