رومان بولانسكي: العبقري المشاغب

الجمعة 2014/02/28

ما يفتنني عند المخرج العبقري رومان بولانسكي ليس فقط أفلامه، وإنّما أيضا حياته المليئة بالثقوب، والمعارك الصاخبة، والفضائح المدويّة، والموسومة بالنزق الجميل الذي هو أحد سمات كبار الفنانين المتمرّدين، والخارجين عن المألوف.

فلكأننا نشاهد فيلما مثيرا يشدّنا إلى الشاشة بقوة حتى إذا ما نحن ظننا أنه أوشك على النهاية، عاد ليشدّنا من جديد إلى فصل آخر من فصوله قد يكون أكثر إثارة من سابقه! وقد واجه رومان بولانسكي العديد من القضايا الشائكة والمعقدة، وسقط أكثر من مرّة، غير أنه كان دائما وأبدا يتمكن في النهاية من النهوض ليواصل عمله بشغف، وحماس وكأن شيئا لم يقع. لذلك تنطبق عليه قولة نيتشه المأثورة: “الذي لا يقتلني يجعلني أكثر قوّة”.

ومنذ سنة 1909، يعيش رومان بولانسكي في قرية “غشتاد” السويسرية الجميلة في إقامة جبريّة بعد أن أعادت المحاكم الأميركيّة فتح ملفّ قضيّة الاغتصاب التي اتهم بها عام 1977، والتي ظلّت تلاحقه حتى اليوم، مسببة له متاعب نفسية ومادية كبيرة ومؤلمة..

ومنذ البداية عرف رومان بولانسكي المتاعب والمصائب والمحن. فقد ولد في باريس عام 1933، أي في نفس السنة التي أحرق فيها النازيّون “الرايشتاغ” تمهيدا لاستيلائهم على السلطة. وكان في الثالثة من عمره لمّا قرّرت عائلته البولونيّة اليهودية العودة إلى مدينة كراكوفيا. ولم تكن تلك العودة اختيارا موفّقا إذ أنها عادت بالوبال على العائلة. فقد قام النازيون خلال احتلالهم لبولونيا باقتيادها إلى معسكر “أوشفيتز″ الرهيب. وهناك توفيت والدة رومان بولانسكي وهي حامل يوم وصولها إلى المعسكر المذكور.

أمّا والده فقد نُقل إلى معسكر “ماوتهاوزن” ليمضي هناك سنوات الحرب. وبرغم صغر سنّه، تمكن رومان بولانسكي من الفرار من المعسكر ليعيش مختفيا في الريف عند عائلة كاثوليكيّة. ولم تمنع السنوات الصعبة التي تلت الحرب الكونيّة الثانية، بولانسكي من استكمال دراسته في معهد السينما بمدينة “لودز″. وبفضل فيلمه الذي حمل عنوان “السكين في الماء” الذي أخرجه عام 1962، أحرز على إعجاب النقاد، محققا نجاحا جماهيريا باهرا لا في بولونيا فحسب، بل في بقيّة البلدان الأوروبية.

وقد سمحت له الشهرة التي حظي بها بأن يغادر بولونيا الشيوعيّة ليحضر العديد من المهرجانات العالمية. وعلى مدى سنوات، ظلّ يتنقّل بين لندن وباريس منجزا أفلاما أخرى دلّت على موهبته العالية مثل “نفور” (1965)، و”طريق مسدود” (1966). وخلال تصويره لفيلم “حفل راقص لمصّاصي الدماء” الذي أخرجه عام 1967، تعرف على الممثلة الأميركية شارون تايت وتزوجها. وبسبب النجاح الهائل الذي حققه له الفيلم المذكور، انتقل رومان بولانسكي إلى هوليوود ليصبح أحد ألمع نجومها في مجال الإخراج السينمائي. وفي تلك الفترة، أخرج فيلمه الشهير “روز ماري بايبي”.

غير أنه لم يلبث أن عاش مأساة ألقت بظلالها القاتمة على حياته الشخصية، وعلى مسيرته الفنية. فقد قامت طائفة دينية بقتل زوجته شارون تايت وهي حامل في شهرها الثامن، وأصدقاء لها كانوا في ضيافتها في بيتها في “بيفرلي هيلس″. وكان رومان بولانسكي لا يزال يعاني من المتاعب النفسيّة التي سبّبتها له الجريمة المذكورة لمّا اتهمته شرطة لوس أنجلس بالنزوع لعبادة الشيطان، وبتعاطي “السّحر الأسود”.

بل أن صحيفتين واسعتي الانتشار لمّحتا إلى أنه قد يكون مشاركا في قتل زوجته الحامل. وهروبا من الواقع المرير انطلق بولانسكي إلى بريطانيا ليقدّم رؤية سينمائيّة جديدة لمسرحيّة شكسبير الشهيرة “ماكبث”. ومن هناك تحوّل إلى إيطاليا لينجز فيلما عن التحرّر الجنسي لعب دور البطولة فيه الممثل الإيطالي المرموق مارسالو ماستروياني. غير أن الفيلمين المذكورين لم يحصلا على النجاح المؤمّل. وكان على بولانسكي أن يعود إلى هوليوود ليستعيد مجده وشهرته بفضل فيلم “تشاينا تاون” الذي أنجزه عام 1974.

بعدها أخرج في باريس فيلم “المؤجر” بطولة إيزابيلا أدجاني. وفي منتصف السبعينات فتن بفنّ التصوير، ومارسه بشغف كبير، ناشرا صوره في المجلات الفنية المشهورة. وفي تلك الفترة تعرّف على فتاة في الثالثة عشرة من عمرها تدعى سامانتا غايمر.

وبعد أن أخذ لها صورا ضاجعها. وعقب مرور يومين على ذلك، قامت الشرطة الأميركية باعتقاله بتهمة اغتصاب فتاة قاصر، وشرعت الصحف في جميع أنحاء العالم تتحدث عن تلك الفضيحة المدويّة. ورغم المساعي الهائلة التي بذلها محاميه لإنقاذه من تلك الورطة، زجّ ببولانسكي في سجن “شيو” الرهيب. وكان هناك مجرمون يرغبون في قتل المشاهير الذين يدخلون السجن للحصول على الشهرة.

ومرة هدّده أحدهم بالقتل. وكان على بولانسكي أن يدفع مبلغا ضخما (500 ألف دولار) لكي يخرج من جحيم سجن “شيو”، ويسمح له بالسفر إلى باريس لينجز فيلما بعنوان “تاس″ مأخوذ عن رواية للكاتب البريطاني توماس هاردي. وهي رواية كانت زوجته شارون تايت بصدد قراءتها قبل حدوث الجريمة التي أودت بحياتها. وقد حصل الفيلم على شهرة عالمية واسعة، وعلى جوائز مرموقة.

وفي فترة تصويره لفيلم “القرصان”، التقى بالممثلة الفرنسية إمانويل ساينر التي لا تزال زوجته إلى حدّ الآن. ومن جديد حققّ بولانسكي نجاحا هائلا من خلال فيلم “عازف البيانو” الذي يروي الأحداث المؤلمة التي عاشتها العاصمة البولونيّة فرسوفيا خلال الاحتلال النازي. وقد أحرز الفيلم على عدّة جوائز من بينها السعفة الذهبية في مهرجان كان الدولي.

16