رومان أبراموفيتش الملياردير اليتيم الذي غدر بعرابه

السبت 2014/05/17
ميكانيكي سيارات أحد أملاكه نادي تشيلسي لكرة القدم

ارتبط اسم هذا الملياردير الروسي الشاب باسم نادي تشيلسي الإنكليزي وعالم كرة القدم. فقبل عام 2003 قلما كانت وسائل الإعلام العالمية والغربية تتداول هذا الاسم على صفحاتها الرئيسية إلى أن أقدم الملياردير اليهودي ذو الـ37 عاما على شراء واحد من أعرق الأندية الإنكليزية لكرة القدم، بمبلغ خيالي آنذاك، حيث بلغت الصفقة مع ملحقاتها، بحسب أنباء متضاربة، ما يقرب المليار دولار أميركي.

فضاء الإعلام الغربي والذي يختلف بمنهجيته عن واقع الأمور في روسيا، طالما تناول أسماء أصحاب المليارات وفقا لمعايير معينة، مثل تصنيف مجلة فوربس، أو النجومية أو قصص الفضائح. لكن من هو رومان أبراموفيتش في فضاء الواقع الروسي؟


أبراموفيتش حاكم موطن الدببة


قلة قليلة من المهتمين بأخبار الأوليغارخي الروس من يعلم بأن رومان أبراموفيتش تقلد منصب محافظ دائرة تشوكوتكا ذاتية الحكم بين عامي 2000 و2008. هذه المقاطعة التي تقع في أقصى الحدود الشرقية لروسيا الاتحادية وتلامس حدودها الجليدية القارة الأميركية الشمالية، مطلّة على ولاية ألاسكا الأميركية.

لم يكن تنصيب أبراموفيتش على هذه المقاطعة النائية والفقيرة ملء إرادته، فهذا الشاب الذي شغل أول منصب رسمي عام 1999 كعضو في مجلس الدوما وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، كان يعمل تحت عباءة ثاني أقوى رجل في البلاد آنذاك الملياردير الشهير بوريس بيريزوفسكي، صاحب إمبراطورية المال التي تنطوي تحت مظلتها صناعات السيارات والطيران والنفط والإعلام وغيرها.

وقبل الخوض في تفاصيل الظروف التي أوصلت رومان أبراموفيتش إلى ما هو عليه الآن، والشراكة التي جمعت الشاب اليافع الطموح مع عرّابه اليهودي المخضرم بوريس بيريزوفسكي، لا بد من العودة قليلا إلى الوراء لزمن الـ”البيريسترويكا” نهاية ثمانينات القرن المنصرم.


بدايات مشبوهة


لم تكن مسيرة رومان أبراموفيتش مشابهة لباقي الأوليغارخيين الروس الذين صعدوا في مرحلة نهاية الثمانينات، مستفيدين من تشريعات ميخائيل غورباتشوف وبرنامج إصلاحاته الاقتصادية، وما تلاها من فوضى عارمة في عهد الخصخصة التي قادها فيما بعد بوريس يلتسن. فالكثير من مراحل تطور أبراموفيتش كان يكتنفها الغموض والسرية سواء فيما يتعلق ببداية مشواره المالي، أو على صعيد حياته الشخصية. فهو يتيم الوالدين، توفيت والدته إيرينا قبل أن يكمل عامه الثاني، أما والده اركادي، فيقال إنه من يهود ليتوانيا إحدى دول البلطيق، وقد قُتل في حادث عمل عندما كان رومان في سن الرابعة.

أبراموفيتش ولد في مدينة ساراتوف الروسية وانتقل بعد وفاة والديه ليعيش في كنف عمه ليب أبراموفيتش في مدينة صغيرة تدعى أوختا في مقاطعة كومي بأقصى الشمال الروسي. وفي سن الثامنة انتقل إلى العاصمة موسكو ليعيش في كنف عمه الثاني ابراهام أبراموفيتش. حتى أنهى دراسته الثانوية عام 1983 والتحق بأحد المعاهد المتوسطة لإدارة الغابات، إلا أنه لم ينه تعليمه والتحق بالخدمة الإلزامية في الجيش السوفييتي، ليخدم في فوج المدفعية حتى عام 1985.

مرحلة مبهمة من تاريخ هذا الملياردير الشاب كانت بين عامي 1986 و1994، فمن عامل ميكانيك بأحد المصانع السوفيتية أين عمل لسنتين، انتقل رومان إلى أعمال البزنس الصغيرة، حيث تتحدث إحدى الروايات على أنه عمل بمنتجات التنظيف وبيع الإطارات لفترة معينة، ثم أنشأ شركة صغيرة لإنتاج الألعاب البلاستيكية مع شريكيه المستقبليين يفغيني شفيدلر وفاليري أويف. وسرعان ما تحولت هذه الشركة إلى مجموعة شركات تُعنى بشؤون السمسرة والوساطة التجارية، وشركات الحماية، التي كانت دارجة آنذاك، وارتبطت أعمالها بالمافيات والجريمة المنظمة. كما يعتقد أن اسم أبراموفيتش كان مدرجا في ملف تحقيق فيدرالي للاشتباه باختلاس 55 صهريج بترول من مصفاة أوختا الحكومية للنفط، تلك المدينة التي ترعرع بها في طفولته.

عاش أبراموفويتش مرحلة مبهمة من تاريخه كانت بين عامي 1986 و1994، فانتقل من عامل ميكانيك بأحد المصانع السوفيتية إلى أعمال البزنس الصغيرة ومنتجات التنظيف وبيع الإطارات، ثم أنشأ شركة صغيرة لإنتاج الألعاب البلاستيكية مع شريكيه المستقبليين يفغيني شفيدلر وفاليري أويف


من بزنس مان مشبوه إلى ملياردير


وحدة المسار التي جمعت أبراموفيتش مع عرّابه في عالم الأوليغارخي بوريس بيريزوفسكي، يُقال إنها بدأت أوائل التسعينات، وتمثلت في المعاملات التجارية المشبوهة وعمليات الاختلاس والابتزاز عبر المافيا التي عملت تحت غطاء شركات الحماية سيئة الصيت. إلاّ أن هذه الشراكة ارتقت لتأخذ طابعا أكثر شرعية وعلى أعلى مستوى في البلاد، عندما أنشأ الرجلان بداية عام 1995 أول شركة بترولية متكاملة “سيب نفط” والتي استحدثت آنذاك بأمر من الرئيس الروسي بوريس يلتسن، بهدف خصخصة قطاع النفط الحكومي، حيث طرحت الشركة الحكومية العملاقة “روس نفط” أوراقها المالية للمستثمرين. فكانت من نصيب شركات أبراموفيتش وبيريزوفسكي التي استثمرت أوراقا بقيمة 350 مليون دولار، ليصبح أبراموفيتش ذو الـ28 عاما عضوا في مجلس إدارة مجموعة المساهمين في الشركة، ويُنتخب فيما بعد كرئيس لمجلس الإدارة.


قيصر روسيا الجديد يفرض شروطه


حتى العام 1999 كانت الشركات النفطية التي يتحكم بها ثلّة من الأوليغارخي اليهود هي من تدير دفّة الاقتصاد في روسيا، وكان السياسيون الروس مرهوني القرار لأصحاب تلك الأقطاب النفطية.

أما شركة “سيب نفط” المملوكة من قبل أبراموفيتش وبيريزوفسكي، فقد لعبت دورا كبيرا في إعادة انتخاب بوريس يلتسن عام 1996 وتعيين الكثير من السياسيين في مناصب عدة. كما كان لها دور فعّال في القضايا السياسية الكبرى مثل حرب الشيشان الأولى، ومسار العلاقات الروسية مع الغرب. ولا ننسى طبعا دورها الأساسي في تسليم زمام السلطة عام 1999 لرئيس جهاز الاستخبارات الفيدرالية الروسية آنذاك فلاديمير بوتين.

ومع قدوم بوتين إلى السلطة بدأت قواعد اللعبة في روسيا تتغير، إذ لم يكن رجل الـ”كي جي بي” هذا قادما ليواصل مسيرة سلفه الضعيف يلتسن. بل كان مصمّما على قلب الطاولة وإمساك زمام الأمور بيد من فولاذ. وبإيعاز مباشر منه بدأت النيابة العامة التحقيق مع بوريس بيريزوفسكي فيما يسمّى بقضية “ايروفلوت”، موجهة إليه التهمة بممارسة الأعمال غير الشرعية.

وبينما كانت حلقة التحقيقات بمسائل الاختلاس تضيق حول رقبة بوريس بيروزوفسكي، بضغط من قيصر الكرملن الجديد فلاديمير بوتين، ظل الملياردير الجديد رومان أبراموفيتش يلعب دور بيضة القبان في ميزان هذه المعادلة. وما لبث الأخير أن انقلب على عرّابه بعد أن أدرك بحسّه الانتهازي، أن العصا الغليظة التي يحملها بوتين ويهدد بها الأوليغارخي بالعودة إلى بيت الطاعة الروسي، لا يمكن مقاومتها في خضم معطيات ذلك الوقت. فما كان من الشريك الأصغر ذو التاريخ المخضرم في عالم المافيا إلاّ أن أخرج أدواته المعهودة، ليشكل ورقة ضغط إضافية على بيريزوفسكي، ويجبره تحت التهديد، بحسب ادعاءات الأخير، على بيع أرصدته في شركة “سيب نفط” التي بلغت نحو 43 بالمئة بأسعار زهيدة، قُدّرت قيمتها الفعلية بحسب خبراء بأكثر من 5 مليارات دولار.

وفي مطلع العام 2000 تفرد رومان أبراموفيتش بعرش الإمبراطورية النفطية “سيب نفط” بعد أن فرّ الشريك الأكبر بيريزوفسكي إلى بريطانيا خشية خضوعه للمحاسبة الجنائية.

وبصفقة غير معلنة مع القيادة الروسية، رضخ أبراموفيتش لشروط بوتين الصارمة، فكان أن عيّنه حاكما على مقاطعة تشوكوتكا النائية، حيث استثمر هناك أكثر من مليار دولار من ثروته الخاصة، صرفها على تحسين البنية التحتية والإسكان والتعليم والرعاية الصحية وتوفير فرص عمل للمواطنين المحليين، كما أنشأ كلية في مدينة أنادير عاصمة المقاطعة.

وعلى صعيد آخر دعم أبراموفيتش كرة القدم الروسية بسخاء، مقدما لها ملايين الدولارات والمدربين والخبراء. ويُعزى له الفضل بوصول المنتخب الروسي عام 2008 إلى الدور قبل النهائي في بطولة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم، لأول مرة في تاريخ المنتخب.

لم يكتف بوتين بإعادة تأهيل أبراموفيتش عبر اجباره على الاستثمار في العديد من القطاعات، بل طالت يد الإصلاحات مصالح أبراموفيتش النفطية الممثلة بشركة “سيب نفط”، وبضغط من القيادة الروسية عادت الحكومة لتستحوذ على هذه الشركة وتعيدها إلى الحظيرة النفطية الحكومية. حيث قامت شركة “غازبروم” المملوكة من قبل الحكومة الروسية عام 2006 بشراء 75.7 بالمئة من أسهم “سيب نفط” بقيمة 13 مليار دولار، لتعمل فيما بعد على إعادة هيكلتها وتغيير اسمها إلى “غاز بروم نفط”.

مع حلول عام 2007 لم يبق لأبراموفيتش من عالم السيطرة النفطية إلا بضعة أسهم غير مؤثرة في بعض الشركات النفطية، في حين أصبحت ثروته المالية في ذروتها، حيث قُدّرت آنذاك بنحو 20 مليار دولار. وهو العام ذاته الذي قرر فيه عرّابه وشريكه السابق بوريس بيريزوفسكي رفع دعوة قضائية ضده في إحدى المحاكم البريطانية، يتهمه فيها بعدم وفائه لاتفاقيات الثقة التي عقدت بينهما.

أبراموفيتش ردّ خلال مرافعاته بأنه لم يخن بيريزوفسكي، وأن الأخير لم يكن يوما من الأيام صديقا مقربا، وقال إنه كان يعاني من جنون العظمة، وكانت اقتراحاته ضربا من الخيال مثل اقتراحه إعادة النظام القيصري إلى روسيا.

وبعد صراع طويل في المحاكم اللندنية ربح أبراموفيتش القضية التي رفعها ضده بيريزوفسكي، وفي ربيع عام 2013 وُجد الأخير مشنوقا في شقته اللندنية، حيث أفادت السلطات البريطانية بأنه مات منتحرا، في ظروف غامضة.

أبراموفيتش كان يعمل تحت عباءة ثاني أقوى رجل في البلاد الملياردير بيريزوفسكي، صاحب إمبراطورية المال وصناعة السيارات والطيران والنفط والإعلام


بعيدا عن النفط تنجو


يعيش أبراموفيتش الآن متنقلا بين موسكو ولندن، وتتمحور حياته بالمعظم حول ناديه الإنكليزي تشيلسي، ويخوته الفارهة وطائراته الخاصة، وقصوره في أوروبا والولايات المتحدة. ويعرف عنه حذره الشديد أثناء التنقلات، ولديه ولع باليخوت المزودة بوسائل الراحة وأجهزة الإنذار ومهابط المروحيات. وتتحدث بعض الأنباء عن يخت أبراموفيتش المستقبلي والذي تعمل على تجهيزه إحدى الشركات الألمانية بحسب طلبه الخاص. إذ يبلغ طوله نحو 170 مترا، ومصفح بالفولاذ المضاد للصواريخ، ومزود بمروحيتين ومنظومة دفاع صاروخية، كما أنه يحتوي على غواصة صغيرة قادرة على الغوص حتى 50 مترا وتبلغ تكلفته الإجمالية نحو نصف مليار دولار.

رومان أبراموفيتش تزوج ثلاث مرات ولديه ستة أطفال، زوجته الأولى أولغا ليسوفا تكبره بعامين ولم ينجب منها أطفالا. أما زوجته الثانية ايلينا أبراموفيتش التي كانت تعمل مضيفة طيران فلديه منها 5 أطفال، صبيان وثلاث فتيات. وفي عام 2007 أعلن طلاقه وتزوج من صديقته داريا جوكوفا مواليد عام 1981 وأنجب منها طفلا عام 2009.

أما على الصعيد الشخصي، فنادرا ما يظهر أبراموفيتش متحدثا إلى وسائل الإعلام، ويفضل التنقل بسرية تامة وبعيدا عن الأضواء، كما يعرف عن شخصيته بأنه خجول قليل الكلام، وتفيد إحدى موظفاته السابقات بأنه يتحدث إلى موظفيه بأدب ولطف شديدين. ورغم صفاته الليّنة التي يتحدث عنها معظم الأشخاص الذين تعاملوا معه عن قرب، إلا أن معظمهم لم يخف أن خلف عينيه الحزينتين تختبئ شخصية في غاية الخطورة، إذ أنه الملياردير اليتيم الذي غدر بعرّابه.

14