رونالدو حارس احتياطي تحول إلى ظاهرة عالمية

السبت 2015/01/17
الأسطورة رونالدو توّج بجائزة الحذاء الذهبي عام 1997

"الظاهرة" مصطلح يطلق على أي شي يمكن مراقبته، وعلمياً تفيد بحدوث شيء غير عادي أو ربما غير متوقع، لذلك استحق الأسطورة البرازيلية الحية رونالدو أن يلقب بالظاهرة، لأن موهبته لم تكن اعتيادية بإجماع عشاق المستديرة، فهو لاعب يظهر مرة في كل جيل، لكن الفرق بين الظاهرة الكروية والظاهرة العلمية أن رونالدو لم يكن من السهل مراقبته من قبل لاعبي الخصم، لحنكته وبراعته في نقل الكرة بين قدميه.

ولد لويز نزاريو داليما المعروف برونالدو في 22 من شهر سبتمبر من العام 1976، في إحدى ضواحي ريو دي جانيرو البرازيلية الفقيرة، والده نيليو كان بائعاً متجولاً انتقل للعمل في إحدى شركات الهاتف المحمول وهو من كان يصطحبه إلى ملعب الماراكانا ليتابع كرة القدم، وكان يتمنى أن يصبح ابنه نجماً رياضياً بخلاف والدته سونيا التي كانت تشجعه على الدراسة، كان يعرف رونالدو في صغره بين أصدقائه باسم مونيكا نسبةً لبطلة الرسوم المتحركة التي تشبهه بأسنانها الأمامية الكبيرة.

من المثير للاستغراب في بداية الظاهرة رونالدو أنه بدأ كرة القدم كحارس مرمى، وكان ملازماً لمقاعد الاحتياط لكنه كان يحب اللعب في مركز الهجوم وتسجيل الأهداف حتى إن والدته روت أن رونالدو كان في نومه يصرخ "مرر الكرة لي دعني أسجل الهدف" ويركل برجله الهواء، وفي إحدى الدورات الكروية أصيب مهاجم الفريق ودفع المدرب مجبراً بالحارس الاحتياطي رونالدو ليشغل مركز زميله المصاب، ظهر واضحاً عشقه لتسجيل الأهداف وقاد فريقه للفوز في تلك المباراة، ونال إعجاب مدربه فرناندو دوس سانتوس الذي رشحه للعب في نادي دي راموس وسجل رونالدو لناديه 166 هدفا.

ترك دراسته وجعل كرة القدم كل شيء في حياته، الفتى الصغير الذي عشق زيكو وجعله مثله الأعلى، انتقل للعب في نادي كروزيريو موسم 93-94 ووقع عقده الاحترافي الأول بمبلغ (30) ألف جنيه إسترليني وهناك بدأت ترتسم ملامح النجم الصاعد. أحرز الفتى البالغ من العمر حينها 17 عاماً، كأس البرازيل مع كروزيرو وحقق رقماً قياسياً بتسجيله هدفاً في كل مباراة.


على طريق روماريو


أراد الظاهرة رونالدو السير على خطى روماريو النجم الأول للبرازيل آنذاك، انتقل إلى ايندهوفن موسم 94-95 مقابل مبلغ كان يعد قياسياً (ستة ملايين دولار) ويمثل ثروةً حقيقيةً لفتىً صغير جاء من الأحياء العمالية الفقيرة في البرازيل.

لعب موسمين وكسب ثقة المدرب الإنكليزي روبسون بعدما سجل 54 هدفاً في 57 مباراة لعبها بقميص أيندهوفن.

انتقل روبسون إلى النادي الكتلوني موسم 96-97 وكان ذلك يعني انتقال اليد اليمنى له رونالدو إلى نفس النادي، أشعل مدرجات الكامب نو بمهاراته المميزة، فكانت أخباره تتصدر الصحف وتغطي على الأخبار السياسية والصفقات الاقتصادية بل وحتى مصارعة الثيران اللعبة الشعبية البارزة في أسبانيا.

لا يكتفي باختراق الدفاع بل يتجاوز حارس المرمى ويرسل كرته ببطء إلى داخل الشباك. هذا ما يميز رونالدو عن بقية اللاعبين، لذلك رغب جميع اللاعبين في أن يكونوا خلفه لا أمامه لأن مواجهته ليست بالسارة أبداً.

سجل في موسمه الوحيد مع البارسا 50 هدفاً في 44 ظهورا بقميص البلوغرانا وحصد كأس أسبانيا مرتين، وكأس الكؤوس الأوربية مرة واحدة لعام 97.

مبلغ ستة ملايين دولار مقابل ضم رونالدو إلى أندهوفن أعتبر ثروة حقيقية لفتى صغير جاء من الأحياء العمالية الفقيرة في البرازيل

استغل رونالدو الثغرة القانونية في عقده مع البارسا والتي تنص على إمكانية انتقاله لأي نادٍ مقابل شرط جزائي بقيمة 26 مليون دولار يدفعها النادي الراغب في ضمه، وهو ما قام به مازولا المدير الرياضي لنادي إنتر ميلان الذي يعاني من عقم هجومي وكانت فرصةً مميزةً لاستقطاب النجم البرازيلي.

لكن برشلونة راوغ في قضية الانتقال بأن النص يطبق للأندية الأسبانية فقط.

لجأ رونالدو إلى الفيفا وبعد جدال طويل حكمت الفيفا للنجم البرازيلي مقابل قيمة تضاف إلى الشرط الجزائي الأصلي، بلغت القيمة الإضافية مليونا وثمانمئة ألف دولار لينتقل إلى الإنتر موسم 97-98.

وما كانت تنتظره الجماهير من رونالدو كان حاضراً في موسمه الأول بعد أن سجل 25 هدفاً من 32 مباراة ليحتل مركز وصافة هدافي الدوري الإيطالي. أسلوبه كان ممتعاً في الجري والتوقف وتغيير اتجاهه إلى منحىً غير متوقع واختراق المدافعين باستعراضات فنية مميزة.

جماهير الإنتر تتذكر جيداً عندما تجاوز مالديني وكوستاكورتا وسجل هدفاً رائعاً في شباك الميلان، ما جعل جماهير السان سيرو تطلق عليه لقب الظاهرة.


أسوأ لحظات حياته


في شهر نوفمبر من العام 1999 كانت أسوأ لحظات حياة رونالدو عندما أصيب في ركبته اليمنى، وانتظر الجميع عودته في نهائي كأس إيطاليا عام 2000 أمام لاتسيو، ولم يلمس الكرة سوى بضع لمسات حتى أطلق صرخةً أسكتت 60 ألف متفرج في مدرجات الملعب.

لم يلتزم بتحذيرات طبيبه الفرنسي الذي أوصاه بعدم اللعب ولو لدقيقة واحدة.

انتقل إليه رونالدو مجدداً فكانت وعود الطبيب الفرنسي له بأن يبذل قصارى جهده لكي يمشي على قدميه فقط لا أكثر من ذلك، أي أن عودته إلى الملاعب كانت ضرباً من المستحيل. لم يفقد الأمل بالعودة للملاعب مجدداً، استطاع العودة موسم 2001-2002 وسجل سبعة أهداف من عشر مباريات لعبها لشوط واحد في كل مباراة. انتهى المونديال الآسيوي 2002 وجماهير الإنتر في السان سيرو تنتظر عودة الظاهرة المتوج بجائزة هداف المونديال، لكن الخبر الأكيد وصل إيطاليا قبل وصول رونالدو بأن النادي الملكي فتح قنوات الاتصال مع النجم البرازيلي وبات انتقاله وشيكاً، عاد رونالدو إلى إيطاليا وكانت الجماهير بانتظاره لكن هذه المرة لم تكن تستقبله بابتسامه بل كان على الأمن تغطية المطار لأن الجماهير تتوعد رونالدو بالغضب والحساب العسير.

رونالدو الأسطورة يصف لحظات اعتزاله في العام 2011 بالكلمات التالية: "جسدي يؤلمني، ذهني يريد مواصلة اللعب لكن جسدي يقول لم يعد بإمكاني فعل ذلك"

أعلن بيريز رئيس نادي ريال مدريد أخيراً انضمام رونالدو بصفقة تجاوزت الأربعين مليون يورو، وحمل رونالدو القميص الأبيض رقم 9 إلى جانب كوكبة النجوم وعباقرة الكرة المنضوين تحت لواء ملوك مدريد، وكان عليه أن يثبت نفسه كورقة رابحة من بين مجموعة الأوراق الرابحة وإلا فأنه لن يكون أكثر من لاعب يعدو على أرض الملعب، وتمكن رونالدو من حجز مكانة خاصة له في النادي الملكي وساهم في حصد الأبيض للألقاب، الدوري الأسباني لمرتين وكأسي السوبر الأسبانية والأوربية مرة واحدة وكذلك كأس العالم للأندية عام 2003.

عانى رونالدو في موسمه الأخير مع الملكي بقيادة الإيطالي كابيلو من خلافات كبيرة بسبب وزنه الزائد حتى إن كابيلو كان يستهزئ منه بالقول: “إما أن تركض أو تلعب في الدرجة الثانية للدوري الإسباني”، فقرر رونالدو أخيراً الهروب من مسلسل اضطهاد كابيلو والرحيل إلى السان سيرو مجدداً لكن هذه المرة بقميص الميلان بعد أن تجاوز رصيده من الأهداف مع الملكي حاجز المائة هدف. أكد أدريانو غالياني نائب رئيس نادي ميلان بعد سماع رغبة رونالدو اللعب في صفوف الروسونيري، أن النادي الإيطالي سيتعاقد مع رونالدو فقط في حالة عدم وجود رسوم انتقال، فأجاب رونالدو أنه مستعد لدفع القيمة الجزائية لفسخ عقده في الوقت الذي كشف استطلاع رأي أجرته صحيفة آس الأسبانية أن غالبية جماهير الريال لاتريد لرونالدو الرحيل لكن القرار الأخير لكابيلو كان واضحاً أن رونالدو خارج حساباته كلياً.

لعب رونالدو بقميص الميلان موسمي 2006-2007 / 2007-2008، وبدا واضحاً فيهما أن الظاهرة في أيامه الأخيرة فلم يسجل سوى تسعة أهداف رغم حصوله معه على كأس السوبر الأوروبي عام 2007 وكأس العالم للأندية في ذات العام.

لم يتقبل رونالدو فكرة الاعتزال إلا بعد ثلاث سنوات من انتقاله إلى كورنثيانز البرازيلي بعدما سجل 6 أهداف من 7 مباريات خاضها، ليعلن اعتزاله في الرابع عشر من شهر فبراير 2011 قائلاً "جسدي يؤلمني، ذهني يريد مواصلة اللعب لكن جسدي يقول لم يعد بإمكاني فعل ذلك، أريد مواصلة مشواري لكنني غير قادر، أفكر بحركة ما لكني لا أتمكن من تنفيذها كما أريد، حان الوقت من أجل الاعتزال".

رونالدو ابن البائع المتجول يعرفه أصدقاء طفولته باسم "مونيكا" نسبة لبطلة الرسوم المتحركة التي تشبهه بأسنانها الأمامية الكبيرة


وريث بيليه الجديد


اختير رونالدو عندما كان في السابعة عشرة من عمره لتمثيل المنتخب البرازيلي لأول مرة، كان ظهوره مشابهاً لظهور بيليه في التفاصيل التاريخية عندما استدعي في العمر الذي استدعي فيه بيليه للمنتخب البرازيلي تحت سن 17 سنة و فاز بلقب كأس كوبا أميركا للناشئين عام 93. لفت حينها أنظار مدرب السامبا كارلوس ألبرتو باريرا فضمه إلى المنتخب البرازيلي المتوج بلقب كأس العالم لكرة القدم 1994، لكنه لم يشارك كأساسي لكثرة النجوم، ثم حجز لنفسه مكاناً في ثلاثة مونديالات (98 - 2002 - 2006)، وكان دوره حاسماً بحصد اللقب المونديالي عام 2002 بتسجيله هدفي الحسم في النهائي وتصدره لهدافي البطولة برصيد ثمانية أهداف، ويحمل سجله مع السامبا ألقاباً عديدة أخرى أبرزها كأس القارات وكأس كوبا أميركا، وخاض 97 مباراة مع السيليساو سجل خلالها 62 هدفاً.


متعاطف مع فلسطين


اشتهر الأسطورة البرازيلية بتعاطفه مع القضية الفلسطينية، عندما كان سفيراً للنوايا الحسنة في برنامج الأمم المتحدة للتنمية فقام برحلة الى القدس والضفة الغربية في العام 2005 ضمن الحملة العالمية ضد الفقر. حاول الوصول إلى غزة لزيارة فتىً فلسطيني يدعى حمد النيرب أطلق على نفسه لقب رونالدو فلسطين تيمناً به قبل أن يفقد ساقيه في غارة شنتها طائرة حربية إسرائيلية على ملعب رفح، لكن الفتى الفلسطيني عجز عن الانتقال من رفح إلى مدينة رام الله في الضفة الغربية لرؤيته هناك.


مرعب مالديني


تمتلئ خزائن رونالدو بالألقاب الفردية، فهو ثاني هداف تاريخي لكأس العالم برصيد 15 هدفاً قبل أن يحطم رقمه كلوزه الألماني على أرض السامبا وفي شباكهم المونديال الماضي. أحرز جائزة الاتحاد الدولي لأفضل لاعب في العالم في ثلاث مناسبات أعوام 1996 – 1997 – 2002، وحصل على جائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في أوروبا مرتين عامي 1997 – 2002، وجائزة أفضل هدّاف في أوروبا (الحذاء الذهبي) عام 1997. كما نال لقب الهداف في الدوريات المحلية الأسبانية والهولندية والبرازيلية.

لذلك كله قال عنه القيصر فرانك بيكنباور أنه من المستحيل إيقافه طوال 90 دقيقة، وشبهه لورا بلانك بكرة المنضدة التي لا يمكن السيطرة عليها، ووصفه الأرجنتيني فالدانو بمحرك فيراري المبرمج على أن يحرز الأهداف، وقال عنه المدافع الإيطالي الشهير باولو مالديني: "لعبت الكثير من المباريات في كرة القدم ولم أخشَ أي لاعب إلا رونالدو البرازيلي". قال رونالدو قبل أيام إنه قد يخوض: "بعض المباريات" مع "فورت لودرديل ستريكرز"، الذي يمتلك 10 بالمئة من أسهمه، وأضاف: "سأحاول لعب بعض المباريات. أرغب في التدريب كثيرا هذا العام. لم أستطع تحقيق هذا خلال السنوات الثلاث الأخيرة لأن جدول أعمالي كان مزدحما بأنشطة أخرى".

15