رومان سيزلوفيتش وتأثيره على فن البوستر وأغلفة المجلات

أكثر من 700 رسم وتخطيط وبوستر للفنان البولندي رومان سيزلوفيتش في معرض استرجاعي بعنوان "صناعة الصور" بباريس.
الأحد 2018/06/10
أكثر من 700 بوستر وتصميم

ترك الفنان البولندي رومان سيزلوفيتش وارسو عام 1963، متجهاً نحو باريس جاعلاً إياها منفاه الاختياري، وما هي إلا سنوات قليلة حتى غزت تصاميمه ولوحاته صالات المعارض الفرنسيّة، إلى جانب عمله كمدير فنيّ لأكبر المجلات العالميّة، كـ”فوغ” و”إلّ” و”مافيا”، التي احتلت أعماله أغلفتها بصورة دوريّة، ليصبح واحداً من أشهر فناني الغرافيك في القرن العشرين، خصوصاً أنه جعل الكولاج أقرب إلى أسلوب فنيّ ونقديّ، للتعليق على الأحداث السياسية والثقافيّة في فرنسا والعالم على حد سواء.

يقيم متحف الفنون التزيينية في العاصمة الفرنسيّة باريس، معرضاً استرجاعياً لأعمال سيزلوفيتش بعنوان “صناعة الصور”، نشاهد فيه أكثر من 700 رسمٍ وتخطيطٍ وبوسترٍ، مُرتبةً زمنياً وموضوعاتياً، نكتشف فيها تطور تجربة سيزلوفيتش، وتوظيفه للبوستر كوسيط فنيّ ملاصق للأخبار والأحداث السياسية، إذ يستفيد منه بوصفه منتجاً جماهيريّاً، ومرئياً للجميع في الشوارع والطرقات، ما جعل أعماله تتجاوز الصيغة المتحفيّة والمتلقين “النوعيين”، لتخاطب الجمهور بشتى أنواعه. والجدير بالذكر أن متحف الفنون التزيينية شهد أيضاً أول معرض فردي كبير لسيزلوفيتش عام 1972.

يرتبط سيزلوفيتش بثقافة البوب ومنتجاتها، إذ يحاول أن يضع لمسته الشخصية على أشهر أيقوناتها وصرعاتها، ففي عام 1967 استخدم صورة الثوري البوليفي تشي غيفارا، وأضاف إليها اللونين الأحمر والوردي، وأزال عينيه، ووضع مكانهما عبارة “تشي، نعم” في تحية ثورية له قبل أشهر من اغتياله.

التقنية ذاتها نراها في تعامله مع الموناليزا التي تحولت أيضاً إلى منتج شعبي وهوس للكثيرين، إذ قام في سلسلة من أغلفة مجلة “أوبس” أولها عام 1968، بتشويه وجه الموناليزا، جاعلاً عينيها تتكرران عدة مرات، وعام 1973 جعل منها أقرب إلى وحش بعين واحدة، إلى أن صنع منها نهاية كولاجاً باسم “مونا تسي تونع” عام 1977، في إشارة إلى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، إذ يسعى عبر تصاميمه إلى إعادة النظر في المنتجات الفنيّة وعلاقتها بالسياسة، وزعزعة السياق البصري الذي تحتويه، ليكون “التشويه” الذي يمارسه وسيلة لخلخلة الهالة الفنيّة والسياسية المحيطة بالأعمال “الراقية”، ودعوة إلى إعادة النظر فيها وفي قيمتها.

ساهم سيزلوفيتش مع فيرناندو أرابال وإليخاندرو غودوروفسكي في تأسيس حركة “بانيك” المسرحية والفنيّة، وبدأ عام 1976 بإصدار مجلة كاماكازي، المستوحاة من الحركة والمهتمة بتغطية نشاطها، إذ كان ينشر فيها صوراً وبوسترات بحجم كبير بعد تعديلها والتلاعب بها، كصورة لمباراة الملاكمة بين محمد علي كلاي وجورج فورمان، والتي لا نرى فيها سوى كلاي يطلق لكمة، وجزء صغير من جسد فورمان، وفي العام ذاته أصدر مجموعة من صور الكولاج بعنوان “تغير المناخ”، والتي تشمل 200 صورة وبوستر، يستخدم فيها الألوان والصور الملونة، ويقوم بتركيب الأعمال الفنية الشهيرة مع صور تنتمي إلى اليومي والاستهلاكيّ.

المقاربة السابقة تجعل الكولاج نقدياً، لقدرته على مزج المستويات المختلفة من الثقافة، والتشكيك في مرجعياتها الأصليّة، وهذا ما نراه أيضاً في مجموعة كولاج أخرى باسم “لا أخبار- أخبار سعيدة”، وفيها يدمج الصور الفوتوغرافيّة، مع الوثائق الصُّحفيّة المختلفة، مقدماً لنا تشكيلات بصرية تنتقد مفهوم “الأخبار” وسياساتها، ليبرز التناقضات التي تحملها هذه الصناعة الأيديولوجيّة، إذ نرى في إحداها صورة للرئيس الأميركي رونالد ريغن مبتسماً، إلى جانبه صورة لصواريخ، في إشارة إلى الحرب الباردة والبروباغاندا الإعلامية التي تلاعبت بالمواطنين الغافلين، لتحريكهم بما يخدم السلطة.

يقول سيزلوفيتش إن “الصورة المنشورة هدفها أن تتحدث، أن تقول، أن تنقل، أن تُعلن وأن تُخبر”، وهذا ما يتضح على طول تجربته، إذ نشاهد في المعرض بوسترات عن حملات التوعية الجنسية، وحقوق المرأة، إلى جانب بوستر صممه في السبعينات من القرن الماضي لصالح منظمة العفو الدوليّة، كما نلاحظ وقوفه الدائم إلى جانب الأقليات ضد اليمين المتطرف في فرنسا، وضد الأبارتهايد والتمييز العنصري، فنشاطه السياسي جعله دوماً يعمل مع الصحف والمجلات المختلفة، وذلك لمواكبة الأحداث السياسية، وتقديم رأيه فيها بصرياً بصورة شبه يومية في بعض الأحيان.

12