رونسار العصر الحديث والمغنية ذات الجبين البونابارتي

الثلاثاء 2014/06/03
ارتبط كوكتو وبياف بعلاقة وثيقة على مدى أزيد من عقدين

في الحادي عشر من شهر أكتوبر 1963 رحل فنّانان كبيران هما المغنيّة أديث بياف، وجان كوكتو الذي كان شاعرا، ورسّاما، وروائيّا، وكاتبا مسرحيا، ومخرجا سينمائيا، وعضوا بارزا في الأكاديمية الفرنسية، وكان الاثنان قد ارتبطا بعلاقة وثيقة على مدى أزيد من عقدين، فقد تعارفا في بداية الأربعينات من القرن الماضي.

كانت أديث بياف تقول عن كوكتو إنه “رونسار العصر الحديث”. ورونسار كما نحن نعلم هو أحد كبار الشعراء الفرنسيين في عصر النهضة، اشتهر خصوصا بقصائد الحب والغزل.

في عام 1953 بعثت أديث بياف رسالة إلى كوكتو تقول: “عزيزي جان.. إنه طريف ذلك الشعور الذي ينتابني في كلّ مرّة أراك فيها، وهو أن أحميك من كلّ خبث العالم؛ لكني أتبيّن أنك أنت الذي ترفع من معنويّاتي، وتمنحني شيئا من الشجاعة لمواجهة العالم”.

أمّا جان كوكتو فقد كان يصف بياف بـ”المرأة صغيرة الحجم ذات الجبين البونابارتي”. وكان يقول إن لها عيني بصير استعاد لتوّه نور البصر. وعقب حضوره إحدى حفلاتها، كتب عنها يقول: “لم يتبقّ منها شيء آخر غير نظرتها، ويديها الشاحبتين، وجبين الشمع الذي يستدرج الضّوء، والصوت الذي ينتفخ ويصعد، والذي شيئا فشيئا يحلّ محلّها، متعاظما مثل ظلّ على حائط لكي يعوّض في النهاية تلك الطفلة المجيدة الخجولة”.

وفي يوم 11 أكتوبر 1963، وقبل الساعة السابعة صباحا، توفيت أديث بياف بسبب نزيف داخلي. وكانت آنذاك في السابعة والأربعين من عمرها. وفي الحين غطّى نبأ وفاتها على أخبار عالمية في غاية الأهمية مثل الهجوم المسلح الذي شنته القوات الجزائرية بأمر من بومدين على المتمرّدين البربر في مناطق القبائل الجبليّة.

وفي بيته بضاحية “ميلي – لاقوريه”، قرب باريس، كان جان كوكتو يعاني من حمى شديدة بعد إصابته بأزمة قلبيّة للمرّة الثانية على التوالي، وقد حرصت الخادمة على عدم إعلامه بخبر رحيل صديقته العزيزة خوفا على صحته، وكان هو آنذاك في الرابعة والسبعين من عمره، وعندما بلغه الخبر في الساعة الحادية عشرة صباحا، علّق عليه قائلا: “يمكن القول إن السفينة غرقت الآن!”.


الفن محبة وسخاء


بعدها انعزل كوكتو في مكتبه ليكتب بعض الكلمات في وداع من كان يسميها بـ”الطفلة المجيدة الخجولة”. وعندما زاره صديق له قال له: “منذ الصباح وأنا أعاني من الحمّى، وموت بياف ضاعف من سوء صحتي!”. بعد منتصف النهار بقليل، فاضت روح ذلك الفنان المتأنق دوما في ملبسه وحركاته، والذي كان يرى أن الفن محبة وسخاء أو لا يكون. لذا كان يهبّ لمساعدة كل من تخذله الحياة من أهل الثقافة والفن، وينهض للدفاع عن الذين يتعرضون للقهر والظلم.

هاجمه أحد أنصار المقاومة الفرنسية بينما كان يقطع راجلا ساحة الكونكورد بباريس، واعتدى عليه بالضرب

وقد ولد جان كوكتو في 5 يوليو 1889 بقرية صغيرة تقع بالقرب من باريس. وكان في التاسعة من عمره لما انتحر والده برصاصة في الرأس. ولعل هذا الحادث المريع هو الذي جعل الطفل يرتبط بعلاقة وطيدة مع أمه، ويحاول من خلال الشعر الذي شرع في كتابته مبكرا أن يملأ الفراغ المريع الذي خلفه غياب الأب.

وبعد أن فشل كوكتو أربع مرات في الحصول على شهادة الباكالوريا، انقطع عن الدراسة لينضمّ إلى حلقات الفنانين الطلائعيين مصدرا مجموعة شعرية مستوحاة من “ألف ليلة وليلة” بعنوان: “مصباح علاء الدين”. كما تعرّف على مارسيل بروست، وعلى الكاتبة الأميركية أديث فارتون، وارتبط بعلاقات حميمية مع المشاهير مثل بيكاسو وسترافينسكي ولوي أراغون وغيرهم.

في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي عشق الفنانة ناتالي بالاي، وهي ابنة أحد مشاهير النبلاء في روسيا، غير أنه لم يتزوجها مفضلا “علاقة حرة” معها.

وفي مسرحياته عالج كوكتو قضايا العصر الحديث من خلال التراجيديات الإغريقية القديمة التي كان مفتونا بها إلى حدّ كبير. وأثناء الحرب العالمية الثانية لم يستنكر الاحتلال النازي لبلاده، بل إنه ارتبط بعلاقة صداقة مع أرنو بريكر الذي كان النحات المفضل لهتلر؛ وبسبب موقفه المتخاذل ذاك، هاجمه أحد أنصار المقاومة الفرنسية بينما كان يقطع راجلا ساحة “الكونكورد” بباريس، واعتدى عليه بالضرب حتى أنه كاد يفقد عينيه. لكن في نهاية الحرب الكونية الثانية غضّت السلطات الجديدة عنه الطرف، ولم تحاكمه.


مكتشف المواهب


كان لجان كوكتو الفضل في الكشف عن العديد من المواهب الأدبية والفنية، وهذا ما فعله مع رايمون راديغات صاحب “شيطان في الجسد” التي يروي فيها قصة حب بين مراهق وامرأة شابة كان زوجها على جبهات القتال في الحرب الكونية الأولى. وبسبب جرأتها، وتحدّيها لأخلاقيات المجتمع الفرنسي، أثارت تلك الرواية موجة احتجاج لدى القراء، غير أن كوكتو دافع عنها.

كما بذل كوكتو جهودا مضنية لإخراج جان جينيه من السجن بعد أن كان محكوما بالمؤبد. وخلال الزيارة التي أداها إلى مصر في الخمسينات من القرن الماضي، حرص على الذهاب إلى بيت طه حسين ليقبل جبينه قائلا له: “جئت لهذا فقط!”. وفي السنوات الأخيرة من حياته، أحسّ جان كوكتو أنه لم يتمكن من أن يفرض وجوده ككاتب أو كشاعر بين الكبار من مبدعي عصره من أمثال أندريه جيد، وسارتر وقد ظلّ ذلك يؤلمه حتى النهاية.

14