روي أندرسون: خليفة برغمان الذي دخل التاريخ بثلاثة أفلام فقط

الأحد 2015/04/19
روي أندرسون حاملا جائزة الأسد الذهبي التي فاز بها في مهرجان فينيسيا (البندقية)

لم يكن أحد يتصور أن المخرج السويدي روي أندرسون يمكن أن يكون له وجود محسوس في تاريخ السينما على نحو ما حدث، خصوصا بعد أن فاز فيلمه الأحدث “الحمامة التي جلست على غصن تتأمل في الوجود”، على جائزة “الأسد الذهبي” في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير. صحيح أن فيلمه الأسبق وهو الأول في هذه الثلاثية، “أغنيات من الطابق الثاني”، حصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي قبل خمسة عشر عاما، غير أن أندرسون الذي يخرج الأفلام بروح الهواية، كان قد توقف لمدة ربع قرن، عن الإخراج بعد ما تعرض له فيلمه الثاني “غيلياب” Giliap عام 1975 من نقد شديد.

أندرسون، الذي يراه الكثيرون الخليفة الحقيقي لعملاق السينما السويدية إنغمار برغمان، هو على العكس تماما من برغمان، فعلى حين أخرج برغمان طيلة حياته المديدة (توفي في التاسعة والثمانين من عمره) 63 فيلما طويلا، لم يخرج أندرسون (البالغ من العمر 72 عاما) سوى خمسة أفلام منذ أن بدأ الإخراج قبل 45 عاما. وهو يكسب عيشه من إخراج الإعلانات التلفزيونية التي بلغت أكثر من 400 فيلم إعلاني.

ربما يكمن التشابه بين برغمان وأندرسون، في أن كليهما يرتبط بصنع “سينما مغايرة” لما هو متوقع وسائد، أي أفلام لا تهتم كثيرا بالحبكة والصراع، بل “سينما ذهنية”، يكمن جمالها في ما تثيره من تساؤلات وجودية عن طبيعة حياتنا وما نفعله بها، هل نقدرها كما يجب، وما جدوى الصراع إذا كانت الحياة ستنتهي حتما بالموت، وما الموت؟ وكيف أنه يوجد بجوارنا لكنا غافلون عنه، مستمرون في عبثنا، وهل العبث جزء من حياتنا التي أصبحت تحركها قوى عاتية لا نملك لها دفعا، نقف عاجزين أمامها، أو مشاركين في لعبة عبثية لا تنتهي، خاصة أن هذه القوى ليست ميتافيزيقية بل من صنعنا نحن، وهي تعمل طبقا لآليات أساسها الجشع والتوسع والسيطرة والمنافسة الشرسة، حتى لو كان معنى هذا تدمير البيئة، والقضاء على علاقتنا ببعضنا البعض، وبالطبيعة من حولنا.

أندرسون يخلق واقعا سينمائيا خاصا به في أفلامه، حيث يعيد تركيب وترتيب المواقف وقطع الديكور، ويحرك الأشخاص في نطاق محدد مرسوم سلفا، داخل ديكورات شاحبة الألوان

أندرسون رغم تعبيره عن الشقاء الإنساني، وعن عبثية حياتنا وما نفعله بأنفسنا وبعالمنا، ليس من السينمائيين المتأثرين بالفلسفة الدينية التي تطرح التساؤلات حول علاقة الإنسان بالله مثلا، فهو أقرب في فكره إلى عدمية نيتشه التي تقوم على مبدأ “موت الإله”، أو فكرة غياب بنية مركزية محددة خارج العالم، هي التي تتحكم في مصائرنا، وأن الإنسان جزء من الطبيعة، لا يعلو عليها، وإنما يتجاور معها، العالم يقوم على الصراع، وتحكمه المصادفات والفوضى، ولا ثبات فيه للمطلقات. وهذه الأفكار هي التي تتردد في أفلامه خصوصا الثلاثية الشهيرة.

قصة حب

صوّر أندرسون فيلمه الأول، فيلم “قصة حب سويدية”، عام 1969 وكان وقتذاك في السابعة والعشرين من عمره، وأنهى العمل فيه عام 1970. ويصور الفيلم قصة حب بين فتى وفتاة في سن المراهقة، لا يأخذها الكبار من حولهما على محمل الجد، لكن الفيلم الذي بدا متأثرا كثيرا بموجة أفلام النقد الاجتماعي السياسي التي ظهرت في أوروبا الشرقية وقتها، كان يلامس أيضا الطبيعة الاكتئابية للشخصية السويدية وعزلة الأفراد عن بعضهم البعض وتظاهرهم بالمرح بينما يخفون في داخلهم إحساسا بالفراغ، إذ يفتقدون إلى السلام مع النفس والتآلف مع الآخر.

يستخدم أندرسون اللقطات القريبة للوجوه، للاقتراب من شخصيات فيلمه، الذين يشعر بالتعاطف معهم، ويريد للمشاهد أن يقرأ كيف تنعكس مشاعرهم على وجوههم، ويترك للكاميرا حرية الحركة كثيرا، لتعكس تلك الحيرة التي تحيط بالشخصيات، وغربتها عن المكان.

وفي فيلمه الثاني “غيلياب” (1975)، يميل أندرسون إلى تجريد القصة قليلا، ومنحها طابعا رمزيا، مشبعا بنوع من الهجاء السياسي المستتر. موضوعه هو الاغتراب الناتج عن القهر الطبقي من خلال الشخصية الرئيسية، عامل شاب في فندق متواضع، يقاوم أي محاولة من جانب زميلته في العمل “آنا” للاتصال العاطفي معه، تطلق هي عليه “غيلياب”، ويتعقبه رجل ينتمي إلى الطبقة العليا، يقنعه بالاشتراك معه في تهريب صديق من السجن، ملوحا له بالمال الوفير، لكن العملية تفشل، ويشعر “غيلياب” بالتضامن أكثر مع “آنا” التي تريد أن تهرب من هذا الواقع البائس إلى شاطئ البحر، لكن الفيلم ينتهي نهاية مأساوية دامية.

أندرسون يخلق واقعا سينمائيا خاصا به في أفلامه، حيث يعيد تركيب وترتيب المواقف وقطع الديكور، ويحرك الأشخاص في نطاق محدد مرسوم سلفا، داخل ديكورات شاحبة الألوان

يتخلى أندرسون هنا عن لقطاته القريبة وعن تحريك الكاميرا إلّا نادرا، يحيط الشخصية الرئيسية في فيلمه بنوع من الغموض والتجريد، كونها رمزا لطبقة، يهتم كثيرا بفكرة السلطة القمعية، ومعاناة الطبقة العاملة ولكن دون تلك القسوة الساخرة التي نراها مثلا في الفيلم الإيطالي “الطبقة العاملة تذهب إلى الجنة” (1971) لإيليو بتري، ويحمل الفيلم البذور الأولى التي سترسخ أكثر في ثلاثيته.

"أغنيات من الطابق الثاني (2000)"

هذا أول أفلام الثلاثية، وفيه يبتكر أندرسون لنفسه أسلوبا خاصا للتعبير عن عبث الوجود، وعدمية الإحساس بالإنسان كجزء مكمل للطبيعة، بل وانفصال التاريخ نفسه عن الحاضر، وغربة الإنسان عن عالمه، والتعبير عن شقائه الذي لا يعرف له سببا محددا، وصولا إلى العدمية، لذلك سنرى أنه يستخدم التجريد في أفلامه الثلاثة التي تبدو مصممة على وتيرة واحدة، مع نغمة لونية سائدة موحدة، ومناظر تأثيرية تعكس الطبيعة المميزة للطقس في السويد، لكنه يصل في تجسيد خياله الشعري إلى السوريالية، من خلال حس كوميدي عبثي ساخر. وهو بهذا المعنى، يصبح أقرب، لا إلى برغمان، ولكن إلى السوريالي العظيم لويس بونويل.

يبدأ الفيلم بكتابة على الشاشة هي عبارة عن بيت شعر لشاعر من بيرو، يقول “طوبى لمن يجلس″. هذه العبارة ستتكرر كثيرا في سياق الفيلم على لسان أكثر من شخصية من تلك الشخصيات الغريبة التي تظهر وتختفي، تبدو وكأنها تبحث عن حلول للمشاكل، في حين أنها في الحقيقة، تغلق الباب أمام أي حلول، فقد أصبح الأمر عندها يستوي، سواء خرجت أم بقيت؛ بيت الشعر الذي يستخدمه أندرسون يبدو موجها أكثر للجمهور، في سياق ساخر.

بعد ذلك نشاهد مجموعة من المشاهد المنفصلة- المتصلة، أقرب إلى الاسكتشات التجريدية، التي تكثف حالة شعورية ومزاجية تسود الفيلم كله بل وأفلام الثلاثية، لكن هناك خيط رفيع يربط بينها. إنها تلخيص لحالة السويد، هشاشة مجتمع الوفرة الكامنة التي تنكشف عند أول أزمة اقتصادية، أناس يتحركون مثل “الروبوت” في الشوارع، مدينة مجردة، في زمن قد يكون الخمسينات الماضية، رجل طرد من العمل بعد أن قضى 30 عاما، يقبض بيده على قدم رئيسه يزحف خلفه على الأرض، يستعطفه أن يعود إلى عمله بلا جدوى.

أندرسون يرسم صورة مشبعة بالسخرية من ثقافة صنعها الإنسان، تعجز عن تقديم الحلول، رجال دين لا يقدمون شيئا لمساعدة الآخرين
رجل آخر يحرق محتويات محل الأثاث الذي يملكه لكي يحصل على تعويض من شركات التأمين، يزور ابنه الأكبر الشاعر الذي فقد عقله في مصحة نفسية وأصبح يرفض الحديث مع الآخرين، يتبدّى له شبح ابنه الثاني الذي كان جنديا وشنقه النازيون وقت الحرب، ساحر يقدّم عرضا يطلب متطوّعا من الجمهور يدخله في صندوق خشبي ثم يصيب بطنه بالمنشار فينقلونه إلى المستشفى، فتاة يضحّي بها القساوسة من أجل وقف تدهور الأحوال في العالم، مسيرة مستمرة طول الوقت في المدينة لأناس يجلدون ظهور بعضهم البعض بالحبال، احتجاجا على سوء الأوضاع، تاجر يبيع الصلبان الخشبية لكنه يكتشف أنها تجارة غير مربحة فيلقي بأكوام الصلبان في القمامة خارج المدينة.

وهكذا يرسم أندرسون صورة مشبعة بالسخرية من ثقافة صنعها الإنسان، تعجز عن تقديم الحلول، رجال دين لا يقدمون شيئا لمساعدة الآخرين، وعنصرية متفشية، وعشرات السيارات تصطف في الشوارع، عاجزة عن الحركة، ومجموعة من ضباط الجيش يزورون قائدهم السابق للاحتفال بعيد ميلاده المئة في بيت للمسنين، فيفاجئهم بالتحية النازية.

لقطات ومشاهد الفيلم ثابتة، فلا حاجة لتحريك الكاميرا، لجعل التأثير مباشرا ومن داخل المشهد نفسه، وليس من خارجه. إنه ذلك الجحيم الأرضي، في عالم فقد الروح والحس والتضامن الإنساني، عاجز عن إشباع حاجاته، كل همّه -كما يقول أحدهم- “أن نضع بعض الطعام على المائدة ونجعلها تبدو جذابة”. أو “طوبى لمن يجلس″ كما يردد تاجر الأثاث طيلة الوقت، وكذلك عامل البار الذي ينذر الزبائن في كل مرة، بأن الوقت حان لأن يقتنوا المشروب الأخير.

فتاة تبحث عن الحب في خيالها كما في فيلم "أنت أيها العيش"

أنت أيها العيش

في الفيلم التالي “أنت أيها العيش” you The Living الذي أخرجه عام 2007، يمد أندرسون التجربة على استقامتها؛ يبدأ الفيلم برجل مستلق على أريكة خشبية ينهض قائلا إنه رأى في الحلم أسرابا من قاذفات القنابل تغطي السماء، وينتهي الفيلم بأسراب متعاقبة من الطائرات تملأ صفحة السماء الزرقاء، وما بين البداية والنهاية خمسون مشهدا ثابتا، تتقاطع فيها الشخصيات، تلتقي وتفترق، تظهر وتختفي، تروي عن أحلامها وعما تعاني منه، عامل بناء في شاحنة صغيرة، يتطلع إلينا ليخبرنا أنه حلم بأنه أزاح غطاء من فوق مائدة عامرة بعشرات الأواني النادرة من “الصيني الأصلي” تعود إلى مئتي عام مضت، فحطمها كلها أمام نظرات المدعوين المتجمدة في حفل من حفلات الطعام التي تقيمها الطبقة الراقية، أمام هيئة المحكمة، يحتسي القضاة البيرة ويصدرون عليه حكم الإعدام بالكرسي الكهربائي.

فتاة بائسة تبحث طيلة الوقت عن حبيبها عازف القيتارة وتتخيل أنهما تزوجا وأصبحا يقيمان في منزل، سرعان ما يتحرك كأنه قطار ليصل إلى محطة حيث يستقبلهما آلاف الناس بالورود والهتافات المرحبة. وأفراد فرقة موسيقية يتدربون كل على حدة داخل منازلهم في منتصف الليل، غير مبالين بما يصدرونه من ضجيج يزعج الآخرين، ثم يجتمعون للتدرب معا في قاعة بطابق علوي يطل على المدينة، وفي الخارج تثور عاصفة رعدية وتسقط أمطار غزيرة تبدو وكأنها ستغرق كل شيء، وسط لامبالاة الجميع. وحلاق (كردي أو تركي غالبا) يثور غاضبا من زبون لا يرضيه شيء، فيقص خصلة كبيرة من شعره بوسط رأسه، ثم يتركه ليجلس في المقهى غير مبال.

أندرسون يخلق واقعا سينمائيا خاصا به في أفلامه، حيث يعيد تركيب وترتيب المواقف وقطع الديكور، ويحرك الأشخاص في نطاق محدد مرسوم سلفا، داخل ديكورات شاحبة الألوان، على خلفية من الأخضر الفاتح والأصفر والرمادي. إنه يرسم ملامح عالم كئيب، فقد الإنسان فيه القدرة على التواصل، وصار عاجزا عن الإحساس بقيمة ما يوجد حوله، مهملا للطبيعة ومهملا حتى جسده الذي تركه يترهل.

أما الفيلم الثالث في ثلاثية أندرسون، وهو “الحمامة التي وقفت على غصن تتأمل في الوجود” فيستحق دون شك، مقالا مستقلا.

16