"روما" المكسيكي يحصد جائزة "الأسد الذهبي" في مهرجان فينيسيا

المهرجان يسدل الستار على دورة استثنائية حفلت بروائع السينما الجديدة من كافة أنحاء العالم، وجوائزه تذهب إلى خمس تحف سينمائية.
الاثنين 2018/09/10
الفيلم المكسيكي "روما" استحق الأسد الذهبي

في إحدى المرات القليلة تأتي نتائج الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا السينمائي في محلها تماما، متطابقة مع توقعات النقاد والخبراء الذين تابعوا على امتداد أحد عشر يوما أفلام المسابقة الـ21 التي كان من بينها عدد من التحف السينمائية لا يقل عن خمس، فقد ذهبت الجوائز الخمس الرئيسية لأفضل الأفلام في المسابقة الرسمية الرئيسية إلى من يستحقها كما جاءت متفقة مع التوقعات والترشيحات التي نشرها، السبت، كاتب هذا المقال في “العرب”

حصل فيلم “روما” Roma للمخرج المكسيكي الكبير ألفونسو كوارون على جائزة “الأسد الذهبي” أرفع جوائز المهرجان. ولم يتردد رئيس اللجنة المخرج غليرمو ديل تورو، وهو بدوره مكسيكي، عن التصويت لمنح هذه التحفة البصرية البديعة هذه الجائزة المرموقة.

 وكنت قد قدمت عرضا نقديا للفيلم على صفحات “العرب” بعد عرضه في المهرجان مباشرة، واعتبرته إحدى الروائع الفنية التي تسير على نهج المذهب الواقعي مع لمسات كثيرة شعرية، ويتميز بقوة تصويره (بالأبيض والأسود) للأجواء الحياتية والسياسية التي كانت سائدة في العاصمة “مكسيكو سيتي” في أوائل السبعينات، حسب رؤية “إنسانية” غير تقليدية لا تتبنى النهج التقليدي المألوف في ما يتعلق بمسألة الصراع الطبقي بل يتعامل مع شخصياته بدفء وشاعرية وروح الحب ليجمع بين طبقتين: من البورجوازية والخدم، لكنه يتميز أكثر بالاقتراب من عالم المرأة والعثور على وشائج تربط ما بين النساء بغض النظر عن المواقع الطبقية المختلفة.

وذهبت الجائزة الكبرى الخاصة للجنة التحكيم الدولية وهي التالية في أهميتها مباشرة للجائزة الرئيسية “الأسد الذهبي” إلى فيلم “المفضلة” The Favourite  للمخرج اليوناني الكبير يورغوس

 لانتيموس الذي يروي ببراعة سينمائية مثيرة للإعجاب، قصة الصراع داخل قصر الملكة الإنكليزية آن في القرن التاسع عشر، بين سيدتين حول الحصول على الحظوة وقوة التأثير على قرارات الملكة التي كانت تعاني من متاعب صحية عديدة، وبرز في هذا الفيلم بوجه خاص إلى جانب الإخراج المتمكن، مستوى التمثيل حيث تبارت ثلاث ممثلات من المستوى الرفيع، برزت بينهن بوجه خاص البريطانية أوليفيا كولمان التي حصلت بدورها على جائزة أفضل ممثلة.

أما جائزة أفضل ممثل فقد حصل عليها عن جدارة واستحقاق الممثل الأميركي الكبير وليم دافو عن دور فان كوخ في الفيلم البديع “عند بوابة الأبدية” للمخرج جولين شنابل، وربما كان الفيلم نفسه يستحق أيضا جائزة لكن لاشك أن لجنة التحكيم أرادت أن تنوع في اختياراتها، فمنحت جائزة أفضل إخراج للفيلم إلى الفيلم التحفة “شقيقا الأخوات” للمخرج الفرنسي جاك أوديار الذي يشق عن طريقه طريقا جديدا في مجال سينما الغرب الأميركي “الويسترن”.

يعيد من خلاله الاعتبار لهذا النوع السينمائي الذي خبا، ويصنع من خلال قصة تدور حول شقيقين من القتلة المحترفين، يصلان إلى الشعور بالرغبة في توديع حياة الشقاء والعودة إلى حضن الأم، بعد سلسلة من المغامرات الحافلة. ويكمن في الفيلم نفس وجودي، يطرح تساؤلات عن مغزى الوجود من دون غرض، والحاجة إلى الشعور بالرفقة الإنسانية والثقة في طيبة الإنسان الذي يدفعه طموحه إلى البحث عن وسيلة لإسعاد الآخرين أيضا.

جائزة أفضل سيناريو سينمائي حصل عليها الأخوان جويل وإيثان كوين عن فيلمهما البديع “أنشودة بستر كروجز” وهو بدوره أحد الأفلام الجديدة من نوع “الويسترن” في قالب كوميدي يفوح بروح الدعابة والمرح ويدور في أجواء ما بعد حداثية (وهذه هي المفارقة) في سياق الويسترن، يقبض عليه ويستخدم نفس عناصره المعروفة، لكنه يسخر منه ومن أبطاله ويكشف ضعفهم وحيرتهم وكيف تأتي اختياراتهم دائما متأخرة.

فيلم “العندليب”

جائزة أفضل ممثل حصل عليها عن جدارة واستحقاق الممثل الأميركي الكبير وليم دافو عن دور فان كوخ في الفيلم البديع "عند بوابة الأبدية" للمخرج جولين شنابل
جائزة أفضل ممثل حصل عليها عن جدارة واستحقاق الممثل الأميركي الكبير وليم دافو عن دور فان كوخ في الفيلم البديع "عند بوابة الأبدية" للمخرج جولين شنابل

 الأسترالي للمخرجة الوحيدة بين مخرجي المسابقة وهي جنيفر كنت، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وهي جائزة فرعية تمنح عادة تقديرا للمستوى التقني للفيلم، كما حصل على جائزة “أسد المستقبل” لأحسن ممثل صاعد ونالها الممثل ريكالي غانمبار الذي ينتمي إلى إحدى قبائل السكان الأصليين في أستراليا.

ربما كان فيلم “22 يوليو” للمخرج البريطاني بول غرينغراس يستحق جائزة ما لكن المشكلة تتمثل في أن كثرة الأفلام الجيدة لابد أن تكون قد أصابت لجنة التحكيم بنوع من الحيرة، ولابد أنها حسمت أمرها في نهاية المطاف، وقررت أن تمنح الجوائز لأكثر الأفلام حصولا على الأصوات، مع ترك أفلام أخرى جانبا لكن ليس معنى هذا أنها ليست أيضا أفلاما جيدة وتستحق التكريم، ولاشك أن أفلاما كثيرة منها ستشق طريقها نحو مسابقة “الأوسكار” بكل قوة وثبات.

ومن الجوائز التي وزعت في قسم “آفاق” الذي يحتفي عادة بالأفلام الأولى والثانية لمخرجيها، جائزة أحسن ممثل التي حصل عليها الفلسطيني قيس ناشف عن دوره في فيلم “نار ع تل أبيب” للمخرج سامح زعبي، كما نالت المخرجة السورية الشابة سؤدد كعدان عن فيلمها الأول “يوم أضعت ظلي” جائزة “أسد المستقبل”- لويجي دي لورنتيس.

جائزة أفضل فيلم تسجيلي في السينما وهي جائزة خاصة حصل عليها المخرج الأميركي بيتر بوغدانوفيتش عن فيلم “بستر العظيم: احتفال” (عن العملاق بستر كيتون ودوره في السينما)، الذي يروي قصة النجاح الكبير الذي حققه الممثل الكوميدي الأميركي بستر كيتون في هوليوود العشرينات.

في تظاهرة “أيام فينيسيا” التي ينظمها اتحاد السينمائيين الإيطاليين، فاز بجائزة أحسن فيلم، الفيلم الفرنسي “حب حقيقي” للمخرجة كلير بيرجيه، الذي يصور العلاقة بين أب منفصل عن زوجته وابنتيه الطفلتين في بلدة على الحدود الألمانية-الفرنسية. وتبلغ قيمة هذه الجائزة 20 ألف يورو.

وهكذا يسدل الستار على دورة استثنائية حفلت بروائع السينما الجديدة من كافة أنحاء العالم، وأسعدت كل من تابعها من الجمهور والنقاد، ورسخت جدارة هذا المهرجان العريق، كما أن من بين أفلامها حتى تلك التي لم تنل الجوائز، ستخرج الأفلام التي تخوض قريبا السباق نحو جوائز الأوسكار الأميركية كما حدث خلال السنوات الست الأخيرة.

14