روهيت تالوار بعد قليل سنبقى نعمل حتى عمر المئة

السبت 2017/04/22
روهيت تالوار عالم مستقبليات يشتغل على الإنسان من سن 5 سنوات إلى 200 سنة

باريس- تقودك المفارقة البحثية عن “روهيت تالوار” إلى رجل آخر يحمل ذات الاسم ولد عام 1965 في مدينة “كانبور” الصناعية الهندية، ذات الثلاثة ملايين نسمة، إلا أنه توفي عام 2014.

“تالوار” موضوع حديثنا ولد بذات العقد الزمني ولكنه ما زال على قيد الحياة، بل يتنبأ بامتدادها لسنوات طوال، وهو يعتقد بأن متوسط عمر الإنسان سوف يتراوح بين 80 و200 سنة. وأن ذلك سيكون نتاج التطور الطبي الكبير وحلول الروبوت مكان الطبيب البشري خلال سنوات ثلاث فقط، وهذه الآلات قادرة على تشخيص أمراضنا ومعالجتها بدقة أكبر بكثير من بني جنسنا.

يوم مستقبلي

لا تقف المسألة عند استبدال الطبيب البشري بروبوت أكثر دقة ومعرفته بأجسادنا، إلا أنها تصل بحسب تالوار إلى فرصة الحصول على الخارطة الوراثية لكل فرد على سطح هذه الأرض. ولذا يمكنك أن تستيقظ في الصباح لتخبرك تلك الخارطة المخزنة على جهاز هاتفك النقال بأنك تعاني اليوم الصداع مثلا، أو أن جسدك يعاني وعكة من نوع ما، وتتخذ تلك الشريحة قراراً بمكالمة طبيبك وتحديد موعد مع توصيف الأعراض التي تعانيها دون أن تعلم أنت.

هذا إذا ما افترضنا السيناريو السلبي، أما الخيار الإيجابي فإنك تستيقظ بصحة جيدة، ولكن جسدك يحتاج نوعاً معيناً من العناية أو المواد الغذائية ذات البروتين العالي، ولذا يوجهك هاتفك النقال بالتواصل مع قائمة الأغذية الإلكترونية في المطعم، بعرض الأطباق المناسبة لحالتك اليوم وكذلك المشروبات التي تتناسب وظرفك الصحي الراهن.

وتذهب تلك الميزات المستقبلية المتوقع دخولها حياتنا بعد سنوات خمس لا أكثر، تذهب لحد اختيار وتحديد المواد المراد شراؤها من السوق، ويقوم الهاتف بتوجيهك عبر الممرات ورفوف السلع، وعند عودتك إلى سيارتك التي تقود نفسها بنفسها وفق نظام الملاحة الذكي العامل بالصدى، تُجري في طريق العودة كما طريق الوصول إلى السوق مجموعة اتصالات أو تطالع الأخبار وربما تغفو قليلاً، على أن تخصّص في نهاية كل يوم حوالي عشرين دقيقة لمراجعة قاعدة بياناتك اليومية والتعليق على ما تمّ تنزيله من معلومات على شريحتك الشخصية التي تسجل كل محادثة وكل صورة رأيتها خلال نهارك.

هذه الصورة المشرقة عن المستقبل لا تختصر المشهد من وجهة نظر تالوار. ففي الجانب المظلم هناك الكثير أيضاً. الروبوتات التي حلت مكان الطبيب والسائق والعامل وربما المعلّم ستساهم في اختفاء ما بين 30 إلى 80 بالمئة من الوظائف المعروفة خلال 200 سنة قادمة. ورغم أن معدلات الأعمار ستطول، يبقى السؤال عن أنواع الوظائف التي يمكن أن يشغلها البشر، حيث أن التحضير لفرص العمل والمهارات المستقبلية المتعددة مطلوب، كما يصر تالوار، الذي يؤكد بأن علينا تعلم الكثير من المهن لحماية أنفسنا في المستقبل الذي قد يضطر فيه أولادنا للعمل حتى سن المئة عام من حياتهم، وقد يستبدلون أكثر من أربعين وظيفة خلال سنوات عملهم الطويلة.

الخارطة الوراثية، لكل فرد على سطح هذه الأرض، مخزنة على جهاز هاتفك النقال يمكن أن تخبرك حين تستيقظ في الصباح بأنك تعاني اليوم من الصداع مثلا، أو أن جسدك يواجه وعكة من نوع ما، وتتخذ تلك الشريحة قرارا بمكالمة طبيبك وتحديد موعد مع توصيف الأعراض التي تعانيها دون أن تعلم أنت

مهن بديلة

إذن علينا أن نحترف التعلم السريع كي ننجو. وعلينا العمل في عشر مهن مختلفة خلال سنوات عملنا الطويلة المتوقعة، لذا يجب أن نتقن التجارة الإلكترونية مثلاً وتأجير مساحات من بيتنا كمستودعات لشركات البيع بالتفرقة وكذلك مهن التصميم الإلكتروني والإدارة الشبكية عبر الإنترنت، ويقول تالوار بأن علينا تعلم قيادة سيارة الأجرة وربما الطبخ وتنظيف المنازل لنكسب قوت يومنا في ظلّ تحوّل غالبية الشركات إلى الرجال الآليين بسرعة كبيرة لا يمكن اللحاق بها بسهولة.

هولندا وضعت خطة لاستبدال سائقي القطارات في كل البلاد برجال آليين، بدلا من السائقين التقليديين. أثارت تلك القرارات الاحتجاجات كعادة النقابات الأوروبية ولكن النقابيين صمتوا في النهاية.

القرار سينفّذ مع بداية العام القادم ليستخدم السائق الهولندي المرونة التي تعلمها من ثقافته ليتقن مهنة جديدة تعينه على الحياة وصعوباتها، وفي المرحلة الانتقالية يعتمد على النفقة الحكومية المخصصة للعاطلين عن العمل إلى حين توفر فرصة عمل جديدة.

النظم الاقتصادية الأوروبية التي عبرت مراحل تطور معقدة إلى أن باتت على ما هي عليه اليوم لا يمكن مقارنتها بحال من الأحوال مع النظم الاقتصادية في العالم الثالث التي ترمي بعشرات الموظفين على قارعة الطريق دون أمل أو فرصة للحياة التي تصنّف هناك بالرخيصة قياساً بالحياة المكلفة في شمال الكرة الأرضية. إلا أن أتمتة العمل ستطال كل المصانع في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فما مصير عمال وسكان تلك البلاد؟ كيف لهم أن يبقوا على قيد الحياة؟ هل يعودون إلى العمل في الزراعة والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والرخيصة؟

علينا تعلم قيادة سيارة الأجرة لنكسب قوت يومنا في ظل تحوّل غالبية الشركات إلى الرجال الآليين

ربما بات من الواجب على كلّ إنسان بحث خياره الفردي للخلاص قبل وصول الثورة الجديدة للحياة الطويلة والمنظمة بطريقة معقدة وأكثر تكلفة مع دخل محدود وربما معدوم. وعلى المدارس اليوم أن تربّي وتعلّم الأطفال الاستعداد لهذا المستقبل بكل تفاصيله من العمل الكثير والمهن المتعددة ومروراً بالعناية الصحية والمرونة والقدرة على التعلم المستمر بلا توقف.

كيف ستواجه البشرية بطالة أكثر من 50 بالمئة من سكان الكوكب؟ هل باتت ثورات الجياع مصيراً حتمياً ضد الشمال المتطور؟ هل سيعبر الفقراء البحر المتوسط وصولاً إلى أوروبا بحثاً عن ملجأ آمن لحياتهم المهددة بالبطالة الحتمية؟ كم ستنمو معدلات الهجرة نتيجة كل هذه التغيرات؟

مجتمعات معمرة

الموت سيكون أمراً نادراً بلا حروب أو كوارث طبيعية، المرض أكثر ضعفاً وأقل فتكاً بحياة الناس. ومع السنوات القليلة القادمة ستكون معظم الأمراض المستعصية المعروفة اليوم من الذاكرة، وأهم هذه الأمراض الشيخوخة المتوقع لها أن تصبح بعيدة جداً. فتالوار يتنبأ بنتائج مذهلة لما أسماها “الثورة الصامتة” والتي تعمل على إنجاز توليفة عوامل من شأنها تأخير الشيخوخة، وفي غضون 5 سنوات سيكون هناك بشر متقدمون جينيا في العالم الحديث، مؤكداً أن إطالة عمر الإنسان من المشروعات الكبيرة التي تستثمر فيها شركات عملاقة.

وفي الجانب الآخر نموّ هائل لطاقة أجهزة الكومبيوتر يغذي الطموحات البشرية للتنمية ويدفع تحولاً أساسيا في عالم الصناعة والأعمال إذ بات من الممكن أن تكون لدينا شركات تصل قيمتها إلى عدة مليارات من الدولارات رغم أن لديها أقل من ألف موظف.

ستتغير خارطة العالم عما قريب، فما هي استعدادات البشرية اليوم لهذه التحولات العملاقة؟ خمس سنوات تفصلنا عن أول النتائج المتوقعة، فكيف لنا تقبّلها؟ هل سيكون الأمر كالهاتف النقال الذي كان أمراً مدهشاً في بداياته ثم بات من ضروريات الحياة بعدها؟ أم ستكون كالطائرات التي قرّبت المدن بطريقة مذهلة ومن ثم بات الحديث عن الانتقال بالجزئيات أمراً واردا؟

الإنسان يقفز إلى المستقبل متخلصاً من ماض مشكوك بكل ما فيه، وتاركاً حاضراً مؤلماً، فهل ينجو بقفزته تلك؟ من يضمن أننا لن نقفز إلى العدم أو النهاية؟ من ينفي مصير أطلنطس عن أبناء الألفية الثالثة؟

تالوار يتنبأ بأن علينا العمل في عشر مهن مختلفة خلال سنوات عملنا الطويلة المتوقعة

أسئلة كثيرة يحاول تالوار رئيس شركة فاست فيوتشر للأبحاث منذ العام 1999 الإجابة عنها بطريقته وملامحه السمراء التي تخبرك عن أصله الهندي.

أبناء المجتمعات الفقيرة الحالمون هم من سيغيّرون التاريخ، دماء حارة ترغب في الحياة وتدافع عنها وتصنعها بكل قوتها ومقدرتها، ربما هو يعيش هاجس البطالة إلا أن المملكة المتحدة لديها نظام اقتصادي يمكّنه من العيش إلى حين تعلم مهنة جديدة بدلاً من عمله الحالي كمتحدث ومستشار في عالم المستقبليات، وكمحاضر في أكثر من ستين بلداً حول العالم.

عمل تالوار في المركز العالمي للمستقبليات عام 2006، وفي العام 2002 عمل كمدير لأحد مراكز التنمية الدولية. درس الإدارة في مدرسة لندن للأعمال. وفي الأصل هو خريج كلية الإلكترونيات والكمبيوتر في جامعة كيلي البريطانية أواسط ثمانينات القرن العشرين.

إلا أن كل هذا ربما لا يكفيه، فيضطر لتغيير مهنته أو تأجير مساحة من بيته لشركات البيع بالتفرقة، أو العمل كسائق تاكسي في الصباح ومحاضر مستقبليات في المساء.

هذه الحياة التي تنبأ بها تالوار في كتبه التي نشر منها “مستقبل الأعمال” سنة 2015، و“مستقبل إنساني جداً” عام 2016، وبناء على ذلك تم ترشيحه كواحد من أهم عشرة مفكرين عالميين في شؤون توقع المستقبل، وبات ضيفاً معروفاً لدى عدد من البرامج الإخبارية المعنية بالمستقبل والابتكار.

13