رولا حلواني توثّق الغياب بألوان ضبابية

الفنانة الفلسطينية تسرد عبر الأبيض والأسود سيرة ذاكرة لا تنتهي.
الجمعة 2021/07/09
كآبة هادئة تشي بأوجاع غائرة

حصلت الفنانة/المصوّرة الفوتوغرافية الفلسطينية رولا حلواني خلال شهر أبريل الماضي على جائزة الشيخ سعود آل ثاني للمشاريع الفوتوغرافية، وهي جائزة أتاحت لها فرصة استكمال مشروعها الفني/التصويري الذي حمل عنوان “لأجلك أمي”. غير أن مجموعة “لأجلك أبي” الفوتوغرافية لا تقل أهمية عن مجموعة “لأجلك أمي” بل تُساهم في تكريس كل أعمالها خارج حسابات الزمن المحدود.

بدأت الفنانة الفلسطينية رولا حلواني سيرتها المهنية كمصوّرة صحافية لعدد من الصحف والمجلات، غير أن نظرتها الشخصية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني لم تستطع أن تظل على الحياد كما تتطلب المهنة، فاتجهت أكثر فأكثر إلى لغة تصويرية خاصة بها، لغة فنية مُشبعة بالمشاعر والأفكار الشخصية دامجة فيها الفن بالتوثيق، ومُحدثة اكتمال “تصوير” واقع لا يمكن له أن يكون جليّا إلاّ من خلال إمعان النظر فيه وعدم الاكتفاء بإظهار ما يُعلنه على المستوى السطحي والمباشر.

بلا حياد

رولا حلواني: فلسطين التي عرفتها لم تعد موجودة.. أنا كالغريبة في وطني

في أكثر من مرة ذكرت الفنانة/ المصوّرة أن من المستحيل على أي مصوّر فلسطيني أن يظل حياديا وباردا تجاه ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من اضطهاد من قبل الكيان المُحتل؛ ولذلك تخلت عن مهنتها التوثيقية البحتة التي مهما كانت جبارة فإنها تغفل عن الإضاءة على عمق المشهد ودلالته وإحالاته وأثره في النفس الجماعية والفردية على المدى القريب والبعيد على حد السواء.

ولعل جائزة الشيخ سعود آل ثاني للمشاريع الفوتوغرافية التي حصلت عليها الفنانة مؤخرا تقدير لهذه القدرة التي تملكها، والتي تمنح أعمالها الغنائية القدرة على توثيق أعماق المشهد من خلال تقنيات تستخدمها الفنانة لتصعّد من نبرة “الحقيقة” وما نتج وسينتج عنها.

منذ أن “أقلعت” حلواني عن مهنتها الصحافية سنة 1988 دخلت مجال التعبير الفني كنوع من توثيق يُخرج صورها الفوتوغرافية من الدائرة المُقفلة والمرتبطة ارتباطا وثيقا بالحدث المُباشر وباللحظة الموثقة والمُتحللة ممّا سبقها أو ممّا قد يجيء بعدها من تحوّلات وحوادث.

تستمر الفنانة في العمل على استنطاق الذاكرة الفلسطينية بنبرة تصاعدية منذ أول صورة التقطتها، وكأن ما أخذته من صور خلال سيرتها المهنية/ الصحافية كان بمثابة تراكم معرفي ونفسي أدّى إلى تبني الفردانية في التعبير وفي الموقف، وفي اختيار مواضيع الصور.

في صورها الفنية غادرت الفنانة التوثيق البارد والوضوح في التفاصيل نحو سرد فني مُشبع بالغنائية، وأحيانا كثيرة يكون مشبعا بشيء من الضبابية انحاز إلى كآبة هادئة لا ترى الواقع إلاّ عبر ما لم يعد كما كان عليه من هناء.

توثّق الفنانة/ المصوّرة ما لم يعد موجودا وذلك من ضمن ما هو موجود وآني، وتبرع في جعله بصريا وطاغيا وحكائيا نافذا لا شك في صدق سرديته.

ولعل أكثر ما أظهر ذلك عند الفنانة حدث في السنة السابقة، وتحديدا في معرضيها الأخيرين اللذين حملا عنوانين “لأجلك أبي” و”لأجلك أمي” في صالة “أيام” بدبي.

مرثية بصرية لوطن جريح
مرثية بصرية لوطن جريح

يُمكن بكل سهولة تخيل لا نهائية هذا المشروع الذي بدأت به الفنانة، فتوثيق الغياب يتطلّب الكثير من الإلمام بطرق ووسائل تظهيره. وقد استخدمت الفنانة في تنفيذ صورها تقنيات تصويرية متعدّدة إلى جانب استخدامها آلات تصوير قديمة، فجاءت صورها بالأسود والأبيض غارقة في ضباب يُربك وضوح هوية العناصر المصوّرة: فهل هي تلال أو مياه، أو خيال شجرة أكثر ممّا هو الشجرة عينها؟

كما تعتمد الفنانة على قدرة التناقض بين الضوء والعتمة لكي تقيم التوازن بين الراحل ومن يرفض الرحيل، وتعمد إلى اعتماد الضبابية والحدّة في الصورة الواحدة.

ويحار أحيانا كثيرة الناظر إلى صورها إن كان فعلا أمام مشهد يراه أم أنه استطاع أن ينفذ إلى عالم الفنانة الداخلي ليرى بعينيها ويشعر بقلبها ويتوق مثلها إلى التقاط ما يهرب بصمت ودون استئذان.

كما يبرز الزمن، أو الأصح القول، “الوقت” كعنصر نافذ قوله في جميع صورها. فله الأمر في إطالة المشهد (الذي بات وكأنه مادة زمانية) أو اختصاره عبر ضغطه أو عبر تركه تحت رحمة بشري كاسر يخرب تفاصيله أو يسلب أهله منه.

لأجل الوطن

أراض مسحورة خارجة من القصص الخرافية
أراض مسحورة خارجة من القصص الخرافية

صحيح أن لرولا حلواني صورا فوتوغرافية كثيرة تتناول الفلسطينيين ومعاناتهم اليومية وتفاصيل حياتهم ومواجهتهم للغطرسة الإسرائيلية، غير أن صورها التي يغيب عنها العنصر البشري (في الظاهر فقط) والتي عرضتها في صالة “أيام” خاصة، من ضمن معرض “لأجلك أبي” الذي بدا بدوره متفرّعا من معرض “لأجلك أمي”، تملك سحرا مختلفا دون أن تكون خارجة عن موضوعها الدائم فلسطين.

وتتجلى هذه الخاصية في كون معظم هذه الصور تبدو وكأنها أراض مسحورة خارجة من القصص الخرافية، تمتلك آذانا صاغية لكل ما يمكن أن يُعيدها (أي الأرض) إلى ذاكرتها قبل أن يُعيدها إلى أصحابها.

ورافقت معرض “لأجلك والدي” رسالة مؤثرة جدا ومُعبّرة عن المحرك الأساسي لجميع أعمالها التصويرية الفنية، وجهتها الفنانة إلى والدها تحت عنوان “إلى بابا”.

ومن الرسالة نختار هذه المقتطفات “سيرة حياتي بدأت مع كلماتك.. أتمنى لك أياما أجمل من تلك التي عشتها، غير أن سيرة حياتك انتهت بكلمات مختلفة عندما تكون رحلة الحياة، تبدو وكأنها لم تكن إلاّ زيارة قصيرة قضيناها في مكان ما، والآن حان وقت العودة”.

الفنانة تستند في أعمالها على قدرة التناقض بين الضوء والعتمة لكي تقيم التوازن بين الراحل ومن يرفض الرحيل

وتسترسل “أبي، لقد مضت سنين طويلة قبل أن أعود إلى مُخاطبتك.. لقد عدت من فترة قصيرة وتجولت في فلسطيننا، وصولا إلى حدودها ولبعض الأماكن التي زرناها سويا عندما كنت صغيرة. تغيّرت المشاهد كثيرا.. هل تذكر الأماكن التي زرناها معك أنا وإخواني عندما كنا صغارا؟ فلسطين التي عرفتها لم تعد موجودة.. أنا كالغريبة في وطني، ارقد بسلام بابا.. أنت دائما معي”.

وولدت رولا حلواني عام 1964. وهي حاصلة على بكالوريوس فنون في التصوير الفوتوغرافي المتقدّم، جامعة ساسكاتشوان – كندا (1989)، وعلى ماجستير الفنون في الدراسات الفوتوغرافية، جامعة ويستمنستر – لندن (2001).

شكّلت صورها الفوتوغرافية جزءا من مقتنيات مركز جورج بومبيدو العالمي بباريس، ونادور بألمانيا، ومتحف فكتوريا وألبرت بلندن، والمتحف البريطاني بلندن، ومؤسسة خالد شومان بعمّان؛ ومتحف الفنون الجميلة بهيوستون، وغيرها من المؤسسات والمتاحف العالمية.

 
15