روميو كاستالوتشي مخيبا للأمل

الأحد 2017/10/22
تراجيديا أميركية غير واضحة المعالم

لا ندري إن كانت مصادفة أم لا أن يتم اختيار مركز MC93 في ضاحية بوبيني شمال باريس لعرض مسرحيّة كاستالوتشي الأخيرة “الديمقراطية في أميركا” ضمن مهرجان الخريف المسرحي في باريس، فالمسرحيّة تحوي موضوعات تقارب تاريخ منطقة بوبيني التي عرفت كونها مكان إرسال اليهود من فرنسا إلى مخيمات الاعتقال في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، كما أن الاسم ارتبط بمحاكمة ماري كلير في السبعينات من القرن العشرين والتي اغُتصبت ثم أجهضت، لتشعل بعدها المجتمع الفرنسي في نقاش حاد انتهى بتشريع حق الإجهاض للمرأة دون تجريمها.

يبني كاستالوتشي العرض على أساس عدة مقاربات مفاهيمية مرتبطة بالتجربة الأميركيّة، عبر اقتباس حر من كتاب يحمل ذات اسم المسرحيّة لسياسي فرنسي اسمه أليكسيس دي توكوفيل الذي زار أميركا في منتصف القرن التاسع عشر ليدرس نشأة الديمقراطية هناك متحدثاً عن مخاطرها وشكلها الجديد وتقنياتها، إلى جانب تصميمٍ للرقصات أيضاً مقتبس بشكل حر من الفولوكلور الألباني واليوناني والإنكليزي والهنغاري، فكاستالوتشي يرى أن التجربة الديمقراطية في أميركا مختلفة عن تلك الأوروبيّة التي نشأت في أثينا، فنظام التمثيل السياسي مختلف بين الاثنين، فأميركا برأيه بنيت على أساس المساواة الإنجيلية وبناها المتدينون الطهرانيون، ما جعل مفهوم التراجيديا الأثينيّة يتلاشى، فالجميع متساوون ولا وجود للآلهة الوثنيّة، كما أن المنطق الاستعماري حاضر في تأسيس أرض الأحلام، والذي يعرضه كاستالوتشي عبر التلاعب بالكلام واللغة، بداية عبر إعادة ترتيب أحرف عنوان العرض ثم الإشارة إلى كيف فقد الهنود الحمر لغتهم ثم أبيدوا ثم استعباد الأفارقة، لنصل إلى حد المس الإلهي الذي نراه في البداية ثم الشيطانيّ لاحقاً.

بالرغم من الكثير من التأويلات وسعي كاستالوتشي حسب البعض لبناء تكوينات بصريّة أشبه باللوحات التشكيلية، لكن حقيقة فالعرض يصيب الجمهور بالملل

يشرح كاستالوتشي مفهوم “تعدد الألسنة” المرتبط بنوع من التجلي الإلهي الذي يصيب بعض زوار الكنيسة، بوصفهم يستعيدون تراثا إنجيليا عبر الحديث بلغة غير مفهومة تفسّر بأنها لغة روح القدس التي لا يفهمها من ينطق بها، هذا الغموض الميتافيزيقي يشبه الديمقراطية الأميركية التي تتحول إلى طغيان الأغلبيّة ضد الأقلية حسب ما تلمّسه دي توكوفيل، ليستعرض بعدها كاستالوتشي أشهر التواريخ التي شكلت الدولة في أميركا كورقة الحقوق والتعديلان الأول والثاني وإعلان الاستقلال وغيرها من الأحداث التي تشكل بنية النظام السياسيّ وكيفية توزيع السلطة.

تحضر المفاهيم السابقة ضمن حكاية اثنين من سكان أميركا الأصليين وتساؤلاتهما عن لغة الغريب، ثم حكاية زوجين يهوديين طهرانيين، حيث تقوم الزوجة بتحدي الإله عبر بيع ابنتها مقابل أدوات للزراعة منتظرة بانتظار تدخلّ ربانيّ يوقفها كما أوقف إبراهيم حين أراد التضحية بابنه، لكن ذلك لا يحصل، لينتهي بها الأمر ممسوسة بالشيطان وتصرخ بلغة غير واضحة أشبه بتلك التي نسمعها في أفلام الرعب التي تتناول المس الشيطانيّ، يسعى كاستالوتشي عبر الحدث السابق إلى مساءلة مفهوم الأضحية في نشأة الديمقراطيّة الأميركية كونه يختلف عن ذاك اليوناني المرتبط بالآلهة ونيل رضاها، ففي تجربة الزوجين كانت الأضحية دعوة للكفر والهرطقة بوجه المقدس للحصول على أدوات للعمل والإنتاج لا في سبيل نيل رضاه، إذ لا خلاص إلهيا بالأضحية الأميركيّة، بل محاولة للاندماج في المجتمع الجديد وبناء أرض الميعاد الجديدة في أميركا.

يتحول العرض بعد قصة الزوجين إلى ما يشبه عروض خيال الظل، نتلمس فيه معالم أجساد ترقص وأضواء تتغير، وبالرغم من الكثير من التأويلات المرتبطة بذلك وسعي كاستالوتشي حسب البعض لبناء تكوينات بصريّة أشبه باللوحات التشكيلية، لكن حقيقة فالعرض يصيب الجمهور بالملل فتقريباً لا نرى شيئا سوى الظلال وإضاءة يتم التلاعب بها بصورة غير مفهومة في بعض الأحيان، ويمكن تأويل ذلك بأنه يشابه غموض مفهوم الديمقراطيّة والسعي لخلق متعة بصريّة مجردة، لكن ذك لا ينفي أن العرض كان مخيّباً للأمل، وخصوصاً أنه يستمر لساعتين وفي أغلب الوقت لا نرى فيها إلا هذه التكوينات الضوئيّة أما الرقصات فلا تبدو واضحة أيضاً كوننا لا نرى إلا انطباعات عن الأجساد وحركتها بين الظلّ والضوء.

يرى كاستالوتشي أن النظام الأميركي حتى الآن يستخدم النزعة الدينية لأغراض سياسية، ما يجعل فهم عملية صناعة القرار غامضة وغير مرئية، فتكريس الخطاب الديني مختلف عن ذاك الأثينيّ، كون الأخير يوظف التراجيديا بوصفها ساحة للصراع السياسي، أما في أميركا فالتراجيديا غير واضحة المعالم ولا تحوي تغييراً سياسياً، بل مجرد غموض مجازي من أجل الهيمنة، لكن هذه التأويلات الثقافيّة لا تبرر عدم انضباط حركات الراقصات على الخشبة، فعدم الانسجام والخلل في الإيقاع غير متوقع أبداً في عرض يحمل اسم كاستالوتشي.

كاتب من سوريا

14