رونان ماكدونالد وكتابه "موت الناقد"

الأحد 2015/01/04
رونان مكدونالد: موت الناقد سببه عجزه عن مواصلة دوره الرسالي

في عام 1968 نشر الناقد الفرنسي رولان بارت (1915ـ1980) مقالة قصيرة بعنوان «موت المؤلف» حملت أفكار وأطروحات مدرسة النقد الجديد التي بدأت تظهر في ذلك الوقت متأثِّرة بأفكار مؤسِّس علم اللّغة البنيوي الحديث السويسري فردينان دي سويسر (1857ـ 1913)، وتركيزه على أن اللُّغةَ نَسقٌ من العلامات، وهو ما تجلّى في اهتمام البنيويين وما بعد البنيويين بإحلال اللغة نفسها محل الشخص الذي كان مالكًا لها، أي عزل النص عن مُنتجه.

فاللُغة حسب رأي مالارميه ويوافقه عليه بارت «هي التي تتكلَّم وليس المؤلف»، على عكس ما كان سائدًا من قبل النقد الاجتماعي، الذي يقرُّ مُنَظِّروه بأن العمل الأدبيّ هو وليد الحياة الإبداعيّة لمؤلفه، وتعبير عن ذات صاحبه، وهو ما رفضته ـ جملةًـ مدرسة النقد الجديد التي عدّت النَّص الأدبي «خطابًا لا تتضمن وظيفته الإخبار بالحقيقة» كما ذَكرَ رامان سلدن في كتابه «النظرية الأدبيّة المُعاصرة».

جاء إعلان بارت وفق تسليمه المطلق بأن المبدع لم يفعل شيئًا سوى أنّه استلهم المخزون اللغوي والمعرفي ثمّ استثمره في إنتاج نصوصه الأدبية ولأن هذا المخزون إنساني وكوني ولا يملكه أحد فليس من المنطقي ـ كما تقول هذه المدرسة وأنصارهاـ أن نضع المؤلف في برجه العالي بل علينا أن نحتفي بالمتلقي (القارئ) باعتباره هو الذي يمنحُ النَّص قيمته المعرفية والجمالية من خلال ما يُمارسه من قدرة وكفاءة في تذوق النص وشحنه بالدلالات والصُّور التي تكون أحيانا أكثر عمقًا من الشكل الذي يطرحها به النَّص.


قلم مسموم


بعد فترة تراجع الاهتمام بمقولة بارت، ودخلت النظرية الأدبية منعطفًا جديدًا بالانشغال بالنقد النسوي، وصولاً إلى النقد الثقافي، وما بعد الكولونيالي.

وفي إعلان مشابه لما فعله بارت جاءت الضربات تتوالى على الناقد باعتباره لا يتابع ما يطرح من نتاجات إبداعية (قصة/شعر/مسرح)، وهو ما دفع البعض إلى وصفه بأنَّه مُبدع فاشل.
النظرية الأدبية دخلت منعطفًا جديدًا بالانشغال بالنقد النسوي، وصولاً إلى النقد الثقافي، وما بعد الكولونيالي

لكن أخطر هذه الاتهامات هو ما جاء على لسان الناقد البريطاني رونان ماكدونالد (وهو أكاديمي بريطاني تخرج في جامعة ريدنج، ويعمل أستاذا بجامعة نيو ساوث ويلز بسيدني في أستراليا، ويدير مركز الدراسات الأيرلندية في الجامعة نفسها) ووصفه في كتابه «موت الناقد» الصَّادر حديثًا عن المركز القومي المصري للترجمة، بترجمة فخري صالح بأنّه «متطفل وشخص غير فاعل بسبب عدم قدرته على الخلق الفني، لكنه قوي وقادر في صورة غير لائقة، على تدمير سمعة المبدعين بضربة واحدة من قلمه المسموم».

النقد التنويري

لم يكتفِ ماكدونالد بالتقليل من شأن الناقد ودوره بل ذَهَبَ مَذْهَبًا بعيدًا باستبدال مقولة «موت الناقد» بـ«موت المؤلف»، والعجيب أيضًا هذه المرة أنَّه يلوذ هو الآخر بالقارئ على نحو ما فعل «رولان بارت» قديمًا، مما أعطى أهمية قصوى للقارئ في ظلِّ وسائل التكنولوجيا الحديثة، كالمدوّنات والمواقع المتخصِّصة ووسائل السوشيال ميديا.

الهجوم الذي صبَّه ماكدونالد متوجِّها في الأساس إلى الناقد المتخصِّص (الأكاديمي) الذي اعتبره مُنْسحبًا من المشهد، بتخليه عن دوره في توجيه الكُتَّاب وإرشادهم. وقد أرجع انسحابه مِن المشهد إلى أسباب متعلِّقة بوسائل الاتصال الحديثة، حيث «انتشار المدونات والمواقع التي تتيح لأيّ شخص، بغض النظر عن معرفته وعلمه وضلوعه في الموضوع الذي يكتب فيه، الكتابة عن الكتب، والأفلام والمسرحيات والعروض الموسيقية.

ويرى المؤلف أن زمن الناقد؛ بوصفه الحكم الفيصل الذي يُقرِّرُ ما يستهلكه الجمهور على الصعيد الثقافي، قد وَلَّى».

ويري رونان ماكدونالد كما يقول المترجم، في المقدمة «أن دور الناقد شحب وتضاءل حضوره بسبب ابتعاده عن كتابة ما نُسمِّيه هنا في الحقل النقدي العربي “النقد التنويري”، وانسحابه إلى صومعته الأكاديميَّة مكتفيًا بكتابة دراسات وبحوث لا يفهمها سوى النخبة المتخصِّصة العارفة باللُّغة الاصطلاحيّة والمفاهيم والمنهجيات، التي توجِّه هذا النوع من الكتابات النقدية التي لا تلقى بالاً لما تهتم به الجمهرة الوَاسِعة مِن القُرَّاء من تعريف بالأعمال الأدبيّة والفنيّة، وتقديم إضاءات حولها وربطها بسياقات إنتاجها، والتعرُّف على مواضع تميُّزها ومقدار إضافتها إلى النوع الأدبي”.


موت الناقد

الكتاب حمل أفكار وأطروحات مدرسة النقد الجديد


رغم أنَّ الحكم الذي يُبديه المؤلف قاسيًّا، لكن لو تأمّلنا واقعنا المعاصر وعلوّ الأصوات التي تنعي غياب المؤلف بعدم متابعته لما يُنْشر من أعمال، لتأكَّدت لنا، ربما صِحَّة الإدعاء بموت الناقد مجازيًا على الأقل بالنسبة إلى الكُتَّاب، وهو الأمر الذي أتبعه وجود بدائل تعويضية ظهرت في ظلِّ هذا الغياب مثل المواقع المتخصِّصة والتي تهتم باستطلاع آراء القراء في الكتب على نحو ما هو موجود على موقع (goodreads) (جود ريدزالعربي أو الأجنبي)، وهو ما لفت انتباه بعض الصحف التي تنقل آراء القرّاء في بعض الأعمال ذات الذيوع من على الموقع تحت عنوان «للقرّاء آراء في…»، البديل الآخر وفرّه الفيسبوك وما يمكن تسميته بالنقد بوك.

وقد جاء هذا عبر عِدة أشكال، منها الصفحات المتخصِّصة لرواية بعينها، فمتابعو الصفحة يسجِّلون انطباعاتهم عن الرواية، أو ما يطرحه الكُتَّاب أنفهسم مِن قراءات وآراء في الأعمال التي يقرؤونها، والعجيب أن بعض هذه الآراء تَلْقَى احتفاءً من قِبل المتابعين فيشاركون في النِّقاش سواء بالإيجاب أو بالسَّلب.

ورغم أهمية الطرح وجدواه في تنشيط فعل القراءة، الذي كان يندثر بفعل التكنولوجيا على مستوى الإيجاب، إلا أنه في بعض الأحيان قد يأخذ منحى سلبيًا لسببين أولهما، يعمد البعض لاتخاذ هذه الآراء وسيلة هدم لأعمال معينة، في ظل حالة التنافس المحموم بين الكُتَّاب وبعضهم البعض.

وثانيهما أن هذه كتابات سريعة أقرب إلى الانطباعات الشَّخصية قد تأتي في كثير من الأحيان ممّن لا يعلم ماهية النقد وآلياته. والمتابع لهذه الصفحات والمدونات يكتشف أن الممارسات النقدية لا تقتصر فقط على الكتب، بل تشمل ـ أيضًاـ الأفلام والمسرحيات والعروض الموسيقية، بغض النظر عن معرفته وعلمه وضلوعه في الموضوع الذي يكتب فيه، وهذه هي الإشكالية الحقيقية.


الفوضى النقدية


السؤال الذي نطرحه هنا بجدية: هل يمكن أن تمثِّل هذه الكتابات على الصفحات الشخصية، أو الصفحات المتخصِّصة، بديلاً مشروعًا عن غياب النقد في ظل مزاعم صدق هذه العبارة، رغم نفي النُّقَاد لهذه الدعاوى، بل بتجاهلها في كثير من الأحيان، أو بدحضها بالقول إن من الصعوبة بمكان الكتابة عن جميع الأعمال كلها.

أما أنَّها موجةٌ لا تلبث أن تغيب ويمّحي أثرها في ظلِّ استحداث الجديد كلّ يومٍ في عالم التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.

رونان ماكدونالد يجيب عبر نتيجة خَلُصَ إليها والغريب أنها عكس ما دعا إليه سابقًا بأنه «ليس من الممكن أن يَحِلَّ المدوِّنون محل النُّقاد

في ردّ قاطع في ختام كتابه يجيب رونان ماكدونالد عبر نتيجة خَلُصَ إليها والغريب أنها عكس ما دعا إليه سابقًا بأنه «ليس من الممكن أن يَحِلَّ المدوِّنون محل النُّقاد، وأنه من حق الجميع التخوف على تلاشي المؤسّسة النقدية وحلول نوع من الكتابات السريعة التي تعتمد على الذائقة لا المعرفة، محل الكتابة التي تُضيء النُّصوص والكتابات».

لكن ليس معنى هذه الفوضى النقدية ـ إن جاز التعبيرـ أن تأتي أوصاف من قبل البعض بوسم مَنْ يمارسون الكتابة النقدية للصحف، بأن كتابتهم لا تليق أو غيرها من التعبيرات التي تُقَلِّل من قيمة ما يُكتب، فعروض الكتب التي تُقدِّمها بعض الصحف بتخصيص صفحات لها، أو في صورة مقالات لها أهميتها في إلقاء الضوء على الكِتاب، ومؤلفه، وهي لا تعني بأيّ حالٍ الاستعاضة بها عن الناقد المتخصِّص الذي يكمن دوره الحقيقي في أن يُحلِّل عناصر العمل الأدبي ويكشف لنا بصورة جلية لماذا يكون الفن والأدب جديرين باهتمام الناس. ومع هذا فهل لنا أن نطمح بأن نبحث عن نزعة «نقدية جمالية جديدة» فيما يطرح على صفحات التواصل أم هذه مجرد آراء لا ترقى مقام النقد ولا تحلّ محلّه بأيّ صورة من الصور.


موت القارئ


السؤال الأخير هل بعد موت المؤلف (عند رولان بارت)، وموت الناقد (عند رونان ماكدونالد) سيأتي اليوم الذي سَيُعلن فيه موت القارئ؟ وإذا كان الأمر هكذا فلِمَن سَتُتْرك مهمة الكشف عن جماليات النصوص؟ ربما في ظلّ علوّ الأنا وغلوّه لدى بعض المُبدعين، ووسم أنفسهم بألقاب ما أنزل الله بها من سلطان، صَار لا حاجة لهم لمن يَقِف عند أعمالهم. الجواب متروك للأيام القادمة وليس للتخمينات!

13