رونالد بروكس كيتاي: لوحات أيروسية وهوس بالهولوكوست

الأربعاء 2013/08/14
الأدب والسينما والسياسة في لوحات كيتاي

لندن- نظّم «المتحف البريطاني» بلندن معرضاً فنياً مشتركاً تحت عنوان من «آركيمبالدو إلى كيتاي» سيستمر لغاية الأول من سبتمبر/ أيلول القادم. يضم المعرض الذي قُسِّم إلى ثلاثة أقسام رئيسة «130» عملاً فنياً غرافيكياً تمتد من حقبة الفنان الإيطالي جوسبي آركيمبالدو (1527-1593) إلى الفنان الأميركي رونالد بروكس كيتاي (1932-2007).

تضمّن المعرض أيضا، أعمالاً غرافيكية لفنانين أوروبيين مختلفين من بينهم غاستون نوفيللي، يوهانس فان دوتيكم، فرانشيسكو دي غويا، بابلو بيكاسو وغرَيْسون بيري. ونظراً لسعة هذه التجارب الغرافيكية المعروضة فإن مقالنا سينصّب على الفنان الأميركي رونالد بروكس كيتاي، وبالتحديد على الحقبة الزمنية التي تغطي عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وبالذات لوحاته الـ»49» المعروضة في الصالة رقم «90» من المتحف البريطاني، وهي تمثل سدس الأعمال التي أهداها الفنان إلى المتحف، قبل وفاته بمدة قصيرة في عام 2007.

قبل الولوج في المحاور الرئيسة لهذه الأعمال الطباعية «الغرافيكية» التي بلغ عددها «49» عملاً طباعياً على وجه الدقة، لابد من الإشارة إلى أن كيتاي هو أحد الفنانين المثيرين للجدل في النصف الثاني من القرن العشرين. ويعتقد نقاد الفن التشكيلي بأنه قد استمد أهميته من تأثيرات عدة تمتد من الأدب، وتمرّ بالسياسة، لتنتهي بالسينما، ناهيك عن ولعه اللامحدود بتأمل الأعمال الفنية للفنانين العالميين الكبار الذين أفاد منهم كثيراً ونسج على منوالهم العديد من لوحاته الفنية، التي رسخت في الذاكرة الجمعية لمحبّي الفن التشكيلي. ثمة واقعة مهمة لابد من الوقوف عندها لأنها تركت في أعماقه جرحاً عميقاً لم يندمل حتى وفاته. ففي عام 1994 نظّم له متحف الفن البريطاني الحديث «Tate» معرضاً إستعادياً، ضم قسماً كبيراً من تجاربه الفنية فتعرّض إلى انتقادات شديدة استمرت إلى عشر سنوات، حيث دفعته إلى التصريح ذات مرة بأن: «لندن التي عاش فيها أربعين سنة قد ماتت بالنسبة إليه»، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال: «إن النقاد البريطانيين كانوا السبب وراء وفاة زوجته الفنانة الأميركية ساندرا فيشر». التي كان يمحضها حُباً من نوع خاص، وصل إلى درجه التماهي والحلول الذي عبّر عنه في مناسبات عدة.

حميميات يومية للأصدقاء


النزعة الحسية


لا شك في أن موقف كيتاي كان معادياً للسامية، كما أنه كان مغالياً في عرض وجهات نظره الدينية، حيث تحولت اليهودية بالنسبة إليه كهاجس مزمن أنجز من خلاله العديد من اللوحات الفنية الإيروسية، التي تضمنت أفكاراً دينية تنتقد بشدة «الهولوكوست»، وما لحق باليهود من عسف كبير خلال الحقبة الهتلرية، مثل لوحة «صعود الفاشية» 1975 بفيغراتها الثلاثة العارية التي تنتظر عند ساحل البحر المعتم، بينما نرى في يسار اللوحة طائرة مقاتلة قد تنقضّ في أية لحظة. كما تأخذ لوحة «المسافر» 1984 بُعداً استعارياً واضحاً مفاده أن اليهودي كان يقتني تذكرته كي يذهب لمواجهة مصيره المحتوم. من بين الأعمال الليثوغرافية المهمة لوحة «برسيلونيتا» التي رسمها في أمستردام على غرار لوحة للفنان الإسباني خوليو روميرو دي توريز. وبالمناسبة إن موضوع المومسات يتكرر كثيراً في أعماله الفنية مقتفياً في ذلك أثر الفنان الفرنسي تولوز لوتريك. ربما يكون العمل الإيروسي الثاني «النيران النائمة» 1975، هو الأكثر إثارة لأنه معني بجسد المرأة من جهة، وبالعُري من جهة ثانية، الأمر الذي دفع النقاد في عام 1980 إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى كيتاي بوصفه معنياً بجسد المرأة كوعاء جنسي لا غير، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا العمل يكشف عن تقنيته المفضلة في بناء اللوحة الليثوغرافية على شكل طبقات متعددة تمنح العمل عمقاً فنياً ملحوظاً.


زوجة وأصدقاء


تحضر في هذا المعرض بقوة زوجته الثانية ساندرا فيشر التي رسم ملامحها الخارجية بمحبة كبيرة، في محاولة محمومة للإمساك بجمالها الداخلي أو الروحي الذي كان يشدّه إليها في كل لحظة، حتى أنه قال: «إن أجمل سنة قضاها في حياته كلها: هي تلك السنة التي أمضاها مع ساندرا في باريس». كما نشاهد في هذا المعرض بورتريهات لزوجته الأولى ألسي، وعدد كبير من أصدقائه الشعراء والفنانين الذين أحبّهم وارتبط معهم بعلاقات إنسانية جميلة، مثل ديفيد هوكني وإزرا باوند ولوسيان فرويد ونانسي وجيم داين وغيرهم الكثير. يحتل عمل «راقصة موسكو الحمراء» منزلة خاصة ضمن باقة الأعمال المعروضة، فهي منفذة بتقنية الطباعة الحريرية «السلك سكرين»، كما أنها مبنية بناء «كولاجياً» رصيناً من حيث الدلالة والتعبير. كما سيتكرر هذا البناء «الكولاجي» في الأعمال الفنية التي حملت عنوان «موضوعات فرنسية».

نخلص إلى القول بأن كيتاي، جنباً إلى جنب مع لوسيان فرويد وديفيد هوكني، يعدّون من روّاد الرسم التشخيصي الذين اختطوا لأنفسهم مسارات خاصة ومتميزة. وقدر تعلّق الأمر بيهودية كيتاي، فيمكن القول باطمئنان كبير إلى أنه كان منهمكاً بسؤال الهوية الدينية، الذي استجلاه بواسطة أبحاثة الفكرية والفنية التي تلامس الجوانب الذهنية والعاطفية في تجربته الشخصية، التي تمنح من مصادر فلسفية متعددة قد تحيلنا إلى فرانز كافكا وغيره من الأدباء الذين جسدوا الكثير من تجاربهم الذهنية في منجزهم الإبداعي.

16