"رومان ج. إسرائيل المحترم".. الفيلم أم الممثل

أداء الممثل الأميركي دانزيل واشنطون المقنع والمعبر يثير الرغبة في معرفة ما الذي يمكن أن يحدث لهذا الرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا.
الجمعة 2018/06/22
بطل يعيش في زمن غابر

في الفيلم الأخير للمخرج الأميركي دان غيلروي المعنون بـ”رومان ج. إسرائيل المحترم” يحاول محامي الدفاع رومان ج. إسرائيل ذو النزعة المثالية أن يتولى المسؤولية بعد تعرض شريكه في العمل ﻷزمة قلبية، فيضطر تحت وطأة ضغط البحث عن عمل جديد إلى العمل مع جورج صديق شريكه، ويستغل إحدى القضايا التي يعمل بها لصالحه مما يجعله يواجه مشكلة كبرى.

كثيرا ما يطغى الأداء على الفيلم فيأسر المتفرج ويجعله في غنى عن متابعة الكثير من تفاصيل الحبكة، فأنت في هذه الحالة تشاهد الممثل، تستمتع بالأداء، تعرف جيدا أن ما تشاهده هو ممثلك المفضل يتقمص دورا ما ويتلاعب به وبك.

هذا على سبيل المثال ما جعلنا نستمتع بأداء آل باتشنو في “داني كولينز”، وأداء جاك غلينهال في “صرصار الليل” nightcrawler الفيلم الروائي الأول لدان غيلروي كمخرج (كتب السيناريو لعشرة أفلام).

أما فيلمه الثاني فيحمل عنوانا غريبا لا يجذب أحدا، لكن بطله دانزيل واشنطون رشح للأوسكار عن دوره فيه، الفيلم هو “رومان ج. إسرائيل المحترم”، وهو ليس مقتبسا عن أصل أدبي، بل يعتمد على سيناريو مباشر كتبه المخرج غيلروي.

كان “صرصار الليل” يصوّر شخصية مراسل تلفزيوني (ميديوكر) عديم الموهبة ولكن لا ينقصه الطموح، يريد أن يصل ولو بأكثر الطرق حقارة، فيلجأ إلى التزييف والخديعة، وكان الفيلم يصوّر صعود وانكشاف تلك الشخصية المجنونة.

ويتوقف فيلم “رومان..” أيضا أمام شخصية غريبة الأطوار لمحام أميركي أسود في سن الستين تقريبا، يعيش في الزمن الحالي لكنه ينتمي قلبا وقالبا إلى ستينات القرن الماضي؛ إنه يعلق صور زعماء حركة “القوة السوداء” على جدار غرفته، يترك شعره مشعثا على غرار أعضاء الحركة المتمردة مثل أنجيلا ديفيز وهيوي نيوتن، يرتدي ملابس عتيقة غير متناسقة تبدو قذرة، يضع في أذنيه سماعات ليستمع إلى أغاني الستينات، يحمل حقيبة ضخمة تضم ملفات القضية التي أعدها ضد النظام القضائي الأميركي الذي يعتبره قد فشل في إقرار الحقوق المدنية للمتهمين كما كان ينبغي، بدليل أنه يسمح للقضاة بمساومة المتهمين لدفعهم إلى قبول أحكام بالسجن مخففة قليلا على جرائم لم يرتكبوها.

دانزيل واشنطن يقدم شخصية غريبة الأطوار لمحام يعيش في الزمن الحالي، لكنه ينتمي إلى ستينات القرن الماضي
دانزيل واشنطن يقدم شخصية غريبة الأطوار لمحام يعيش في الزمن الحالي، لكنه ينتمي إلى ستينات القرن الماضي

كان رومان ناشطا في حركة الحقوق المدنية، ولا يزال يؤمن بها، لكنه يثير سخرية مجموعة من الشباب السود عندما يوجه لهم نصائحه العتيقة التي يعتبرونها مهينة، ورغم ذلك ينجح في الحصول على إعجاب الناشطة الجميلة “مايا” التي تتأثر بأفكاره وتشعر نحوه ربما بأكثر من الإعجاب.

أداء دانزيل واشنطون المقنع والمعبر الذي يمتلئ بالأحاسيس والمشاعر هو الذي يبقيك متابِعا، يثير الرغبة في معرفة ما الذي يمكن أن يحدث لهذا الرجل الذي لا ينتمي إلى عصرنا؟

إنه محام يعمل لحساب مكتب يمتلكه محام ضليع كان هو من يتولى المرافعة في المحكمة، بينما كان صاحبنا يقوم بإعداد الملفات وحفظها وترتيبها، خاصة أنه يمتلك ذاكرة حديدية، لكن رئيسه يرقد الآن على فراش الموت في المستشفى،
تريد ابنته تصفية المكتب تدريجيا، فتستعين بمحام لامع هو “جورج” الذي يقوم بدوره عملاق آخر من عمالقة التمثيل هو كولن فاريل.

لكن جورج يتأثر بقدرة رومان الخارقة على معرفة جميع القضايا التي نظرها المكتب خلال 36 سنة من العمل، كما تأسره مثالياته في القانون، فيسند إليه عملا في الشركة التي يعمل لحسابها بدلا من التخلص منه.

تتغير أفكار مايا بتأثير رومان، ويصبح جورج أكثر إنسانية وتقديرا للشأن العام، غير أن رومان يتغير أيضا، ولكن في الاتجاه المعاكس، فهو يستغل معلومات يحصل عليها من متهم في جريمة قتل لم يرتكبها بل ارتكبها شخص آخر هارب، فيعرف منه مكان زميله الهارب ويقوم ببيع عنوانه لأهل القتيل ويحصل بالتالي على مئة ألف دولار،
فيقوم بتغيير شكل شعره، ويشتري ملابس فاخرة، ثم ينتقل إلى شقة جديدة، أي تتغير حياته تماما، لكنه يدرك تدريجيا مغبة خطيئته.

هذا التحوّل الدرامي لا يبدو مبررا، بل بدا مستحيلا في سياق الشخصية كما نراها في البداية، وبتحوّل الفيلم من فيلم قضية اجتماعية أو “دراسة لشخصية”، إلى فيلم مطاردة بوليسية ومفارقات مثيرة مصنوعة، تعيبه أيضا كثرة الشروح والمصطلحات القانونية مع غزارة الحوار، والفشل في تفسير حالة “التوحد” التي يعاني منها رومان، ويبقى الأداء التمثيلي هو أساس جاذبية الفيلم.

16